نقاط على الحروف
حلَّقت روحُ الحاجّ عمادٍ في السَّموات، وانطلقت نحو فضاءاتٍ لم تزرها قطّ، وعادت وانسكبت في جوارِ مَن أحبَّت وعشقت، فكان للسَّيّد روحان: روحُه وروحُ العماد، وانصهرت الإرادتان، وصار الشوقُ بوصلةً تخرق حدودَ المادّة لتستقرَّ في رحابِ القدسِ والشَّهادة، فما غاب العماد إلّا ليزهر في وجدان رفيقه حضورًا لا يحدُّه زمنٌ، مُكلَّلًا بوفاء مَن صدقوا العهدَ وما بدّلوا تبديلًا، فكان هذا الاندماجُ الرُّوحي إعلانًا عن ولادةِ نهجٍ لا يكسره غيابٌ، وقوّةٍ تستمدُّ بأسَها ممّا وراء الطبيعة، لترسم مسارًا جديدًا من المقاومةِ التي لا تعتمد على الأجساد فحسب، بل على فيضِ الأرواحِ التي تمدُّ الأحياءَ بمددٍ لا ينضب.
انبعث من ذلك اللقاءِ الرُّوحي نورٌ يتجاوز حدودَ الفهم، فصارت نظراتُ السَّيّد تعكس بريقَ عينين غادرتا المدى ولم تغادرا الحلم، وباتت نبرةُ صوتِه تحمل أصداءَ عمادٍ الذي لم يرحل إلّا ليتغلغل في تفاصيلِ المقاومةِ وصبرِها، فاستحال الغيابُ حضورًا سرمديًّا يمدُّ القلوبَ بالعزيمة، ويؤكّد أنَّ الأرواحَ حين تتّحد في العشقِ الإلهيّ تصبح عصيّةً على الفناء، ووقودًا لا ينطفئ في دروبِ الحرّيّة، حيث تتلاشى الفوارق بين مَن مضى ومَن بقي، ويصبح دمُ الشَّهيد نبضًا يتدفّق في عروقِ القائد، وكلماتُ القائد صدًى لوصايا الشَّهيد، في ثنائيّةٍ مقدّسةٍ أعجزت المحلّلين وأذهلت الأعداءَ الذين ظنّوا أنَّ القتلَ يُنهي الحكاية.
ولم تكن هذه الوحدةُ إلّا فاتحةً لاتّحادٍ أكبر، فلم تعد القصّةُ قصّةَ روحين بل ثلاثٍ، بل مئاتٍ وآلافٍ انطلقت وحلَّقت وتَشظَّت في مَن بقي حيًّا، ينتظرون الواحدَ تلو الآخر في صفوفٍ كجندٍ مُجنَّدةٍ، ائتلفوا فكانوا ولم يزالوا كالصخرةِ العنيدةِ الشامخةِ كالطود، تتكسّر عليها أحقادُ المتآمرين تحت أقدامهم، تلك الجماهيرُ التي بايعت على الدم لم تكن مجرّد أرقامٍ في سجلاتِ النضال، بل كانت تجسيدًا حيًّا لتلك الرُّوحِ التي تشظَّت فيهم، فصار كلُّ واحدٍ منهم يحمل في صدرِه قبسًا من نورِ العماد وصمودِ السَّيّد، ليتشكّل من هذا الانصهار جيشٌ لا يرى إلّا النصر، ولا يسكن إلّا في قممِ العزّة، متحدّين كلَّ مؤامراتِ الغدر وظلماتِ الحصار.
هكذا يكتمل المشهدُ وتتّحد الصور، ليبقى التحامُ المدى بالصدى حكايةً لا تنتهي بانتهاء الأجل، بل تبدأ من هناك، حيث لا موتَ يُدرك الأرواحَ التي تعاهدت على حملِ الأمانة، لتظلَّ تلك الجموعُ المؤمنة درعًا حصينًا وقلبًا واحدًا ينبض بالعزّة، ويحرس الحلمَ بدمٍ لا يبرد، وعزيمةٍ لا تلين، في انتظار فجرِ نصرٍ أشرقت طلائعُه في عيونِ المنتظرين، هو عهدٌ يمتدّ من الأرضِ إلى السَّماء، ومن الدمِ إلى التحرير، حكايةٌ أبديّةٌ يكتبها العشّاق بدمائهم، ويرويها التاريخُ فخرًا بأجيالٍ أدركت أنَّ الحياةَ الحقيقيّةَ هي في بذلِ الرُّوحِ في سبيلِ الحقّ.