خاص العهد
منسق الجبهة المغربية لدعم فلسطين لـ"العهد": 2026 هو عام إعادة رسم الجغرافيا
العلاقات الدولية انتقلت من قوة السياسة إلى سياسة القوة
تطرق منسق الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب ومنسق الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع محمد الغفري إلى أبرز التحديات الراهنة في المنطقة والعالم، والتي تؤثر مباشرة في تحولات النظام الدولي الجديد.
وقال إنه منذ الأيام الأولى لعام 2026 دخل العالم في مسار صدامي حاد، يعكس انتقال النظام الدولي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة فرض الوقائع بالقوّة الخشنة.
إعادة رسم الجغرافيا
وفي حديثه لموقع "العهد" الإخباري، قال الغفري إن التطورات الجيوسياسية لم تعد أحداثًا متفرقة أو ردود أفعال ظرفية، بل باتت تتحرك ضمن منطق إستراتيجي متكامل يقوم على تفكيك الخصوم، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية، وضبط ممرات الطاقة والنفوذ، بما يخدم توازنًا دوليًا جديدًا تتصدره الولايات المتحدة، ويصبّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مصلحة "إسرائيل"، مضيفًا أن "كلّ ما يحدث من جنوب سورية إلى جنوب اليمن، ومن طهران إلى كاراكاس، يشكّل خريطة عالمية جديدة عنوانها إضعاف المحاور المناهضة للهيمنة، كسر السيادة الوطنية، وإعادة تعريف مفهوم الدولة في النظام الدولي المعاصر".
فنزويلا… سابقة خطيرة
وفي ما يتعلق بالأحداث الدائرة في فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو مادورو، اعتبر الغفري أن منطق القوّة بلغ ذروته مع العملية الأميركية داخل فنزويلا، التي انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
وأكد أن العملية ليست مجرد رسالة ردع، بل سابقة خطيرة تؤسس لمرحلة يُعاد فيها تعريف السيادة خارج أي إطار قانوني دولي.
وعن أهم أسباب أطماع الولايات المتحدة في فنزويلا، تابع الغفري: "تمثل فنزويلا عقدة طاقة عالمية ذات وزن إستراتيجي. وهي حليف سياسي لإيران وروسيا. كما أنها صوت مناهض لـ"إسرائيل" داخل المحافل الدولية. لذلك فإن إزاحة مادورو تعنى تفكيك ضلع بعيد جغرافيًا لكنّه مؤثر سياسيًا في شبكة الخصوم، وإعادة أميركا اللاتينية إلى دائرة النفوذ الأميركي الصلب، مع تحجيم أي حضور دولي معارض لـ"إسرائيل" في فضاء الجنوب العالمي".
انكشاف الجنوب السوري
وفي ما يتعلق بأحداث السويداء، أشار الغفري إلى أنها تدخل في سياق كسر الحلقة الجنوبية للدولة السورية، موضحًا: "لقد تجاوز الحراك الذي قادته مرجعيات دينية درزية، وعلى رأسها الشيخ يوسف الحجري، سقف المطالب الاجتماعية والمعيشية، ليتحول إلى طرح كيان إداري - سياسي مستقل، مصحوب بنداءات للحماية الدولية".
ولفت إلى أن "هذا التطور ليس معزولًا أو مفاجئًا، بل نتيجة لتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية وهي إنهاك الدولة السورية، تصاعد النفوذ المحلي المسلح، وانكشاف الجنوب السوري أمنيًا وسياسيًا".
وأضاف أن خطورة السويداء تتمثل في كونها عقدة جغرافية - أمنية في خاصرة سورية الجنوبية، مشيرًا إلى أن خروجها من المعادلة المركزية يترتب عليه تعطيل جزئي لخطوط الإمداد الإيرانية باتّجاه جنوب لبنان. وتقليص عمق الانتشار الإيراني قرب الجولان المحتل. وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة تخفف الضغط الإستراتيجي عن "إسرائيل"، على حد تعبيره. وبين أن هذا التفكك المحلي ليس فقط نتيجة فوضى داخلية بل هو يظهر كأداة إستراتيجية لإعادة الضبط الأمني الإقليمي لصالح "إسرائيل".
باب المندب والأطماع الصهيونية
وحول تطورات اليمن، أوضح الغفري أن المجلس الانتقالي الجنوبي أعلن انفصال جنوب اليمن، منهيًا فعليًا وحدة الدولة اليمنية، وكاشفًا حدود وتناقضات التحالف السعودي - الإماراتي. ورغم ما رافق الإعلان من صدامات عسكرية، فإن جوهر القرار كان جيوستراتيجيًا قبل أن يكون سياسيًا. ولفت إلى أن ذلك تزامن مع تصعيد أميركي حاد تجاه إيران، تضمن تهديدًا بالتدخل المباشر تحت غطاء "حماية المتظاهرين"، في رسالة تستهدف البنية الداخلية للدولة الإيرانية.
كما أردف أن جنوب اليمن يمثل مفتاح السيطرة على باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية والطاقة. وانفصاله يفضي إلى تقليص النفوذ البحري لحركة أنصار الله. وتأمين الملاحة "الإسرائيلية" في البحر الأحمر. وإعادة توزيع النفوذ في الممرات البحرية بما يخدم التحالف الغربي"، وفق قوله.
انعطافة تاريخية
كذلك، قال الغفري إن ما يحصل اليوم هو انعطافة تاريخية وأن ما يجري ليس تراكمًا لأزمات منفصلة، بل إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي تقوم على تفكيك الدول الهشّة بدل احتوائها. وكسر المحاور المناهضة بدل التعايش معها. وتطبيع التدخل العسكري كأداة سياسية مشروعة.
وأوضح أنه في قلب هذا التحول، يبرز الاحتلال الصهيوني كمستفيد إستراتيجي أساسي، أمنيًا وجغرافيًا ودبلوماسيًا. غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها بذور انفجار أوسع، عبر تصاعد الاستقطاب الدولي، وتآكل الشرعية الأممية، واحتمال الانتقال من فوضى مضبوطة إلى فوضى مفتوحة.
وقال إن أهم ما بينته وقائع الأيام الأولى لعام 2026 هو عجز منظومة الأمم المتحدة وسقوط الشرعية الدولية أمام منطق القوّة. وتابع أن منظومة الأمم المتحدة باتت عاجزة بنيويًا عن حماية الشعوب والدول أمام غطرسة أحد أعضائها الدائمين في مجلس الأمن. فقد جرى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، وتفكيك كيانات وطنية، وفرض وقائع جيوسياسية كبرى بالقوّة العسكرية أو بالضغط السياسي، خارج أي تفويض أممي أو مساءلة قانونية.
انهيار الشرعية الدولية
ولفت الغفري إلى أن هذا الانهيار العملي لمبدأ الشرعية الدولية لا يعكس خللًا ظرفيًا، بل يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في النظام الأممي، حيث تحوّل حق النقض من أداة توازن إلى آلية تعطيل، وأُفرغت مفاهيم السيادة وعدم التدخل وحماية المدنيين من مضمونها الفعلي، لتُستخدم بشكل انتقائي يخدم مصالح القوى المهيمنة.
وشدد على أن الأمم المتحدة أضحت شاهدًا عاجزًا على انتهاك مبادئها التأسيسية، في عالم يُعاد تشكيله بمنطق فرض الوقائع لا بمنطق القانون. وبهذا، تُترك الدول الضعيفة والشعوب المستضعفة خارج أي مظلة حماية حقيقية، في مواجهة هندسة قسرية للتوازنات الدولية، تقودها قوة واحدة وتصب نتائجها، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مصلحة "إسرائيل" وحلفائها". وأكد أن عام 2026 هو عام انتقلت فيه العلاقات الدولية من منطق التوازن إلى منطق الكسر، ومن قوة السياسة إلى سياسة القوّة.