اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إعادة التموضع.. شجاعة الميدان وحصانة الجبهة

مقالات

هل أنهت الحرب على إيران حقبة ترامب ونتنياهو؟
مقالات

هل أنهت الحرب على إيران حقبة ترامب ونتنياهو؟

70

كاتب من لبنان

هل انقلب السحر على الساحرَيْن ترامب ونتنياهو بارتداد حربهما على إيران سقوطًا متزامنًا تقريبًا في الانتخابات الأميركية و”الإسرائيلية"؟  

ربما يبدو هذا السؤال مستعجِلًا تداعيات نتائج الانتخابات “الإسرائيلية” ثم الأميركية، لكن المؤشرات تفيد بأن قطبَي الحرب أصبحا مقيدَيْن بهذه النتائج التي لم تكن لتظهر بهذا الوضوح لولا صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الميدان العسكري والميدان الدبلوماسي وصولًا إلى اللحظة الحاضرة. فقد أدى تماسك الجبهة الإيرانية والرد الواسع على القواعد الأميركية في المنطقة إلى تراجع العدوان الأميركي- “الإسرائيلي”، وجاء إغلاق مضيق هرمز ليحدث صدمة للاقتصاد الأميركي أشد ربما من قطع الدول العربية النفط عن الغرب عام 1973. ولم يتمكن ترامب ونتنياهو من انتزاع انتصار على إيران، بالرغم من تأكيدهما بصورة متكررة أن نظامها على وشك الانهيار، بل بدا أن حساباتهما الأولية كانت مبنية على افتراضات غير صحيحة تقول إن قطع رأس القيادة في إيران كفيل بجعل النظام يتداعى بصورة دراماتيكية، ثم تأكدَ لاحقًا أن إيران لديها خطة طويلة النفَس للصمود العسكري والسياسي، بل والصمود الاقتصادي بعدما تبين أن الحصار البحري الذي عوّلت وزارة الخزانة الأميركية عليه لدفع إيران الى الانهيار كان مجرد تخمين في غير محله. 

يُعدّ صمود إيران في الحقول الثلاثة العسكرية والسياسية والاقتصادية في آنٍ معًا أمرًا يستحق وقفة مطولة. وقد نجحت الإدارة الايرانية للصراع في تحويل تهديد العدوان إلى فرصة لتمتين الجبهة الداخلية ودفع الخلافات الجزئية الى الهامش، بناء على أن ما يجري يستهدف الدولة ووحدة البلاد وليس فقط النظام السياسي. وتمكنت القيادة الايرانية من توفير تناسق بين الجهود العسكرية والعمل السياسي، إلى جانب الحفاظ على الجبهتين الاقتصادية والأمنية الداخلية في شكل أغلق الثغرات التي قد تتمكن عبرها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من اختراق إيران أو إضعافها وسلبها ما تحقق في الميدان العسكري. 

 تكيفت إيران بسرعة مع ظروف الحرب وحرصت على ترتيب أمورها، بدءًا من اختيار قائد جديد الى استنهاض رأي عام داخلي يقف في وجه العدوان. ثم اتخذت مبادرات هجومية بهدف دفع الطرف المعادي الى التراجع، ووضعت الطرف الاميركي تحديدًا في موقع الدفاع، حيث ظهر في الآونة الأخيرة أن المبادرة العسكرية الايرانية هي المسيطرة في مياه الخليج. وتحول مضيق هرمز ميدانًا لاختبار إرادات الطرفين، ولم يتمكن الجانب الأميركي من فتح المضيق لا حربًا ولا سلمًا. وظلت القيادة الإيرانية تدفع الوساطات المتعددة الى ما بعد الانتخابات الأميركية، بهدف التأثير على الوضع الداخلي الأميركي، بينما تم تهميش الدور التخريبي “الإسرائيلي” حيث لم يتمكن نتنياهو من إحداث فارق عسكري يمكن أن يستثمره في السياسة أو في بسط الهيمنة الإقليمية. وقيل بحق - كما ورد على لسان يوآف ليمور في صحيفة "يسرائيل هيوم" - إن الحرب على إيران كان يُفترض أن تؤدي الى إسقاط النظام في طهران، لكنها بدلًا من ذلك أسقطت الإدارة في واشنطن.

وقد نجحت إيران في عكس المسار المرسوم لها، من خلال نقل الأزمة الى الداخل الأميركي بدلًا من الداخل الإيراني، وتحوَّل الحصار الأميركي لإيران الممتد منذ سنوات عديدة الى حصار للسياسة الأميركية والى أزمة اقتصادية في أميركا والغرب، وتحول التحالف الأميركي الوثيق مع "إسرائيل" الى عبء على الولايات المتحدة الأميركية، وصارت مراجعة العلاقات معها مطلبًا ليس فقط داخل قاعدة الحزب الديمقراطي، بل أيضًا داخل الحزب الجمهوري، وهذا ما أقر به نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ما دفع ترامب عشية الاقتراع الى الإعلان بصورة مفاجئة عن قرار بقطع التمويل السنوي عن "إسرائيل" والبالغ 4 مليارات دولار، ولو أن هذا الإعلان كان مجرد وعد لامتصاص غضب الجمهور حيال مضي إدارة ترامب خلف أولويات "إسرائيل" وإنفاق أموال دافع الضرائب الأميركي على مشاريعها الحربية. وفي هذا السياق، لم يعد في مقدور نتنياهو بعد الآن التوجه الى الكونغرس الأميركي والحصول على جلسة تصفيق متواصلة لخطابه، على ضوء النظرة السلبية المتزايدة لدى الرأي العام الأميركي الى "إسرائيل" الى درجة أن بعض المرشحين للكونغرس امتنعوا - تحت ضغط ناخبيهم - عن زيارة "إسرائيل" أو قبول تبرعات من مجموعة الضغط الصهيونية "آيباك".

هذه بعض نتائج الحرب مع إيران. ومن دون شك، ساهمت الإبادة “الإسرائيلية” في قطاع غزة في تشكيل رأي عام أميركي مناهض للسياسات “الإسرائيلية"، وساهم التحريض “الإسرائيلي” المكشوف على مهاجمة إيران الى تكثيف تشكّل هذا الرأي الذي بات يؤثر في مختلف طبقات المجتمع الاميركي، من القادة السياسيين الى الصحافيين والمؤثرين الى عامة الناس، حيث اتضح أن "أميركا أولًا" أصبحت "إسرائيل أولًا"، وأن ترامب ينقاد بصورة منهجية لحروب نتنياهو، وأن هموم المواطن الأميركي ليست أولوية لدى إدارة ترامب الذي أقر قبل شهور بأنه غير مهتم بنتائج استطلاعات الرأي التي تفيد بتراجع التأييد الشعبي له بقدر اهتمامه بنزع قدرات إيران النووية. 

ماذا عن تأثير هذه التطورات على مستقبل الحرب في المنطقة؟ 

على الرغم مما يشاع عن إمكان أن تدفع نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي الرئيس ترامب إلى استئناف الحرب مع إيران، بناء على أنه لم يعد لديه شيء يخسره، فإن هذا الخيار- وإن كان غير مستبعد -  يمكن أن يكون مُكلفًا ويحمل نتائج أسوأ من تلك التي ظهرت حتى الآن نتيجة الجولة السابقة. وبات الجو الداخلي الأميركي بعد الانتخابات أكثر نضوجًا باتجاه المطالبة بوقف الحرب في أسرع وقت وقطع التمويل عنها، خاصة في ضوء اعتبار أن الحرب تستجيب لضغوط نتنياهو أكثر مما تعبّر عن مصالح الولايات المتحدة. 

وفي حال لجأ ترامب إلى الخيار العسكري مجددًا، فقد يكون الهدف منه وضع خاتمة "مشرّفة" للحرب - من وجهة نظره - وليس بالضرورة تحقيق انتصار عسكري أو تحقيق الأهداف الكبرى التي رسمها في بداية الحرب. وبالإضافة إلى ذلك، هناك خياران آخران: الاستمرار في فرض الحصار الاقتصادي على إيران، لكن ذلك لا يضمن تحقيق نتائج حاسمة، واستئناف المفاوضات مع إيران بهدف التوصل الى تسوية ما، لكن هذه التسوية تتطلب تنازلات هامة قد يصعب على إدارة ترامب تحمل دفع أثمانها. مع ذلك، فإن خيار التفاوض يبدو من جهة أخرى مُغريًا بعض الشيء، لأنه قد يعيد لترامب بعض بريقه السياسي المائل الى الأفول، خاصة أنه ماهر في تسويق أي خطة سلام على أنها انتصار لسياساته، وهو لا يزال يحنّ الى الحصول على جائزة نوبل للسلام على الرغم مما فعله بشن حرب على إيران ودعم حرب الإبادة في فلسطين. وقد يميل ترامب الى هذا الخيار أملًا في ملاقاة التغيرات الداخلية المزعجة وتلافيًا لمواجهة أكبر مع خصومه الذين يشحذون السكاكين لملاحقته في قضايا تمويل تمسّ ترامب وعائلته. 

أما رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نتنياهو فهو يواصل تشجيع ترامب على استئناف الحرب مع إيران، بوصفها طوق نجاة بعد تراجع ائتلافه الحكومي في الانتخابات الأخيرة. لكنه يحصد، بالإضافة إلى سخط الأميركيين من الحزبين على توريطه بلادهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، نقمة جمهور "إسرائيلي" ينظر اليه على أنه يخوض حروبًا أبدية ويقسّم المجتمع “الإسرائيلي”، بل وأصبح سببًا لتسمّم العلاقات مع الولايات المتحدة الحليف الأول للكيان “الإسرائيلي”. ولذلك، يجد نتنياهو نفسه وسط أزمة قد تطيح بالآمال الكبرى التي عقدها على الحروب المتتالية التي شنها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.     

وأيًا يكن الخيار الذي سيأخذه ترامب في المستقبل القريب قبل تولي الكونغرس بتركيبته الجديدة مهامه في 3 كانون الثاني/ يناير المقبل، فإن هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية ستفرض نفسها على الحزب وعلى فريق ترامب، ما سيدفعه الى مراجعة سياساته بشكل أو آخر حيال الحرب مع إيران وربما حيال ساحات أخرى أيضًا، وقد ترغمه في النصف الثاني من ولايته على العودة لمراعاة الأولويات الداخلية في مواجهة الضغوط المتولدة من جمهور الحزبين الرئيسيين على الساحة الأميركية، الأمر الذي يشير إلى أن عهده شاخ مبكرًا إلى درجة أن بعضهم بدأ يتحدث عن نهاية "حقبة الترامبية". وهذا الرأي يحتاج إلى بعض الوقت لتبيّن مصاديقه على أرض الواقع.

الكلمات المفتاحية
مشاركة