مقالات
كاتب من مصر
وضع خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم النقاط على الحروف وأخرس الألسنة المشبوهة وأبطل الدعايات المغرضة، وأرسل برسائل بالغة الأهمية والوضوح في مرحلة حاسمة وخطيرة.
وتتمثل خطورة المرحلة في انتقال التصعيد إلى سقف حرج بعد اغتيال القيادي الكبير الشهيد هيثم الطبطبائي، وانتقال الدعايات المساعدة للعدو معها إلى مستويات متقدمة من اللا أخلاقية والتحريض والاستفزاز.
والهدف الواضح للعدو وأعوانه بالداخل والخارج هو حصار المقاومة عسكريًّا وسياسيًّا في ركن حرج، حيث يترقب العدوّ والصديق ردة فعل الحزب بعد الجريمة، والتي خططت على أمل احراج الحزب ووضعه بين خيارين، إما الصمت لخدمة صورة الهزيمة والضعف، أو تفجير الموقف لخدمة صورة مسؤولية المقاومة وسلاحها عن الدمار.
فإذا بخطاب الشيخ نعيم يرد الكرة ببراعة وصمود ويصدر المأزق للعدو والمتآمرين على المقاومة وسلاحها محافظًا على ثوابت المقاومة وعزتها، ومحافظًا على خيارها السياسي الملائم لهذه المرحلة وعنوانها، ومصدرًا لحالة الغموض والارباك للعدو، مغلفًا الخطاب بشرح سلس ومنطقي وإستراتيجي يوضح تهافت منطق العدوّ وخدامه.
ورغم أن النقطة التي ترقبها الجميع في الخطاب هي موقف الحزب من الاستهداف الخطير الأخير إلا أن النقاط الأخرى التي تناولها الشيخ نعيم لم تقل أهمية عن عرض موقف الحزب، بل وشكلت منظومة مترابطة توضح إستراتيجية المقاومة وموقفها من الصراع ككل، منذ تشكلها مرورًا بمراحلها المختلفة.
وبخصوص موقف الحزب من جريمة اغتيال الجهادي الشهيد الطبطبائي فلا اجتهاد مع النص الذي وضعته المقاومة، حيث قال الشيخ نعيم نصًّا: "هذا اعتداء سافر وجريمة موصوفة، ومن حقّنا الردّ، سنحدّد التوقيت لذلك"، وهنا نترك للعدو واعوانه ورعاته الاجتهاد في التفسير.
اما بخصوص الرسائل الهامة الأخرى فيمكننا رصدها عبر العناوين الآتية:
المقاومة تفتخر وتقوى بشهدائها:
حيث لا ينبغي وضع كلمات الخطاب الخاصة بالتأبين في عداد الكلام الانشائي والعاطفي، بل هي مواقف إستراتيجية تحمل دلالات الوفاء والفخر ورفع المعنويات، وتبطل الرهانات، ولم يتناسَ أمين عام الحزب رفاق الشهيد بل أبرز دورهم وكرّمهم، واستند إلى كلمات الشهيد الطبطبائي نفسه بأن المقاومة ولّادة وأنها لا تضعف بفقدان القادة بل هي مسيرة متجددة.
2 - المقاومة تمتلك توصيفًا إستراتيجيًا ومرحليًا:
حيث أوضح الشيخ نعيم موقف المقاومة العام وتوصيفها للصراع بأنه وجودي وأن هدف العدوّ هو الإبادة وأنه يتذرع بسلاح المقاومة وتهديداتها فيما هدفه هو "إسرائيل الكبرى"، وأن عدوانه على كلّ لبنان، بل وعلى كلّ المنطقة.
وبالتالي، فإن المواجهة هي مسؤولية الجميع، ومسؤولية الدولة في لبنان، وهنا تكريس لحق جميع المكونات في امتلاك القوّة لمواجهة العدوان بداية من الجيش ووصولًا للمقاومة، وهنا فإن أي حديث عن اضعاف المقاومة ونزع سلاحها هو تهديد للجميع في لبنان، أي انتقال من خانة الخصومة مع المقاومة إلى خانة خدمة العدو.
كما أوضح الشيخ نعيم عنوان المرحلة مرفقًا بها شرحًا لمستويات الردع، وأوضح أن المقاومة ملتزمة بكلّ مستويات الردع ونفذت ذلك عمليًّا وفقًا لطبيعة كلّ مرحلة، بداية من الردع بالتحرير في غياب الدولة وإنهاكها بالاحتلال والحروب الاهلية وتصدي المقاومة بمواجهة العدوّ وطرد الاحتلال، مرورًا بالردع بالحماية في مرحلة ما قبل طوفان الأقصى وتفاهم المقاومة مع الدولة وصياغة المعادلة الوطنية "جيش وشعب ومقاومة"، ووصولًا للمرحلة الحساسة الراهنة والتي تشهد عدوانًا سافرًا وهجمة غير مسبوقة من الخارج والداخل، والتي عنوانها "اتفاق وقف إطلاق النار" والتي تعهدت الدولة بها بالتصدي.
وهذا التوصيف الدقيق للردع وطبيعة المراحل وتوازناتها يؤيد شرعية سلاح المقاومة ويقيم الحجة على خصوم المقاومة وعلى المغرضين الذين يصدرون زيفًا صورة مقلوبة بتحميل المقاومة مسؤولية العدوان وتوفير الذرائع لعدو لا يحتاج ذريعة للتوسع إذا ما لمس ضعفًا وإذا غابت معادلات الردع.
3 - النصر الإستراتيجي وسرّ قوة المقاومة:
أوضح الشيخ نعيم أن المقاومة تعي جيّدًا مفهوم النصر الإستراتيجي بإفشال الهدف الإستراتيجي للعدو بالقضاء على المقاومة وأن الصمود هو النصر، كما بيّن أن سر قوة المقاومة يكمن في الإرادة والشجاعة والتضحية والايمان والذي يعوض فجوة القوّة العسكرية والتكنولوجية وتكالب الأعداء، كما بيّن وعي المقاومة بالقائد الرئيسي للعدوان وهو أميركا بقوتها وطغيانها، وأن المقاومة صامدة وستظل كذلك مهما كانت التهديدات وعلى هؤلاء الطغاة أن ييأسوا لأن مقاومة بهذا الايمان لا يمكن أن تهزم.
4 - حدود التفويض:
كما بين خطاب الأمين العام أن تفويض الدولة والجيش من منطلق المسؤولية والوحدة الوطنية لتحرير الأرض وردع العدوّ وحفظ السيادة واستعادة الأسرى. ولكن التفويض ليس مفتوحًا للتفريط في الأرض أو الكرامة أو قوة لبنان.
5 - الحرص على معادلة الوحدة الوطنية:
وقد حرص خطاب المقاومة على التعاطي الأخلاقي والخطاب الوحدوي رغم سيل الاستفزازات والخذلان الذي تعاني منه المقاومة، فقد وصف خدام "إسرائيل" بالقلة، وأعلن الحرص على كرامة الدولة والرئيس والحكومة، وأبقى اليد ممدودة للتعاون مع الجميع بمواجهة العدوان، واستمر عرض المقاومة للدولة بالاستقواء بالمقاومة وأنها السند لظهر الدولة في إعلان المواقف القوية باعتبار المقاومة ورقة قوة تستعين بها الدولة لاستعادة الحقوق.
والخلاصة أن المقاومة جددت العهد بالثبات والصمود واستندت إلى مصداقيتها بأنها قوية رغم فقدان القادة وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد نصر الله واستمراريتها بعده على العهد وصمودها، كما أعلنت انها لن تمرر جرائم العدوّ وهي صاحبة التوقيت وأقامت الحجة بالمنطق والادلة على حقها وشرعية سلاحها الذي يعدّ سلاحًا وطنيًّا لخدمة لبنان وكرامته، وأبطلت كعادتها الرهانات على ضعف المقاومة أو انتزاع التنازلات منها مهما بلغت التهديدات والضغوط.