إيران
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
لا تطرح طهران مبادئها الخمسة للأمن في غرب آسيا بوصفها شروطًا تقنية لوقف إطلاق النار فحسب، بل باعتبارها تصورًا سياسيًا لما ينبغي أن تكون عليه المنطقة بعد الحرب. فإعلان إنهاء المواجهات على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، ودفع التعويضات، وحسم ترتيبات مضيق هرمز، وصولًا إلى ضمان عدم تكرار العدوان، يكشف أن إيران تريد نقل التفاوض من إدارة التصعيد إلى معالجة أسبابه وموازين القوة التي أنتجته. وفي المقابل، لا تنفصل هذه المطالب عن خطاب عسكري يلوّح بتوسيع بنك الأهداف وتجاوز الحدود الجغرافية لأي مواجهة مقبلة؛ ما يجعل الدبلوماسية محكومة بمعادلة الضغط والردع، لا بحسن النيات وحده. وبينما تتواصل الوساطات الإقليمية لتقريب المواقف، تصرّ طهران على أن أي تسوية لا تنهي الحرب في لبنان وغزة، ولا تعالج الحصار والضمانات الأمنية، ستبقى هدنة قابلة للانهيار. بذلك، لا تكتفي إيران بالتفاوض على نهاية الحرب، بل تسعى إلى تحديد قواعد اليوم التالي لها، وطرح سؤال جوهري: من يضع نظام الأمن في غرب آسيا، دول المنطقة أم القوى التي أدارت الحرب من خارجها؟ ومن يتحمل كلفة فرض تلك القواعد الجديدة؟
من "وقف الحرب" إلى "إعادة تعريف الأمن"
في الإعلان عن المبادئ الخمسة، تضع طهران إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ولا سيما لبنان وغزة، في مقدمة شروطها. وهذه النقطة ليست تفصيلًا تفاوضيًا يمكن تجاوزه أو تأجيله إلى مرحلة لاحقة، بل تعكس تصورًا إيرانيًا لطبيعة المواجهة باعتبارها صراعًا مترابط الجبهات، لا مجموعة حروب منفصلة يمكن إنهاء إحداها والإبقاء على الأخرى.
فمن وجهة النظر الإيرانية، لا يمكن الحديث عن أمن مستدام في غرب آسيا فيما تستمر الاعتداءات على لبنان، وتتواصل الحرب على قطاع غزة، وتبقى احتمالات استهداف إيران قائمة. وبالتالي، فإن أي اتفاق يقتصر على وقف المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، من دون معالجة بقية الجبهات، لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء أسباب الصراع، بل قد يعيد إنتاجها ضمن شروط مختلفة.
وتحمل هذه المقاربة رسالة سياسية واضحة إلى الولايات المتحدة: لا يمكن فصل أمن إيران عن البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها، ولا يمكن مطالبة طهران بتقديم تنازلات استراتيجية فيما تستمر الحرب على حلفائها وتبقى أدوات الضغط العسكري قائمة. كما ترفض إيران الدخول في مفاوضات تجري تحت التهديد، معتبرة أن الجمع بين التفاوض والتهديد العسكري يحوّل العملية الدبلوماسية إلى محاولة لفرض الإملاءات، وليس إلى تفاوض بين طرفين يمتلكان أوراق ضغط متبادلة.
ومن هنا، تبدو المسألة أبعد من خلاف حول ترتيب بنود اتفاق محتمل. فواشنطن تريد تسوية تضمن مصالحها الأمنية وتحد من قدرة إيران على التأثير في الإقليم، فيما تسعى طهران إلى اتفاق يعترف بموقعها الإقليمي ويمنع تحويل وقف الحرب إلى مرحلة انتقالية تسبق جولة جديدة من الضغوط أو العمليات العسكرية.
خمسة مبادئ وحزمة شروط مترابطة
لا يمكن قراءة المبادئ الخمسة التي طرحها اللواء عبداللهي بمعزل عن السياق الذي أُعلنت فيه. جاءت هذه المبادئ في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، بالتزامن مع "اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي"، وهو توقيت يحمل دلالات رمزية عميقة في العقيدة السياسية الإيرانية. لقد أرادت طهران أن تقول لواشنطن، بصراحة لا لبس فيها، إن الأمن في غرب آسيا لم يعد حكرًا على "المظلة الأمنية الأميركية المهترئة"، بل بات مشروطًا بإنهاء شامل للحرب على جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان وغزة، حيث ترفض طهران أي تفاوض تحت وطأة التهديد، معتبرة أن الاقتران بين التفاوض والتهديد هو "فرض وإملاء".
تتوزع المبادئ الإيرانية على خمسة مسارات متداخلة، تبدأ بإنهاء الحرب، ثم الانتقال إلى معالجة آثارها الاقتصادية، وصولًا إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في المنطقة.
في المسار الأول، تطالب طهران بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما يشمل لبنان وغزة، باعتبار أن وقف المواجهات لا يمكن أن يكون انتقائيًا أو محصورًا بالساحة الإيرانية.
وفي المسار الثاني، تضع رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة شرطًا أساسيًا للتسوية. ويعكس ذلك إدراكًا إيرانيًا بأن وقف العمليات العسكرية من دون إنهاء منظومة الضغط الاقتصادي سيُبقي البلاد تحت حصار بأدوات مختلفة، ويجعل الاتفاق عاجزًا عن توفير استقرار طويل الأمد.
أما المسار الثالث، فيتعلق بالتعويضات عن الأضرار التي لحقت بإيران خلال الحرب. وهذا المطلب يحمل بعدًا قانونيًا وسياسيًا، لكنه يواجه عمليًا عقبات كبيرة، نظرًا إلى رفض واشنطن الاعتراف بمسؤوليتها عن دفع تعويضات، فضلًا عن أن إدراجه في أي اتفاق سيشكل سابقة سياسية يصعب على الإدارة الأميركية تسويقها داخليًا.
وفي المسار الرابع، تبرز مسألة مضيق هرمز باعتبارها إحدى أكثر القضايا حساسية. فطهران لا تريد حصر النقاش في ضمان حرية الملاحة، بل تسعى إلى إدراج موقعها الجغرافي والسياسي في صياغة ترتيبات أمن المضيق، واستبدال المظلة الأمنية الأميركية بآلية إقليمية تنطلق من دول المنطقة.
أما المسار الخامس، فيتعلق بضمان عدم تكرار العدوان، وإقامة منظومة أمنية لا تعتمد على القوى الخارجية، بل على ترتيبات إقليمية توفر للدول المعنية دورًا مباشرًا في إدارة أمنها.
وتكشف هذه الحزمة أن إيران لا تفصل بين الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية. فرفع العقوبات، مثلًا، ليس مجرد مطلب اقتصادي، بل يرتبط بقدرة الدولة على استعادة مواردها وتمويل احتياجاتها الدفاعية والتنموية. والتعويضات ليست مسألة مالية فقط، بل تتصل بالاعتراف بكلفة الحرب ومسؤوليات الأطراف عنها. أما ضمانات عدم الاعتداء، فتمثل محاولة لتحويل التوازن العسكري إلى التزام سياسي يمنع تكرار المواجهة.
مضيق هرمز.. جوهر معركة ما بعد الحرب
إذا كانت الجبهات العسكرية تمثل ساحة المواجهة المباشرة، فإن مضيق هرمز يمثل إحدى أهم ساحات الصراع على شكل النظام الإقليمي المقبل. فالمضيق ليس ممرًا بحريًا عاديًا، بل نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها حصة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، ما يمنحه وزنًا يتجاوز جغرافيته الضيقة إلى الاقتصاد الدولي بأكمله.
ومن هنا، فإن إدراج الاعتراف بسيادة إيران على المضيق ضمن المبادئ الخمسة يكشف أن طهران تريد تحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر ثابت في أي تسوية مقبلة. وهي بذلك تنقل النقاش من حرية الملاحة، باعتبارها مبدأ دوليًا عامًا، إلى الجهة التي تتولى إدارة الترتيبات الأمنية، وتحديد آليات المرور، وضمان عدم استخدام المضيق في عمليات عسكرية تستهدفها.
ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للموقف الإيراني تكمن في رفض العودة إلى المعادلة السابقة التي كانت تمنح الولايات المتحدة الدور المركزي في توفير الأمن البحري، وتضع دول المنطقة أمام ترتيبات تقودها قوة خارجية. فطهران تريد أن يصبح أمن هرمز جزءًا من منظومة أمن إقليمي أوسع، لا امتدادًا للوجود العسكري الأميركي.
وهنا تحديدًا تتجاوز المسألة الخلاف حول المضيق إلى جوهر التنافس بين مشروعين: الأول يريد استمرار المظلة الأمنية الأميركية باعتبارها الضامن الأساسي لاستقرار الممرات البحرية، والثاني يسعى إلى تقليص هذا الدور وإقامة ترتيبات إقليمية جديدة. وبين المشروعين، تصبح حرية الملاحة والأمن البحري جزءًا من معركة إعادة توزيع النفوذ.
الرد الأميركي "غير المقنع".. هل تعثرت المفاوضات؟
في موازاة الإعلان عن المبادئ الخمسة، جاء وصف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، للرد الأميركي على مطالب طهران بأنه "غير مقنع" ليكشف أن المسار الدبلوماسي لم يصل بعد إلى نقطة تفاهم حقيقية.
فدعوة رضائي واشنطن إلى الإجابة بصورة كاملة وصريحة عن الشروط الإيرانية، والالتزام بتنفيذها، تعني أن الخلاف لا يتعلق فقط بصياغة العبارات أو ترتيب الأولويات، بل بمضمون الالتزامات التي يريد كل طرف انتزاعها من الآخر.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن المفاوضات إلى أن الوساطة القطرية لا تزال تحاول تقليص الفجوات، من خلال تبادل الرسائل والردود بين الجانبين. وقد أجرى الوفد القطري زيارات متكررة إلى طهران، بالتزامن مع اتصالات ومباحثات مع مسؤولين إيرانيين، في محاولة لمنع انهيار المسار السياسي والعودة إلى المواجهة العسكرية.
لكن استمرار الوساطة لا يعني أن الاتفاق بات قريبًا. فالمسؤول الإيراني الذي تحدث إلى وكالة رويترز أكد أن الطرفين لا يزالان بعيدين عن التوصل إلى تفاهم، وأن طهران لن تقبل المطالب الأميركية التي تصفها بالمفرطة، مشددًا على أن إعادة فتح مضيق هرمز ترتبط بتلبية شروطها، وأن المحادثات النووية يمكن أن تبدأ بعد ذلك.
وهذا الترتيب مهم في دلالاته؛ إذ تسعى إيران إلى منع اختزال التفاوض في الملف النووي، أو العودة إلى معادلة تبدأ من القيود المفروضة على برنامجها النووي، بينما تبقى ملفات الحرب والعقوبات والضمانات الأمنية والمضيق خارج إطار التسوية.
الردع الأقصى.. التفاوض تحت سقف الاستعداد العسكري
لا يمكن قراءة المبادئ الخمسة بمعزل عن الخطاب العسكري الإيراني الذي يرافقها. فقد أعلن الحرس الثوري وضع توجيهات القيادة العليا موضع التنفيذ ضمن استراتيجية "الردع الأقصى"، مؤكدًا استمرار الجاهزية القتالية وتحديث بنك الأهداف، بما يشمل الأصول المادية وغير المادية للولايات المتحدة و"إسرائيل".
كما رفع مسؤولون عسكريون وسياسيون سقف التحذيرات، مشيرين إلى أن أي عدوان جديد قد يقابل برد أوسع من السابق، ومن دون قيود جغرافية، وأن المصالح الأميركية والقواعد العسكرية الموجودة خارج غرب آسيا قد تكون ضمن نطاق الاستهداف.
ولا ينبغي التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها فقط امتدادًا للخطاب التعبوي الإيراني. فهي تؤدي وظيفة تفاوضية واضحة، تتمثل في رفع تقدير الكلفة لدى واشنطن قبل اتخاذ قرار عسكري جديد. فإيران تريد إقناع الإدارة الأميركية بأن أي مواجهة مقبلة لن تكون عملية محدودة يمكن التحكم بمسارها أو احتواء تداعياتها، بل قد تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية تمس القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية وإمدادات الطاقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التهديد باستهداف الأصول الأميركية في منطقة الخليج، بما فيها المنشآت المرتبطة بالطاقة ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فهذه الاستثمارات تمثل جزءًا من الرهانات الأميركية على مستقبل المنطقة الاقتصادي والتكنولوجي، وأي اضطراب واسع قد يضعها أمام مخاطر أمنية واستثمارية كبيرة. غير أن الرسالة الأساسية تكمن في محاولة تغيير حسابات واشنطن: الحرب التي يمكن أن تبدأ بقرار أميركي لن تبقى بالضرورة تحت السيطرة الأميركية. وهنا تظهر معادلة الردع التي تحاول طهران تثبيتها. فهي لا تكتفي بالقول إنها قادرة على الرد، بل تريد أن تجعل القرار الأميركي بالهجوم مرتبطًا بحسابات الخسائر المحتملة، وليس بتقدير محدود للقدرات الإيرانية.
الانتخابات الأميركية.. الحرب تدخل حسابات صناديق الاقتراع
جاءت هذه التطورات متزامنة مع انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، وهو توقيت منح المسار التفاوضي بعدًا سياسيًا إضافيًا، لكنه انتهى إلى نتيجة قلبت المعادلة: هزيمة مدوية لترامب وحزبه، وأغلبية ديمقراطية في الكونغرس بمجلسيه. فالحرب مع إيران لم تبقَ ملفًا خارجيًا محصورًا في حسابات الأمن القومي، بل تحولت إلى جزء مركزي من النقاش الداخلي حول أداء إدارة ترامب، وكلفة سياستها الخارجية، وتأثير المواجهة على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي. ولم يعد هذا التوصيف قراءة تحليلية من الخارج، بعد أن أقرّ جيه دي فانس، بعد صدور النتائج وبكلام واضح، بأن أربعة عوامل حسمت الخسارة الجمهورية: إنهاء الحرب، والتركيز على تكلفة المعيشة والتضخم، والعودة إلى منطق "أميركا أولًا"، وتغيير طبيعة العلاقة بـ"إسرائيل"، مضيفًا أن كثيرين ممن انتخبوا ترامب عام 2024 صوتوا هذه المرة للديمقراطيين. وإذا كان ترامب نفسه قد أقرّ بأن الحرب على إيران كانت جزءًا من سبب الهزيمة، فإن هذا الاعتراف المزدوج نقل الحرب من خانة الملف الخارجي إلى قلب المعركة الانتخابية، وجعل كل حديث عن "قرب الاتفاق" أو "تراجع أسعار الوقود" عرضة للقراءة بوصفه إدارة لأزمة سياسية داخلية بقدر ما هو إدارة لأزمة خارجية.
أما فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونغرس، فلا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في السياسة الأميركية تجاه إيران؛ فالتجربة الأميركية، بما فيها الحرب على غزة خلال إدارة جو بايدن، تظهر أن الخلاف بين الحزبين لا ينسحب تلقائيًا على المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية أو العلاقة مع "إسرائيل". ومع ذلك، فإن الانقسام الداخلي، وقد تعزّز بعد اعتراف فانس بأن العلاقة بـ"إسرائيل" والحرب باتتا عبئًا انتخابيًا، يفرض قيودًا فعلية على قدرة ترامب على مواصلة الحرب، خصوصًا مع تحوله إلى "بطة عرجاء" في عاميه الأخيرين. فالكونغرس يمتلك أدوات الرقابة والتمويل والمساءلة، وقد تتحول المواجهة مع إيران إلى مادة لتصعيد الخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وهنا تراهن طهران على أن الكلفة السياسية الداخلية قد تصبح عاملًا أكثر تأثيرًا في القرار الأميركي من الحسابات العسكرية وحدها؛ بمعنى أنها لا تراهن على أن الديمقراطيين أكثر قربًا منها من الجمهوريين، بل على أن التنافس بين الحزبين قد يدفعهما إلى رفض تحمل كلفة حرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع، ولا تقدم للإدارة الأميركية نتائج يمكن تسويقها بوصفها انتصارًا واضحًا، وهو ما أكده صندوق الاقتراع قبل أن يؤكده اعتراف نائب الرئيس.
اليوم التالي للحرب.. اختبار موازين القوة
في المحصلة، تكشف المبادئ الخمسة أن إيران تريد أن يكون اليوم التالي للحرب مختلفًا عن اليوم الذي سبقها. فهي لا تسعى فقط إلى وقف الضربات واستعادة الاستقرار، بل إلى انتزاع اعتراف سياسي وأمني بموقعها في المنطقة، وتحصيل مكاسب اقتصادية، والحصول على ضمانات تمنع تكرار المواجهة، وإعادة فتح النقاش حول الجهة التي تدير أمن الممرات الحيوية في غرب آسيا.
لكن الفجوة بين الطموح الإيراني والقبول الأميركي لا تزال واسعة. فواشنطن لا تريد أن تتحول نتائج الحرب إلى اعتراف بنفوذ إيراني أوسع، فيما ترفض طهران العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب من دون معالجة الملفات التي تعتبرها جوهرية لأمنها وسيادتها ومصالحها.
وبين الطرفين، تحاول الوساطة القطرية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، فيما يظل الاستعداد العسكري حاضرًا باعتباره أداة ضغط وضمانة احتياطية في الحسابات الإيرانية. أما الانتخابات الأميركية، فقد تضيف قيودًا سياسية على قرار الحرب، لكنها لا تقدم وحدها أساسًا كافيًا لتسوية الخلافات الاستراتيجية.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة الوسطاء على نقل الرسائل أو صياغة اتفاق مؤقت، بل في قدرة الطرفين على الانتقال من إدارة المواجهة إلى معالجة أسبابها. فوقف الحرب قد يحقق هدنة، ورفع العقوبات قد يخفف الضغط الاقتصادي، وإعادة فتح مضيق هرمز قد تعيد جزءًا من الاستقرار إلى أسواق الطاقة، لكن أيًا من ذلك لن يكون كافيًا إذا بقيت معادلة الأمن قائمة على التهديد المتبادل واحتكار القوة وغياب الضمانات.
بهذا المعنى، لا تضع طهران خمسة مبادئ لإنهاء حرب فحسب، بل تطرح تصورًا لليوم التالي لها، وتختبر في الوقت نفسه استعداد واشنطن للتعامل مع واقع إقليمي لم تعد فيه كلفة فرض الإرادة الأميركية مضمونة أو محدودة. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تقبل الولايات المتحدة بتسوية تعترف بتغير موازين القوة، أم تحاول استعادة معادلة الهيمنة بالقوة، ولو كان الثمن فتح حرب جديدة يصعب التحكم بنهاياتها؟