مقالات مختارة
ريم هاني - صحيفة "الأخبار"
تشير سلسلة العمليات الأميركية «الخاطفة» إلى أن نهج دونالد ترامب بات قائمًا على حروب سريعة، مع «سحب اليد» من تحمّل تبعاتها على الدول والعالم. لكن هذه الاستراتيجية من المتوقع أن تنتهي إلى «الفشل» في إيران، وتُشتّت انتباه واشنطن عن أولوياتها خارج الشرق الأوسط.
بناءً على دروس مستخلصة من حرب فييتنام، برز، خلال حرب الخليج بين عامي 1990 و1991، نهج جديد في الحروب الأميركية، عُرف بـ"مبدأ بأول"، الذي طوّره الجنرال ووزير الخارجية السابق، كولن باول، وينص على أن القوّة يجب أن تُستخدم كـ"ملاذ أخير"، بعد استنفاد جميع الوسائل «اللاعنفية». وحتى عندما تصبح الحرب ضرورية، يجب أن يكون لها هدف «محدّد»، وأن تُخاض بحزم لتحقيقه، مع استراتيجية «خروج واضحة»، وبدعم شعبي. وطبقًا لما كتبه باول في وقت لاحق، فإن القادة العسكريين لا يستطيعون "الاستسلام بهدوء لحرب فاترة لأسباب غير مدروسة لا يستطيع الشعب الأميركي فهمها أو دعمها".
وإذ عارض بعض النقاد النهج المشار إليه، باعتبار أن الحرب على مبدأ "كلّ شيء أو لا شيء"، من شأنها أن تمنع استخدام القوّة لتحقيق أهداف متواضعة، إنما «مهمة»، فقد جادل مؤيدوه بأن التدخلات المستمرة، من مثل تلك التي قامت بها إدارة كلينتون في الصومال، وهايتي، ويوغوسلافيا السابقة، جسّدت مثالاً واضحاً على سوء استخدام القوّة العسكرية، والتي تهدّد بالفشل أو الغرق في «المستنقع».
على أن الغزوتَين الأميركيتَين لأفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003، جاءتا لتكونا بمثابة اختبارات رئيسَة لهذا النهج، حيث سعت إدارة جورج دبليو بوش، آنذاك، إلى تطبيق «مبدأ باول» في كلتا الحالتين؛ إذ لم تعلن الحرب إلا بذرائع «مدروسة»، وبعدما أنفق الرئيس قدرًا كبيرًا من رأس المال السياسي لإقناع الأميركيين بأن قرارات خوضها كانت حكيمة. وبعدما لم تسِر الأمور وفقاً لـ"الخطة»، بدأ النقاش حول ما إذا كان السبب هو «سوء تطبيق (مبدأ باول)، أو سوء فهم للنهج نفسه».
أمّا اليوم، فيبدو أن دونالد ترامب، ولتجنّب نتائج «مماثلة»، قرّر اعتماد نسخة «معاكسة» من الاستراتيجية المُشار إليها، تقوم على استخدام الغموض والمباغتة، واعتبار القوّة «واحدة من بين عدة أدوات متاحة لزيادة النفوذ، وتعظيم المفاجأة، والحصول على نتائج»، طبقًا لتقرير نشرته، أخيرًا، مجلة «فورين أفيرز».
ويستند أصحاب الرأي المتقدّم إلى أن كلّ صراع خلال رئاسة ترامب، لم تسبقه أي حملة لكسب الدعم الشعبي، أو حتّى تصويت من الكونغرس؛ كما تجنّبت إدارته تحديد أهداف واضحة لاستخدام القوّة. وعندما أعلن أن الحرب مع إيران قد بدأت، زعم أن الهدف هو «الدفاع عن الشعب الأميركي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني»، وذلك على الرغم من أن طهران لا تقوم بتخصيب اليورانيوم ولا تمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، بحسب المصدر نفسه.
أيضًا، يميل ترامب إلى العمليات العسكرية القصيرة والحادّة التي تستخدم أنواعًا معينة فقط من القوّة، ولا سيما الجوية والقوات الخاصة، مع استبعاد تلك البرية التقليدية. وعليه، إذا كان ثمن تغيير النظام في إيران هو نشر جنود على نطاق واسع، فقد كان واضحًا أن الولايات المتحدة لن تدفع هذا الثمن، ما يعني أن الرئيس الأميركي «سوف يكتفي في نهاية المطاف، بما هو أقلّ منه». وفي المجمل، وعلى الرغم من تحقيق طريقة ترامب بعض «التقدّم» في عدد من الملفات، فإن الهجوم على إيران، يُعدّ، حاليًا، أكثر مناوراته مجازفة في السياسة الخارجية حتّى الآن، إذ إن «فرض تغيير نظام في بلد أكبر حجمًا وأكثر سكانًا من العراق أو أفغانستان، عبر عملية لا تتضمّن أيّ عنصر برّي أو حلفاء محليين واضحين، وفي مواجهة جهاز أمني راسخ، سوف يكون صعباً للغاية». يُضاف إلى ذلك، أن «احتمالية السيناريوات الكابوسية، من الديكتاتورية العسكرية التي يقودها الحرس الثوري الإيراني إلى الانزلاق في الفوضى الداخلية، أوسع من الاحتمال السعيد لانتفاضة ديمقراطية»، بحسب ما يجيء في التقرير.
أثار ميل ترامب إلى القصف أولًا ثمّ غسل يديه مما سيأتي قلق حلفائه
وينسحب هذا الرأي على عدد كبير من المراقبين الغربيين، الذين يرون أن المسألة لم تستغرق «سوى ساعات قليلة منذ بدء الضربات العسكرية على إيران، لتجد الولايات المتحدة نفسها في موقف مألوف ولكن مقلق». وفي السياق، يرد في تقرير نشرته «واشنطن بوست» أنه لطالما أعقبت «لحظات الانتصار» محاولاتٌ لملء الفراغ، وذلك من خلال نشر آلاف القوات، وإنفاق مليارات الدولارات، والسعي إلى رعاية الديمقراطيات الناشئة، أو في حالة فنزويلا، ترك «حكومة مقطوعة الرأس» في السلطة، وأن تلك الجهود جلبت، دائماً، خيبات أمل على نطاق واسع، وأدّت إلى ظهور دول لا تزال تمزّقها الصراعات، أو ثارت ضدّ الدور الأميركي، أو بالكاد تُصنَّف كحلفاء أقوياء للولايات المتحدة.
ويردف التقرير: "يبدو أن دونالد ترامب يتبنّى نهجاً مختلفاً تماماً مع إيران، نظراً إلى أنه لا ينوي استخدام القوات الأميركية لتوجيه مسار البلد"، مشيرًا إلى أن "ميله إلى القصف أولاً ثمّ غسل يديه ممّا سيأتي بعد ذلك في إيران، أثار قلق حلفاء الولايات المتحدة، في ما حذّر مسؤولون أمنيون في الشرق الأوسط وأوروبا من أن واشنطن تطلق العنان لصراع يمكن أن يمتدّ عبر الحدود، ويعطّل التجارة العالمية ويؤدّي إلى أعمال انتقامية غير متكافئة من الهجمات الإرهابية، وكلّ ذلك، في ظلّ عدم وجود أيّ يقين بأن المتشددين الإسلاميين المتبقّين لن يحتفظوا في نهاية المطاف بقبضتهم على السلطة".
وتنقل «واشنطن بوست» عن مصادر مطّلعة قولها إنه قبل بدء الضربات الإيرانية، قامت وكالة المخابرات المركزية بفحص سيناريوات متعدّدة لـ"حكومة ما بعد خامنئي»، وخلصت إلى أن الحرس الثوري الإسلامي، «سيكون في أفضل وضع للاستيلاء على السلطة»، في حين أن المعارضة، التي تفتقر إلى زعيم واضح، هي الأقلّ حظّاً. وعلى الرغم من تصريحات ترامب حول «القيادة القادمة»، أشار مسؤول كبير في البيت الأبيض، في حديث إلى الصحيفة نفسها، إلى أن "الرئيس لم يلتزم بإجراء محادثات فورية مع المجلس الحاكم المُعلَن حديثاً، واكتفى بالتلميح إلى أنه سيتحدث معهم في النهاية"، في ما ستستمر عمليات القصف، حاليًا، من «دون هوادة».
أمّا العنصر المتغيّر الأهم، بالنسبة إلى العديد من المحللين العسكريين، فيتمثل حاليًّا في المخاطر المحيطة بالمخزون الأميركي و"الإسرائيلي" من الذخائر، والذي يجب أن يوظّف، طبقًا للحسابات الأميركية، في أماكن مختلفة، ولا سيما في المواجهة مع الصين. وفي هذا الإطار، يفيد تقرير في «وول ستريت جورنال» بأن واشنطن تسابق لتدمير قوة الصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية قبل نفاد الصواريخ الاعتراضية، لافتةً إلى أنه على الرغم من أن الحجم الدقيق للمخزون الأميركي لا يزال سريًا، إلا أن الصراعات المتكررة مع إيران وحلفائها في الشرق الأوسط «أدّت إلى تآكل إمدادات الدفاعات الجوية في المنطقة».
من جهتها، تشير كيلي جريكو، من «مركز ستيمسون للأبحاث»، إلى أن «أحد التحدّيات يتمثّل بأنه يمكنك استنفاد هذه الموارد بسرعة كبيرة. ونحن نستخدمها بوتيرة أسرع من قدرتنا على تصنيعها»، علماً أن البنتاغون يولي اهتماماً للحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية المُخصّصة لمنظومة «ثاد»، التي تشغّلها القوات الأميركية أيضاً في كوريا الجنوبية وغوام، بهدف ردع كوريا الشمالية والصين. كذلك، يسابق البنتاغون الوقت لتجديد مخزونات صواريخ «باتريوت» و"ستاندرد ميسيل» الاعتراضية، والتي تُستخدم للدفاع ضدّ الصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية.
وبحسب المصدر نفسه، لا يقتصر النقص على الصواريخ الاعتراضية، إذ تهدر الولايات المتحدة أيضًا صواريخ «توماهوك كروز» التي تُطلق من البحر، والمعروفة على نطاق واسع باسم «TLAMs»، واستُخدمت على نطاق واسع ضدّ «أنصار الله» في اليمن، وفي الحرب مع إيران والضربات في نيجيريا. والجدير ذكره، هنا، أن هذه الأسلحة ملائمة لضرب البنية التحتية، ومن المتوقّع أن يكون الطلب عليها مرتفعًا في الأسابيع الأولى من أي صراع محتمل مع الصين.
وإلى جانب الولايات المتحدة، يبدو أن لـ"إسرائيل" مخاوفها الخاصة بشأن إمدادات الذخائر، إذ تنقل الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن "عدد صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية من طراز (أرو 3) لا يزال منخفضًا، كما تعاني "اسرائيل" نقصًا في الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الجو، وهو السلاح الذي استخدمته لتدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية هذا الصيف ومهاجمة قادة (حماس) في قطر العام الماضي". وبدوره، يقول جوناثان كونريكوس، المتحدّث السابق باسم جيش الاحتلال، للصحيفة، إنه "يشعر بالإحباط حتّى الآن بسبب كمية الصواريخ التي تمكّن الإيرانيون من إطلاقها".