إيران
اهتمت الصحف الإيرانية، اليوم الاثنين (05 كانون ثاني/يناير 2026)، برصد الحرب المعرفية والنفسية التي يخوضها العدوّ إزاء الاحتجاجات في الجمهورية الإسلامية. كما اهتمت بتحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية؛ ولاسيما في ما يرتبط بالعملية الأميركية الأخيرة في فنزويلا ووضع القارة الأوروبية العجوز.
لماذا لم ينضم الناس إلى أعمال الشغب؟
في البداية، كتبت صحيفة "وطن أمروز": "بعد مرور عدة أيام على الأحداث الأخيرة، وما وُصف بأنه خطة مُنظمة لإثارة اضطرابات في الشوارع، لم ينضم المجتمع الإيراني إليها بشكل ملحوظ. عدد المشاركين في هذه التجمعات، حتّى في ذروتها، يقتصر على بضع مئات من الأشخاص في مناطق محدودة. هذا العدد الضئيل بحد ذاته مؤشر واضح على غياب القبول الشعبي للشغب. لا يمكن تشكيل أي حركة حقيقية ومستدامة بالاعتماد فقط على تجمعات متفرقة وعفوية؛ فالإرادة الوطنية تتجلى عندما تشارك فيها شرائح واسعة من المجتمع بفعالية، وهو أمر غائب تمامًا في هذه الأحداث.
بحسب الصحيفة، أجبر هذا النقص في المشاركة الواسعة مخطّطي هذه الحركات والفاعلين فيها على تعويض الفجوة الكمية بتضخيم نوعي باستخدام وسائل الإعلام والأدوات النفسية. أبرز هذه الأساليب تضخيم روايات عن حقائق صغيرة وهامشية؛ حيث يتحول تجمع محدود في زقاق بسرعة إلى انتفاضة عامة أو ثورة شعبية، وتُعرض صور متكرّرة ومحدّدة دليلًا على موجة اجتماعية عارمة. في الوقت نفسه، تُبذل جهودٌ حثيثة لخلق رموزٍ عاطفية، ويسلط الضوء على أفرادٍ مُحددين بصفتهم أبطالًا أو شهداء طريق الحرية لإثارة الحماس وخلق شعورٍ زائفٍ بالتضامن. يُعدّ استقطاب المشاهير والشخصيات المعروفة جزءًا من هذه الإستراتيجية، إذ يُمكن لتعليقاتهم أو حضورهم الافتراضي أن يُوهم بدعم الطبقات الثرية والمثقفة، حتّى وإن اقتصر هذا الدعم على الفضاء الإلكتروني.
تابعت الصحيفة: "مع ذلك، لا يُمكن، ولا ينبغي تجاهل السخط الاقتصادي العميق للمجتمع الإيراني. هذه المظالم المتجذرة في التضخم المزمن والبطالة المتفشية وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم عدم المساواة ما تزال تُشكّل أرضيةً حقيقيةً وخطيرةً للاحتجاجات. قد تُستغل هذه الجراح القديمة نفسها، في ظروف معينة، ذريعة لخداع فئات من السكان، ولا سيما الشباب المحبّط والطبقة الفقيرة، ودفعهم للمشاركة في مثل هذه المخطّطات. لذلك، لا يكمن الخطر الحقيقي في حجم هذه الاضطرابات الحالية، بل في استغلال هذه الأوضاع السيئة المتراكمة؛ على أن تُشعل الإغراءات الخارجية والاستفزازات المنظمة شرارة يصعب السيطرة عليها. هذه الحقيقة، قبل كلّ شيء، تُذكّرنا بضرورة إيلاء اهتمام فوري وصادق للمطالب الاقتصادية والمعيشية للشعب، لمنع استغلاله لأغراض سياسية خارجية أو تآمرية".
أضافت الصحيفة: "في أعماق المجتمع الإيراني، يسود فهمٌ راسخٌ ومتجذرٌ ينظر إلى حركات الاحتجاج الأخيرة على أنها ذات طابع سياسي متأثر بعوامل خارجية، وليست مجرد رد فعل على المشكلات الاقتصادية. يستند هذا الرأي إلى تجارب تاريخية عديدة، حين تحولت احتجاجات المعيشة أحيانًا بسرعة إلى شعاراتٍ تُزعزع استقرار النظام. يدرك الناس جيدًا أنه من الممكن الاحتجاج على الوضع الاقتصادي والتضخم الجامح وتراجع القدرة الشرائية وانتشار البطالة من دون أن يُجرّ هذا الاحتجاج إلى المجال السياسي ويُهدّد بنية النظام. يعتقد الكثيرون أن المطالب الاقتصادية يُمكن تحقيقها، في إطار الحوار والإصلاحات الداخلية. هذا الفصل بين الاحتجاج الاقتصادي والمعارضة السياسية ليس ممكنًا فحسب، بل ضروري أيضًا، لأن التجربة أثبتت أن الاضطرابات السياسية غالبًا ما تؤدي إلى تفاقم أزمة المعيشة، ما يُقلل القدرة الشرائية، ويُقضي على فرص الإصلاح. كلّ من يهتم حقًا بتحسين الحياة اليومية يُدرك تمامًا أن عدم الاستقرار السياسي يأتي بنتائج عكسية ويُزيد الوضع تعقيدًا. هذا درسٌ مُستفاد من العقود الماضية".
الصحيفة أشارت الى أن مطالب غالبية المجتمع الإيراني ما تزال محصورة في تحسين سبل العيش اليومية، مثل ضبط التضخم وتوفير فرص عمل مستقرة وزيادة القدرة الشرائية، وليس بالضرورة تغيير النظام السياسي. ينبع هذا التمييز من واقعية عميقة، مفادها أن المجتمع يدرك أن البدائل التي يقترحها المعارضون الأجانب أو جماعات المعارضة غالبًا ما تفتقر إلى خطة عمل ومصداقية محلية والقدرة على الحكم. في الوقت نفسه، تعاني الحركة المعارضة، والتي يهتف أنصارها أحيانًا بشعارات متفرقة، قاعدة شعبية واسعة، وتقتصر في الغالب على الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام الأجنبية، ولم تتمكّن من أن تصبح قوة سياسية حقيقية تحظى بقبول شعبي. أظهر التاريخ الإيراني المعاصر أن النظام الملكي خيار قد استنفد جدواه، وأن عودته ليست مرفوضة من قطاعات واسعة من المجتمع فحسب، هي تتعارض أيضًا مع واقع اليوم، بما في ذلك الحاجة إلى الديمقراطية التشاركية والحكم بالاقتراع الشعبي".
تابعت الصحيفة: "في نهاية المطاف، يرى التحليل السائد أن الجمهورية الإسلامية، على الرغم من بعض الانتقادات والنواقص، ما تزال الخيار السياسي الوحيد الممكن والمستدام. لا يوجد بديل موثوق وجدير بالثقة يضمن في آنٍ الاستقرار والأمن والتقدم. هذه النظرة ليست مجرد فرضٍ قسري،هي نابعة من تعاطف شريحة كبيرة من المجتمع ترى النظام جزءًا لا يتجزأ من هويتها الجماعية وتجاربها وليست مجرد خيار سياسي".
ختمت الصحيفة: " "إسرائيل" والولايات المتحدة تعملان بجهد لجرّ إيران إلى حرب أهلية، لأنهما تنظران إلى الفوضى وانعدام الأمن في إيران على أنها خطوة تمهيدية لشنّ هجوم عسكري. هذه هي الإستراتيجية التي تبنتها "إسرائيل" بعد حرب الأيام الاثني عشر. في تلك الحرب، شنّ الكيان الصهيوني هجومًا عسكريًا في البداية، ثمّ حاول جرّ إيران إلى حرب أهلية، لكنّه فشل. والآن، غيّر إستراتيجيته، ويسعى أولًا إلى إحداث فوضى داخلية لتمهيد الطريق لشنّ هجوم عسكري".
الديمقراطية الأميركية بعبارات بسيطة
صحيفة "همشهري كتبت: "سجادة حمراء للجولاني في البيت الأبيض واختطاف نيكولاس مادورو ليلًا مكبلًا بالأصفاد؛ هاتان الصورتان اللتان شهدناهما في الولايات المتحدة في أقل من بضعة أشهر تُبرزان الازدواجية الواضحة للسياسة الخارجية الأميركية؛ دولة ليست الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست معيارها في تصنيف الدول الأخرى والتعامل معها، بل المصالح الجيوسياسية والمصلحة الآنية؛ دولة تتفاوض مع الإرهابيين باسم الحرية، وتفرض عقوبات على ممثلي الشعب المنتخبين وتعزلهم باسم الديمقراطية". وتابعت: "اتّخذت إدارة ترامب هذا الإجراء في انتهاك للقانون الدولي، بينما أظهرت قبل بضعة أشهر، باستقبالها محمد الجولاني، والذي كان مدرجًا على قائمة الإرهاب حتّى العام الماضي، أن شرعيتها لا تستند إلى تصويت الشعب أو المبادئ الدولية، بل إلى مصالح فئوية".
تتابع الصحيفة: وصل مادورو، ذو التاريخ الطويل في البنية السياسية الفنزويلية، من النقابات العمالية إلى وزارة الخارجية والرئاسة، إلى السلطة عبر الانتخابات لثلاث ولايات متتالية. على الرغم من الاضطرابات، حافظ على البنية الانتخابية والمشاركة الشعبية ... إلا أن الجولاني نفسه ينتمي إلى جماعات إرهابية، وله تاريخ في الانتماء إلى تنظيم القاعدة وتأسيس "جبهة النصرة"، التي استخدمت القوّة لقمع المعارضة والسيطرة على إدلب، ثمّ على الحكومة الانتقالية السورية. كما افتقرت الانتخابات التي أُجريت تحت إشرافه إلى الشفافية والمنافسة الحقيقية؛ فقد جرت الانتخابات من دون مشاركة شعبية مباشرة، وكانت أرقام الإقبال على التصويت وأهلية الناخبين غير واضحة، وتعرض عدد كبير من المرشحين المستقلين والمعارضين للتصويت للتهديد والقتل".
المدّعون على وشك الانهيار
أما صحيفة رسالت فقد كتبت: "بينما يدّعي قادة الترويكا الأوروبية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تأدية دور قيادي على الساحة الدولية، يتبنون نهجًا مُؤججًا للأزمات. في حين تُشير الإحصاءات واستطلاعات الرأي إلى وضعهم الحرج، والذي قد يُفضي إلى الإطاحة بهم ونهاية مبكرة لمسيرتهم السياسية. في سياسة هذه الدول الخارجية، تُشكّل الأزمة الاقتصادية أحد أهم القضايا فيها. الدول التي دخلت الحرب ضدّ روسيا مدّعيةً النصر المبكر وبتحريض من الولايات المتحدة، باتت اليوم، من جهة، تفتقر إلى الموارد الاقتصادية الرخيصة التي كانت تتمتع بها في السابق، الطاقة مثلًا، ومن جهة أخرى، استنزفت تكاليف الحرب مواردها الاقتصادية المحلية، ما أدى إلى ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة، فضلًا عن نشوء اعتماد قوي على الاقتصاد الأميركي. الأمر الذي أجبر أوروبا في نهاية المطاف على الخضوع لرسوم ترامب التجارية في نهج مهين. بالطبع، في خضم هذا الوضع، حققت احتكارات مصانع الأسلحة الرأسمالية أرباحًا طائلة، إذ تشير الإحصاءات البريطانية إلى بيعها أسلحة بقيمة 20 مليار جنيه استرليني".
وفقًا للصحيفة، امتدت هذه الفوضى الاقتصادية في فرنسا إلى البرلمان، مصحوبةً باحتجاجات شعبية، وكان من بين نتائجها الأولية عدم اليقين بشأن الميزانية وسقوط رئيس الوزراء. مع أشهر من المفاوضات الشاقة في الميزانية، لم تتمكّن الأحزاب من التوصل إلى حلٍّ لهذه الدولة المثقلة بالديون. أما في المملكة المتحدة، فتُظهر البيانات الحكومية الرسمية والتقارير الإعلامية، حتّى في وسائل إعلام مثل بي بي سي، صورةً مقلقةً للفقر والركود وانعدام الأمن المعيشي؛ فوجود أكثر من 14 مليون شخص تحت خط الفقر بعد دفع تكاليف السكن، وعيش 31% من الأطفال في أسر منخفضة الدخل، يُشير إلى الانهيار التدريجي للعقد الاجتماعي في المملكة المتحدة.
ختمت الصحيفة: "في ألمانيا، والتي تعد نفسها اقتصادًا متفوقًا، أدت مئات المليارات من اليورو التي أُنفقت على المقاربات العسكرية بذريعة الحرب في أوكرانيا إلى زيادة الضغط على دافعي الضرائب، ما زاد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للناس".