اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عصر الاختراق الصامت: كيف يغيّر "Albiriox" قواعد الاحتيال الرقمي

نقاط على الحروف

ننظر دماكم ونتابع الطريق
نقاط على الحروف

ننظر دماكم ونتابع الطريق

73

كاتبة من لبنان

لم يحدث أن ذكر أحدهما اسم الآخر من دون أن تفيض عيناه بالتماعات تحكي أكثر بكثير ممّا يمكن للكلمات قوله، فما بين الحاج قاسم سليماني والسيد حسن نصر الله، اللّذين افترقا ما قلّ عن سنين أربعة قبل أن يجتمعا مجدّدًا في عالم الشهداء، صلة تتجاوز رفقة الدرب الطويل في مواجهة الشرّ كلّه، والعمر المبذول حبًّا في الدفاع عن الذين استضعفوا في الأرض، صلة توثّق النّور الواحد  الذي ينسكب من روحيهما الثوريتين المفعمتين بالعاطفة الأنبل والأصدق، لذلك، حين رفع قبل خمس سنوات فجر الثالث من كانون الثاني إلى السماء عمران من جهاد ومقاومة، الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، تدفقت القلوب سيلًا من دموع ناحية السيّد حسن، تواسي قلبه الذي لا بدّ أن الفراق أوجعه، وتستقي من كلماته الصّبر على الفقد العظيم، والوعد بالثأر. 

ضجّت الأرواح بحدادٍ حيٍّ يغبط الشهيدين على خاتمة يستحقانها، ويتوجّع، وخلاله، بدأت فيوض المواقف التي أُزيح عنها اللثام والتي بيّنت معنى السّند الذي جسّده الحاج قاسم بالنسبة للمقاومة في لبنان، وللسيد بشكل خاص: الصور التي وثّقت لقاء الوداع بينهما تحوّلت إلى ذخيرة وجدانية تتناقلها قلوب الأحرار وتشهد أنّهما كانا أخوين يؤثِر كلّ منهما الآخر على نفسه. في حديث عن الحاج قاسم، ذكر السيّد نصر الله أن لو جاءه ملك الموت وخيّره بين قبض روحه أو روح الحاج قاسم، لقال له بلا تردّد أن خذني واتركه، وفي حديث للحاج قاسم وصف السيد نصر الله بأن وجوده كلّه إخلاص، وبأنّه لو قُدّر له أن يهب قلبه أو كبده أو رأسه له لما تأخّر. هذا المستوى من العمق الوجداني الذي جمعهما حلّ في القلوب التي عرفته كتجسيد للأخوّة الخالصة، للصلة الإنسانية المتينة القائمة على الفداء والبذل والمساندة حتى في أكثر اللحظات خطورة ودقّة، ومنها على سبيل المثال حرب تموز ٢٠٠٦، التي أصرّ الحاج قاسم على الحضور الميداني فيها رغم المخاطر المترتبة على ذلك ورغم نصح السيد حسن والحاج عماد له بتجنّبه: جاء ليقف "الكتف عالكتف" بجانب إخوانه في المقاومة، ويعيش معهم تحت ضغط الغارات والنار في قلب الضاحية، جاء ليخوض المعركة من المسافة صفر، وينظر خلالها إلى وجه السيّد فيتراءى له مسلم بن عقيل، كما قال في أحد لقاءاته التلفزيونية المسجلة قبل استشهاده. وكما في الحرب بعدها، حرص أن يشرف بنفسه على كلّ التفاصيل المتعلّقة بإعادة الإعمار وعودة الناس إلى بيوتها وحياتها، كما لم يغب عن عوائل الشهداء في لبنان ولا عن أضرحتهم، حتى استشهاده. ما جمع بين الحاج قاسم والسيد حسن، كان كفيلًا بأن يترك في القلوب بصمة عشق خالص، ونموذجًا من الصلة التي يؤسّس لها الإيمان الراسخ بالحقّ وبوجوب التصدّي للظالمين في كلّ زمان، بعد ما يقرب الأربع سنوات، حين ارتقى سيّد شهداء الأمّة، حضر في القلوب مشهد لقائه بالحاج قاسم بعد غيبة، صوّرت المخيّلات التي آلمها الفقد بسمتيهما وعناقهما الحافل بالشوق، ونظرتيهما من عليائهما إلى أبنائهما الذين ما زالوا في الدنيا يواظبون على مواصلة الجهاد حتى النصر. فجر الثالث من الشهر الأوّل عام ٢٠٢٠، تمامًا كما عصر السابع والعشرين من أيلول 2024، شقّت الصدور بنصال الفقد وغُرس فيها جمر لا يخبو، ولا يبرد حرّ ألمه ولو تراكم فوقه رماد السنين، وها هي الأعوام من ٢٠٢٠ حتى الساعة تشهد أنّ الجرح الذي حزّ القلوب ما زال نابضًا، حيًّا، يسقي بحرارته قلوب الثائرين في الأرض، وها هي الأيام واللّيالي منذ أيلول 2024 تحكي عن قلوب ثورية حرّة، تردّد "إنّا على العهد يا نصر الله". 

ولأن قلوب الأحرار يجمعها نبض واحد، ما افترق نبض الشهيد الأسمى عن قلب الحاج "أبو مهدي المهندس"، فالشيبتان الطاهرتان اللّتان أرّقتا العدو سنينَ فوق سنين، جمعتهما الدنيا في درب القتال، وحمل الحاج أبو مهدي في طيّات روحه عشقًا للسيّد حسن، رأيناه لا في عينيه فقط وهو ينصت إلى خطابه، بل في دموع جميع أهل الحبّ في العراق والتي سكبت بالحرارة نفسها في وداع "الشايب" وفي وداع السيد حسن. لم يزل  الكثير من التفاصيل التي جمعت الشيبتين المقدستين بالشهادة طيّ السرّ، كالكثير من جوانب حياتهما، إلّا أنّها تُدرك بالقلوب التي تعرف الحقّ وأهله، وتدرك أنّ الشهيدين أهل حقّ، اختار الله لهما أحسن الخاتمات.

 في تشييع الحاج أبو مهدي والحاج قاسم في العراق وفي الجمهورية الإسلامية في إيران، توهّجت حرارة الدموع في لبنان حتى عبرت الحدود وتشكّلت شمسًا تلامس قلوب المشيّعين وتسيل ماء على الأرواح الفاقدة، لذا، لم يكن مستغربًا أن في لحظة الإعلان عن استشهاد السيد حسن نصر الله، شعر اللبنانيون من أهل المقاومة بدفء الحزن الذي حلّ في العراق وشعاع الألم الذي سطع من إيران، وعرفوا أنّ مصابهم في عزيز قلوبهم هو مصاب أحبتهم أيضًا، سمِّ ذلك وحدة ساحات أو وحدة قلوب، لا فرق، ففي العمق هي روح واحدة، روح "بتقاتل فينا" على حدّ قول عماد المقاومة وشهيدها، الحاج عماد مغنية.

في هذه الأيام التي تحيينا فيها ذكرى استشهاد الحاج قاسم والحاج أبو مهدي، بأعين القلوب نرى اجتماعهم في عالم الشهداء، ونؤمن أنّهم "أحياء يُرزقون"، وأن من عليائهم لا بدّ ينظرون ببسمة تمسح على رؤوس الفاقدين وتواسيهم، وتردّد بحنوّ لا يشبهه شيء "سقطنا شهداء ولم نركع، انظروا دماءَنا، وتابعوا الطريق".

الكلمات المفتاحية
مشاركة