مقالات
منذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّل حضور إيران في لبنان أحد العناوين الأكثر إثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية. غير أن مقاربة هذا الدور من زاوية الوقائع الإيجابية تكشف عن مساهمات فعلية تركت أثرًا عميقًا في معادلات الأمن والسيادة والاستقرار الاجتماعي، خصوصًا في المراحل التي عجزت فيها الدولة اللبنانية، بفعل الضغوط والحصار، عن القيام بوظائفها الأساسية.
على المستوى السيادي، كان للدعم الإيراني دور مركزي في تمكين المقاومة اللبنانية من بناء قدرة ردعية حقيقية في مواجهة الاعتداءات «الإسرائيلية» المتكرّرة. هذا الدعم، الذي شمل التدريب والتجهيز والخبرة، أسهم بشكل مباشر في إنهاء الاحتلال «الإسرائيلي» لمعظم الأراضي اللبنانية عام 2000 من دون قيد أو شرط، وهو حدث مفصلي أعاد الاعتبار لمفهوم التحرير بالقوة الشعبية المنظمة بعد عقود من العجز العربي، كما أرسى بعد حرب تموز 2006 معادلة ردع ثابتة حدّت من قدرة "إسرائيل" على شن حروب مفتوحة أو فرض وقائع عسكرية جديدة، ما وفّر للبنان مظلة أمنية حمت حدوده وثرواته الطبيعية ومنعت تكرار سيناريوهات الاجتياح.
لم يقتصر الدور الإيراني على البعد العسكري، بل امتد بقوة إلى المجال الإنساني والإنمائي، وخصوصًا في ملف إعادة الإعمار. بعد الحروب والاعتداءات التي طالت الجنوب والضاحية والبقاع، بادرت إيران عبر مؤسسات متخصصة، وفي طليعتها جهاد البناء، إلى إعادة بناء آلاف المنازل وترميم البنى التحتية خلال فترات زمنية قياسية. تميّز هذا المسار بسرعة التنفيذ، وبتعويضات مباشرة للأهالي من دون تعقيدات بيروقراطية، ما أعاد الاستقرار إلى المناطق المتضررة ومنع موجات نزوح داخلية كانت ستزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي.
وفي المجال الاجتماعي، أسهم الدعم الإيراني في بناء شبكة خدمات صحية وتعليمية شكّلت ركيزة أساسية لصمود شرائح واسعة من اللبنانيين. مستشفيات ومراكز طبية ومدارس ومؤسسات اجتماعية قدّمت خدمات مجانية أو منخفضة الكلفة في بيئات مهمّشة لطالما عانت من غياب الدولة. هذا الحضور لم يكن ظرفيًا، بل تراكميًا، وساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والحد من الفقر والحرمان في مناطق كانت عرضة دائمة للضغوط والحروب.
كما برز الدور الإيراني بوضوح خلال أزمة الطاقة الخانقة التي ضربت لبنان عام 2021، حين كانت البلاد مهدّدة بشلل كامل في قطاعات حيوية كالصحة والغذاء. في تلك اللحظة الحرجة، بادرت إيران إلى إرسال شحنات وقود ساهمت في تشغيل المستشفيات والمخابز ومرافق أساسية، وكشفت إمكانية كسر الحصار وفتح بدائل عملية خارج منظومة الشروط السياسية المفروضة على لبنان. هذا التدخل لم يكن رمزيًا، بل إنقاذًا فعليًا لقطاعات حيوية في لحظة انهيار شامل.
سياسيًا، تميّز الدور الإيراني بدعم خيار الاستقلال في القرار اللبناني من دون فرض وصاية مباشرة أو التدخل في إدارة النظام الداخلي المعقّد. فقد اعتمدت طهران مقاربة تقوم على الشراكة واحترام الخصوصية اللبنانية، بعيدًا عن نماذج الإملاء أو الاستتباع التي عرفها لبنان مع قوى دولية أخرى ربطت دعمها بشروط سياسية واقتصادية قاسية.
خلاصة القول إن قراءة الدور الإيراني في لبنان من زاوية إيجابية تكشف عن مساهمة متعددة الأبعاد شملت حماية السيادة، تثبيت الردع، إعادة الإعمار، دعم المجتمع، وكسر الحصار في لحظات مصيرية. وبغضّ النظر عن الانقسامات السياسية القائمة، تبقى هذه الوقائع جزءًا لا يتجزّأ من تاريخ لبنان الحديث، وتشكّل عنصرًا أساسيًا في فهم معادلات الصمود والاستقرار التي عاشها البلد خلال العقود الأخيرة.
على الجانب الآخر، وبالمقارنة مع ما قدّمته إيران، يبرز الجانب الأميركي كدور متواطئ ومشبوه بتعاطيه بكافة الملفات اللبنانية، ولامس لقمة العيش وشرب الماء. ولم يكن الدور الأميركي في لبنان يومًا قائمًا على دعم سيادته أو تعزيز استقراره، بل تكرّس تاريخيًا كدور إداري للأزمة ومتحكّم بمساراتها، بما يخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وحليفها «الإسرائيلي». فمنذ نهاية الحرب الأهلية، تعاملت واشنطن مع لبنان بوصفه ساحة نفوذ قابلة للضغط والتطويع، لا دولة مستقلة تستحق بناء اقتصاد منتج ومؤسسات سيادية فاعلة. وقد شجّعت هذا النهج عبر دعم نموذج ريعي هش قائم على الخدمات والقطاع المصرفي والديون، ما جعل الاقتصاد اللبناني رهينة التمويل الخارجي وعرضة للانهيار عند أول اهتزاز سياسي أو إقليمي.
اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات كأداة أساسية في مقاربتها للبنان، تحت عناوين سياسية وأمنية فضفاضة، لكنها في جوهرها شكّلت عملية خنق جماعي للاقتصاد والمجتمع. فقد طالت هذه العقوبات النظام المصرفي وحركة التحويلات والاستثمار، وعمّقت أزمة الثقة الداخلية والخارجية، وساهمت بشكل مباشر في الانهيار النقدي والاجتماعي، دون أن تميّز بين بنى سياسية أو فئات اجتماعية، ما جعلها وسيلة ضغط جماعي لا أداة إصلاح كما تدّعي.
وإزاء الأزمة المالية، مارست واشنطن نفوذًا مباشرًا داخل صندوق النقد الدولي لفرض شروط قاسية على لبنان تحت شعار الإصلاح، شملت رفع الدعم دون توفير بدائل اجتماعية حقيقية، والدفع نحو خصخصة القطاعات العامة وبيع أصول الدولة، وتحميل الخسائر للفئات الفقيرة والمتوسطة. وقد حوّل هذا المسار المعالجة الاقتصادية إلى عملية تفكيك اجتماعي زادت من حدّة الانقسام والاحتقان، بدل أن تفتح أفقًا فعليًا للتعافي والاستقرار.
وعلى المستوى السيادي والأمني، وفّرت الولايات المتحدة غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا كاملًا لـ«إسرائيل»، متجاهلة الخروقات اليومية للسيادة اللبنانية والاعتداءات المتكرّرة برًا وبحرًا وجوًا. ولم تمارس أي ضغط جدّي لردع هذه الانتهاكات، ما جعل مفهوم الاستقرار الذي تروّج له شكليًا وخاليًا من أي مضمون حقيقي يرتبط بحق لبنان في الأمن والسيادة.
سياسيًا، أسهم التدخل الأميركي في تعميق الاستقطاب الداخلي عبر دعم أطراف محدّدة والتدخل في التوازنات المحلية، واستخدام الخطاب الطائفي كأداة ضغط غير مباشرة، الأمر الذي أدّى إلى شلّ المؤسسات الدستورية وإطالة أمد الفراغات السياسية، ومنع الوصول إلى تسويات وطنية مستقلة عن الإرادة الخارجية.
ويُضاف إلى ذلك الشبهات الواسعة التي تحيط بالدور الأميركي في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، لا سيما في ضوء ما ورد في كتب وتحقيقات وثّقت عملية الاغتيال بالأسماء والوظائف والأدوار، وأشارت إلى مسارات أمنية وسياسية معقّدة حاولت جهات متعددة لاحقًا تجهيلها أو حرفها، عبر تضليل الرأي العام أو تجزئة الحقيقة وتحويل الجريمة من قضية سياسية كبرى إلى ملف قضائي مبتور، ما طرح علامات استفهام جدّية حول من استفاد من تغييب الحقيقة الكاملة ومن وفّر الغطاء الدولي لبقاء خيوط أساسية خارج المساءلة.
كما لا يمكن فصل الشراكة المباشرة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» عن سلسلة الاغتيالات التي طالت قيادات محورية في محور المقاومة، وفي مقدّمتهم سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله، والشهيد الهاشمي، وغيرهما من القادة والكفاءات. فقد قام هذا التواطؤ على تبادل استخباري وتقني واضح، وفّر الغطاء السياسي والأمني لتنفيذ الاغتيالات، في إطار إستراتيجية تهدف إلى كسر معادلات الردع وإفراغ الساحة اللبنانية من عناصر القوّة التي تحمي سيادتها وتوازنها الداخلي.
ويبرز أيضًا الدور الأميركي «الإسرائيلي» المشترك في ما جرى في مرفأ بيروت، سواء لجهة التدمير المباشر أو لجهة الاستثمار السياسي والإعلامي اللاحق. فقد جرى التعامل مع الكارثة بوصفها أداة ضغط كبرى لإعادة تشكيل المشهد الداخلي اللبناني، عبر تعطيل التحقيق، وتسييس العدالة، ومنع الوصول إلى حقيقة كاملة تكشف الجهات المستفيدة من تدمير أهم منشأة حيوية في البلاد، ما عزّز القناعة بأن الهدف لم يكن فقط ضرب البنية التحتية، بل ضرب ما تبقّى من ركائز الدولة والاقتصاد والقدرة على النهوض.
في المحصّلة، لم تنظر الولايات المتحدة إلى لبنان كدولة ذات سيادة تستحق الدعم والاستقرار، بل كورقة تفاوض في صراعاتها الإقليمية، سواء في مواجهتها مع إيران، أو في حماية أمن «إسرائيل»، أو في إدارة توازنات شرق المتوسط. وبهذا المعنى، يتكامل الدور الأميركي مع الدور «الإسرائيلي» ضمن مسار واحد يقوم على الاغتيال والتخريب وتفكيك الدولة وإدارة الفوضى، مع الحرص الدائم على إبقاء الحقيقة معلّقة، والأزمة مفتوحة، والسيادة اللبنانية رهينة ميزان قوة خارجي لا يعترف بلبنان إلا كساحة صراع، لا كدولة ذات حق في الأمن والاستقرار.