اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مستوطنون صهاينة يدخلون إلى سورية

نقاط على الحروف

 قادة الشهادة..

كاتبة من لبنان

يحتفي أهل المقاومة في السادس عشر من شباط من كل عام بذكرى الشهداء القادة، الشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي والحاج عماد مغنية، ومعهم وباسمهم بجميع شهداء المقاومة منذ الطلقات الأولى حتى الساعة، فالمناسبة تختزن سيرة هذه الطريق كلّها، منذ أن اختارت العين أن تقاوم المخرز وتكسره، وتنتصر بالدم على السيف، ما جعل العالم المستكبر يستخدم كلّ ثقله ووسائله في محاولة إنهائها، وفشل. 

تميّزت هذه المسيرة منذ انطلاقتها بأنّ قادتها شهداء، قل استشهاديين، ما عكس مصداقيّتها العالية والتزامها الكليّ بالشعارات التي ترفعها، وبالخطّ الذي ترسمه باتجاه أهدافها. 

بالدرجة الأولى، جرت العادات في كلّ الحروب في العالم أن يدير "القادة" المعارك من بعيد، وأن تكون حياتهم بعيدة عن ساحات القتال، وكأنّ القيادة عمل إداريّ وامتياز يتمتّع به حامل صفة القائد. لكنّ القادة الشهداء المحتفى بهم في هذا اليوم من كلّ عام، سطّروا حكاية مختلفة عن القيادة، فكانوا رؤوس حربة المواجهات وسادة النّزال وأهل الالتحام، وكانت شهاداتهم في الميدان، الميدان الذي خاضوه استشهاديين، مقبلين غير مدبرين، موقنين بأنّ الدّم وقود معركة الحقّ، ورافع الرايات الثورية.

الموقف سلاح..

تشهد جبشيت وسائر قرى الجنوب على الشيخ الثوريّ الذي أبى الخضوع وواصل الجهاد بكلّ أشكاله، في مرمى النيران المعادية. كان الشيخ راغب يتنقّل داخل جبشيت وبين القرى مدرّعًا بالحقّ وبشجاعة من عرف الحقّ ونصره. كان العدوّ في تلك المرحلة يستبيح كلّ شيء، وضجيج الانهزامية "المحليّة" يعلو ويكاد يهزم إرادة القتال في النفوس. وهنا، كان دور الشيخ راغب المحوري: تحصين إرادة القتال، وخوض المواجهة ضدّ العدوّ وعملائه على الأرض: من البيت ومن المسجد وفي ساحات القرى؛ "الموقف سلاح.."، وكان الشيخ راغب بشخصه وبكلّه، يقاتل بكلّ ما أوتي من ثبات على الموقف. في ليلة الجمعة 16 شباط 1984، اغتاله أحد عملاء العدو عند باب بيته. بيته الذي كان ملتقى للثائرين العارفين بحقّهم، والجاهزين لبذل النفوس في هذه الدرب. توهّم العدو في تلك الليلة، أن الشعلة التي أوقدها الشيخ راغب في النفوس ستخمد وتنطفئ، وأنّ إرادة القتال التي بثّها في القلوب ستُهزم تحت ثقل الحزن. شيّع الآلاف الشيخ راغب في جبشيت، في مرمى النار "الإسرائيلية" وأمام أعين العملاء المتخفين، وكان حدادهم تجديدًا للعهد: سنقاتل. 

الوصية الأساس..

انطلق موكب الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي من جبشيت التي جاءها ليحيي ذكرى استشهاد الشيخ راغب، في 16 شباط 1992، على مرأى الطيران المعادي. عند طريق تفاحتا، أمطرت الطائرات الموكب بالصواريخ الحارقة، فاستشهد السيد عباس مع زوجته، أمّ ياسر، وطفلهما. في خطابه الأخير، وخلال إحياء ذكرى الشيخ راغب، أوصى السيد عباس بحفظ المقاومة، كخيار وحيد لمواجهة الاحتلال. وكان قد أكّد مرارًا على أن "القرارات" لا تمنع "إسرائيل"، ما يمنعها هو السلاح، السلاح فقط. في الميدان وعند الثغور، ببزّته العسكرية، كان السيد عباس رفيق المجاهدين. لم يكن يومًا كلامه مجرّد خطاب تعبويّ يطلقه قائد، بل نهج حياة يلتزمه قبل أن يدعو الآخرين إلى التزامه، لذلك، أقرّ العدوّ بعد اغتياله أنّ تلك العملية "ليست انتقامًا بل هي احباط للتهديدات اللاحقة". وهنا الهزيمة الكبرى للعدوّ وبلسان رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك أوري ساغي: "لو كنا نعلم حجم ردّ حزب الله لأعدنا النظر في القرار"، إذ تبيّن أنّ وهم "إسرائيل" المتكرّر والذي يفترض أنّ قتل القادة ينهي المقاومة ويزيل تهديدها، قد ورّطها في نتائجه العكسية: دم القادة يرفع روح القتال.

"الروح هي لي بتقاتل.."

بعد سنين من العمليات النوعية والتي تكثّفت بعد اغتيال السيد عباس الموسوي، حرّرت المقاومة الجنوب في أيار 2000، وأجبرت العدو على الفرار تاركًا خلفه طابورًا من العملاء. وبعدها بست سنوات، تمكّن المقاومون من تنفيذ عملية أسر محكمة بهدف تحرير المعتقلين في سجون الاحتلال ومن بينهم عميد الأسرى سمير القنطار، الأسير الذي واصل درب المقاومة بعد خروجه من الأسر حتى ارتقى شهيدًا. جُنّ جنون الصهاينة الذين كانوا في طور التحضير لحرب انتقامية على لبنان تعيد ماء وجههم الذي أراقه اندحارهم عام 2000، فشنّوا هجومًا واسعًا تحوّل إلى هزيمة جديدة عليهم، وكان نصر تموز 2006. 

"زمن الانتصارات" الذي أوجع العدوّ وأصابه في كلّ مقتل، كان روحًا تقاتل، بل تتقن القتال منذ الفتوّة: عماد مغنية. اسم له صدى ترتجف منه القلوب في كلّ أروقة الاستكبار حول العالم. قائد لا يقترب من الأضواء، يحترف الخفاء، ولا يغادر الميدان. طالته يد الغدر العميلة على أرض سوريا، في كفرسوسة دمشق، صباح 14 شباط 2008. ومرّة أخرى، ظنّ العدوّ أن بقتل "القائد" يُهزم أهل العسكر، ليتبيّن له وللعالم كلّه، كما قال سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله، أن عماد مغنية قد ترك خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين الجاهزين للشهادة.

وبعد، تستمرّ المسيرة، بالدم. معركة الحقّ تتواصل، يرتقي فيها القادة والجنود، ويعلو فيها منسوب البذل وتشتدّ مع البذل العزيمة على القتال. هذه المقاومة التي تتسامى في كلّ مرّة يغرق فيها العدوّ في وهم إنهائها عبر اغتيال قادتها. اليوم، في 16 شباط 2026، لم يكن العدوّ ليتوقّع أن يتحلّق أهل المقاومة ليجدّدوا العهد ويواصلوا الدرب، بعد أن رميَ قائدهم وحبيبهم السيد نصر الله بأطنان من المتفجرات داخل غرفة عمليات المقاومة في أيلول 2024، فصار سيّد شهداء الأمّة. لقد قالها السيّد حسن في إحياء ذكرى القادة الشهداء في 16شباط 2024، "العدو الذي يظن أنه بقتله لِقادتنا ومجاهدينا وعائلاتنا وللنساء والأطفال وأن هدمه للمنازل وحرقه للحقول يمكن أن يدفعنا الى التراجع، أن يجعلنا نضعف أو نشعر بالهوان أو نتخلى عن المسؤولية؟ أبداً. هذا الكلام كما قلت ينطبق على كل دول وشعوب المنطقة ومحور المقاومة، شهادة هؤلاء القادة في ذكراهم السنوية تُجيب، استشهاد الشيخ راغب أعطى دفعاً جديداً وحضوراً قوياً، استشهاد السيد عباس وأم ياسر وحسين واستشهاد الحاج عماد واستشهاد كل الشهداء، لا المجازر ولا الحروب ولا الدمار، شهادة كل هؤلاء الشهداء والجرحى، حضور هؤلاء المجاهدين، الناس الصامدين، كل هؤلاء يُجيبون".

الكلمات المفتاحية
مشاركة