خاص العهد
يُعد الشهيد القائد الحاج عماد مغنية (الحاج رضوان) أحد أبرز القيادات العسكرية والإستراتيجية في تاريخ المقاومة اللبنانية والفلسطينية، فهو جمع بين البعد العسكري، والتخطيط الإستراتيجي، والقدرة على نسج علاقات متوازنة مع مختلف الفصائل الفلسطينية.
منذ طفولته في حيّ الشياح ببيروت، حيث تشكّلت شخصيته بين بيئة دينية محافظة وتأثيرات فكرية متعددة فرضتها الحرب الأهلية اللبنانية، حتّى انخراطه المبكر في صفوف حركة "فتح"، ثمّ تأسيسه وتجديده للمقاومة الإسلامية، لعب مغنية دورًا محوريًا في نقل الخبرات العسكرية وتنظيم الدعم اللوجستي للفصائل الفلسطينية.
تميّز الحاج عماد بقدرته على الجمع بين البعد الميداني والإستراتيجي، فكان جسرًا بين قادة المقاومة في لبنان وقياداتها داخل الأراضي الفلسطينية، محافظًا على وحدة الهدف رغم التباين السياسي والتنظيمي، ومستندًا في عمله إلى رؤية بعيدة المدى لتحرير فلسطين، تقوم على تراكم الخبرات العسكرية والسياسية، لا على الشعارات العاطفية وحدها.
مسؤول سابق في حركة "فتح" استعاد في حديث لموقع العهد الإخباري، مسيرة الشهيد القائد عماد مغنية، ودوره المحوري في بناء منظومات المقاومة العسكرية وهندسة صمود فصائل المقاومة الفلسطينية خلال أصعب مراحل المواجهة مع العدوّ الصهيوني.
البدايات.. من الشياح إلى الفصائل الفلسطينية
يستعيد المسؤول الفتحاوي السابق البدايات الأولى لعماد مغنية في منطقة الشياح، حيث تشكّلت شخصيته بين بيئة دينية محافظة، وتأثيرات فكرية متعددة فرضتها الحرب الأهلية اللبنانية. اندلاع الحرب عام 1975، على مقربة أمتار من منزل عائلته، نقل الفتى إلى تماس مباشر مع الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
في تلك المرحلة، لم يكن انخراطه بدافع تنظيمي صرف، بل نتيجة احتكاك يومي بالمقاتلين الفلسطينيين الذين رووا له حكايات القرى المهجرة والشتات والمخيمات. شيئًا فشيئًا، وجد نفسه أقرب إلى حركة "فتح"، التي كانت تمثل آنذاك العنوان الأبرز للكفاح المسلح الفلسطيني. تلقى تدريبات عسكرية في معسكرات عدة، وتأهل ليكون آمرًا لفصيل، وكانت دورة “معسكر الزهراني” محطة مفصلية في تكوينه العسكري.
بحسب المسؤول السابق، لم يكن الحاج عماد مجرد عنصر عسكري منضبط، بل كان يمتلك قدرة تحليلية لافتة، وميلًا مبكرًا إلى التفكير الإستراتيجي. هذا ما دفع قيادات ميدانية في "فتح" إلى منحه مواقع متقدمة رغم صغر سنه.
العلاقة مع أبو عمار وأبو جهاد.. تباين بلا قطيعة
يؤكد المسؤول أن العلاقة بين مغنية ورئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات لم تكن علاقة تقليدية، بل علاقة حوار دائم، يتخللها اختلاف عميق في الرؤى أحيانًا، واحترام متبادل في معظم الأحيان. كان عرفات يخاطبه في رسائله بعبارة "ولدي العزيز"، ويحرص على إبقاء قناة اتّصال مفتوحة معه حتّى في أشد مراحل التباعد السياسي.
أما مع خليل الوزير (أبو جهاد)، فكانت العلاقة أكثر التصاقًا بالعمل الميداني. يشير المسؤول إلى أن الحاج عماد كان مقتنعًا بأن أبو جهاد يمثل خط الاستمرار في الكفاح المسلح داخل فلسطين، وأن اغتياله عام 1988 شكّل ضربة إستراتيجية للمقاومة الفلسطينية، ليس فقط على المستوى العملياتي، بل في توازن القرار داخل منظمة التحرير.
وعندما وُقّع اتفاق أوسلو عام 1993 في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وبحضور إسحاق رابين، عارض مغنية الاتفاق بشدة، لكنّه وفق المتحدث لم يقطع العلاقة مع عرفات، بل اختار التعامل مع الواقع الجديد ومحاولة تحويله إلى فرصة لدعم المقاومة من داخل الأراضي المحتلة.
دعم الانتفاضة الثانية.. من التخطيط إلى التنفيذ
بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000، تلقى الحاج رضوان - بحسب المسؤول الفتحاوي - رسالة من عرفات يُفهم منها أن مواجهة جديدة مع الاحتلال باتت وشيكة. ومع زيارة أرييل شارون للمسجد الأقصى، اندلعت انتفاضة الأقصى. هنا، يقول المسؤول الفتحاوي إن الحاج عماد شكّل داخل حزب الله مجموعة خاصة لدعم الانتفاضة سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا.
عمليًا، بدأ الدعم بوسائل بدائية نسبيًا: أقراص مدمجة تشرح تصنيع عبوات ناسفة بمواد متوفرة محليًا. ثمّ تطوّر إلى تهريب سلاح خفيف عبر البحر، مستفيدًا من دراسة دقيقة للتيارات المائية بين سيناء وغزّة. لاحقًا، توسعت عمليات الإمداد عبر خطوط معقّدة تمر بإيران والسودان ومصر وصولًا إلى القطاع.
ويشير المسؤول إلى حادثة السفينة "كارين آي" عام 2002، التي ضبطتها "إسرائيل"، قائلًا إن ما كانت تحمله لو وصل إلى الضفّة الغربية لكان غيّر ميزان المواجهة في الانتفاضة.
كما عمل مغنية على فتح قنوات مباشرة مع مجموعات من كتائب شهداء الأقصى في الضفّة، ونسّق لإيصال الدعم اللوجستي، في وقت كانت فيه المقاطعة في رام الله محاصرة، وكان الضغط على عرفات في ذروته.
زيارة غزّة.. ما وراء الرواية
أكثر ما شدد عليه المسؤول الفتحاوي السابق هو ما يتعلق بزيارة مغنية إلى قطاع غزّة بعد تحريره من الاحتلال "الإسرائيلي" عام 2005. يقول إن الزيارة لم تكن رمزية، بل عملية بامتياز. دخل مغنية عبر أحد الأنفاق بين رفح المصرية وغزّة، في خطوة عكست مستوى الجرأة الأمنية التي كان يتحرك بها.
خلال الزيارة، التقى قادة المقاومة في القطاع، واطلع ميدانيًا على ورش تصنيع الصواريخ، وعلى شبكات الأنفاق التي كانت في بدايات تطوّرها. ويشير المسؤول إلى أن الشهيد أحمد الجعبري القيادي في كتائب الشهيد عز الدين القسّام كان من بين الذين رافقوه في جولات ميدانية داخل مواقع عسكرية حساسة.
وبحسب الرواية، لم يكتف الشهيد القائد بتقديم المشورة، بل نقل خبرات تراكمت خلال تجربة المقاومة في جنوب لبنان، لا سيما في مجالات: بناء منظومات صاروخية محلية الصنع - تطوير تكتيكات العمل تحت الأرض - إدارة المعركة على أساس استنزاف طويل النفس.
ويشدّد المسؤول الفلسطيني على أن: "الكثير من التحولات التي شهدتها غزّة في قدرتها الصاروخية والانضباط الأمني، تعود جذورها إلى تلك المرحلة من تبادل الخبرات".
وحدة فلسطين رؤية إستراتيجية
بعد عام 2000، ومع ازدياد اقتناع مغنية بإمكانية نقل تجربة التحرير من جنوب لبنان إلى فلسطين، جرى إنشاء وحدة خاصة تعنى بالملف الفلسطيني داخل بنية المقاومة الإسلاميّة. لم تكن مهمتها القتال نيابة عن الفلسطينيين، بل دعمهم بالخبرة والتخطيط والتسليح حيث أمكن.
ويؤكد المسؤول أن الحاج عماد كان يرى أن تحرير فلسطين ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو مشروع يحتاج إلى تراكم عسكري وسياسي طويل الأمد. وكان يكرّر أن زوال "إسرائيل" مرتبط بإرادة قوى المقاومة في الداخل ومحيطها.
ما لم يُكشف بعد
يوضح المسؤول السابق في حديثه لموقعنا أن ما كُشف حتّى الآن عن دور مغنية في فلسطين لا يمثل إلا جزءًا من الصورة، وأنه سيأتي يوم تُفتح فيه الأرشيفات، ويعرف الفلسطينيون حجم ما قُدم لهم في أصعب اللحظات.
ويختصر المشهد بالقول: "إن الحاج عماد مغنية لم يحصر علاقاته بفصيل دون آخر، بل سعى دائمًا إلى أن يكون جسرًا بين القوى المختلفة، وأن يمنع انزلاق الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي، سواء في المخيمات اللبنانية أو في الداخل الفلسطيني لأنه كان يرى نفسه جزءًا من معركتها، لا داعمًا من الخارج، وكان يتحدث عنها كما لو كانت قريته."