مقالات
لم يكن اغتيال القائد الجهادي السيد أبي علي الطبطبائي، وإخوته المجاهدين، حدثًا معزولًا عن سياقاته أو مجرد عملية موضعية دقيقة، بل يمثّل علامة على دخول الصراع بين "إسرائيل" وحزب الله طورًا جديدًا من إعادة التشكل البنيوي. فالعلاقة بين الطرفين، منذ انتهاء الحرب الأخيرة العام الماضي وصولًا إلى ما بعد الهدوء الهش على الجبهة الشمالية، لم تعد محكومة بقواعد الاشتباك التقليدية وحدها، بل باتت خاضعة لنماذج ومفاهيم أعمق ترتبط بمستقبل لبنان كله، في بيئة إستراتيجية تتبدل بوتيرة سريعة. وفي هذا الإطار، تظهر عملية الاغتيال كلحظة احتكاك صلب بين نموذجين متعارضين؛ نموذج "إسرائيلي" يسعى إلى إعادة هندسة بيئة التهديد من الأعلى، ونموذج مقاوم يعمل على ضخ كفاءات راكمها على مدى سنوات.
القراءة "الإسرائيلية" للعملية تستند إلى طيف من الفرضيات التي يختلط فيها الاستخباراتي بالسياسي، والذهني بالتقديري. ويعتقد جيش العدو أنّ حزب الله بعد الحرب الأخيرة، ومع تداخل المتغيرات الإقليمية والسورية واللبنانية، بات في مرحلة إعادة تموضع وتنظيم داخلي وفق قراءة دقيقة للمرحلة الجديدة وما تفرضه من أولويات.
من هنا تنطلق الفرضية الأولى: إن استهداف قائد بحجم الطبطبائي سيُحدث تأثيرًا بنيويًا “قابلاً للسيطرة”، دون أن يؤدي إلى انزلاق لمواجهة شاملة. وتقرأ "إسرائيل" اللحظة الإقليمية والداخلية اللبنانية بوصفها بيئة مؤاتية لهذه العمليات، و”نافذة مخاطرة محسوبة” لمنع الحزب من استكمال بناء نموذج ما بعد الحرب وإعادة رفد جهازه القيادي بخبرات قادرة على إطلاق بنية قتالية أكثر تعقيدًا في السنوات المقبلة.
لكن هذا النموذج الذهني "الإسرائيلي" يصطدم بنموذج مضاد؛ لأنه يتغافل عن حقيقة أن حزب الله راكم على مدى عقود أجيالًا متعاقبة من القادة والكوادر، ونسج منظومة متدرجة تحلّق فوق منطق “الفرد–المفصل”. كذلك، فإن العملية ليست دليلًا على حصافة "إسرائيلية"، بالضرورة، بل يعتبرها تعبيرًا عن أزمة مستمرة في القدرة على فرض معادلة الحسم أو إنتاج ردع مستقر، وعن عجز مزمن في تطويع المقاومة، ما يدفع "تل أبيب" نحو خيارات الاغتيال كوسيلة لبلوغ أهداف كبرى عجزت عن تحقيقها بالحرب.
وبهذا المعنى، تصبح عملية الاغتيال، وما سبقها وما قد يليها، مؤشرًا آخر على المسار العام. وعلى خلاف القراءة "الإسرائيلية" لأثر العملية، يرى حزب الله، رغم الخسارة الكبيرة، أنّ بنيته التنظيمية قائمة على أساس شبكي، تُوزَّع فيه المعرفة وتُشتَّت مراكز القيادة لمنع أي ضربة نوعية من إحداث شلل. وقد أثبتت الحرب الأخيرة صلابة هذا النموذج رغم استشهاد عدد كبير من القادة والكوادر.
إلى جانب ذلك، تمثل عملية الاغتيال امتدادًا لتجربة طويلة تعلّم فيها الحزب امتصاص الضربات وإعادة تدويرها في اتجاه معاكس، من خلال إعادة الهيكلة الداخلية ورفد الجهاز العسكري بقيادات تمتلك تأهيلًا عاليًا ظهرت نتائجه في معركة أولي البأس. وهذا ما يجعل الفرضية "الإسرائيلية" الأساسية ـــ إحداث فراغ قيادي ـــ فرضية هشة، على الرغم من الاعتراف بخطورة العمليات النوعية وما تتركه من آثار جدية على المستوى العسكري والنفسي.
بعيدًا عن الدخول في سيناريوهات حرجة حول طبيعة ردّ حزب الله، يكفي التوقف عند ما أعلنه الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بوصفه موقفًا مدروسًا: “الاعتداء سافر وجريمة موصوفة، ومن حقنا الرد، وسنحدد التوقيت لذلك”. إنّ هذا الموقف بحد ذاته يحمل مروحة واسعة من الإشارات التي ستتولى "تل أبيب" قراءتها بعناية، لما تنطوي عليه من رسائل إستراتيجية.
إن التباين بين النموذجين يخلق حالة من الضبابية البنيوية: فـ"إسرائيل" تعتقد أنها تمارس “ضغطًا تراكميًّا” لإجهاد الحزب تدريجيًّا، فيما يواجهها الحزب بخطة مدروسة تستند إلى أولويات جرى تحديدها بما ينسجم مع المتغيرات الداخلية والإقليمية، ضمن خيار يجمع بين الثوابت والواقعية.
وهكذا، تصبح عملية الاغتيال مرآة تكشف النموذجين معًا: "إسرائيل" التي تسعى لاعادة هندسة مستقبل لبنان، والحزب الذي يعمل على تطوير قدراته بالتوازي مع امتصاص الضربات واعتماد غموض واعٍ في سياسة الرد. وفي قلب هذه المواجهة بين النماذج، تتحدد قواعد الاشتباك الجديدة لا بالتصريحات العلنية، بل بالقدرة على إدارة التراكم.
خلاصة القول: إن اغتيال السيد أبي علي الطبطبائي يكشف أن الصراع بين "إسرائيل" وحزب الله تجاوز نمط المواجهات العسكرية المباشرة، واتجه نحو مستويات أعمق تمسّ مستقبل لبنان وهويته الأمنية والسياسية. فـ"إسرائيل" تراهن على هندسة الواقع اللبناني عبر تجريده من عناصر القوة، فيما يعيد حزب الله تجديد عناصر القوة ذاتها عبر بناء حضور شبكي قادر على امتصاص الضربات واحتواء تبعاتها وإعادة ضخ بدائلها، كما أثبتت معركة “أولي البأس” رغم استشهاد العدد الأكبر من القادة العسكريين من الجيل الأول.
وعليه، يبقى الاغتيال علامة على طور أكثر تعقيدًا: طور لا تُضبط فيه المعادلات بالقصف ولا بالرد وحدهما، بل بالنموذج الذي سيتمكن في النهاية من فرض منطقه على الآخر. إنه طور مفتوح، لا ينغلق على سيناريو واحد ولا على جبهة واحدة، ويظل قابلًا للتحول مع كل ضربة، ومع كل رد، ومع كل فراغ أو امتلاء في بنية الطرفين.