اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي النفط يقفز 83 سنتا متأثرًا بتراجع المخزونات وتبادل الضربات بين أميركا وإيران

مقالات مختارة

الجيوأيديولوجيا: إيران نموذجاً
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

الجيوأيديولوجيا: إيران نموذجاً

71

حبيب فياض – صحيفة الأخبار

بعيداً عن المتداول والمألوف على مستوى الربط المفهومي بين الجغرافيا والسياسة (وفق صيغ وتعريفات متعدّدة في إطار الفكر السياسي)، حيث غالباً ما ينتج من ذلك جدليات معرفية حول مديات التأثير المتبادل بين الجغرافيات والسياسات؛ فإن ثمّة إمكانية لانبثاق ما يمكن أن نسمّيه مفهوم الـ»جيوأيديولوجيا» انطلاقاً من محورة الهوية، بوصفها حداً وسطياً بين الجغرافيا والأيديولوجيا، بنحو يتيح حمل إحداهما على الأخرى حملاً منطقياً تطبيقياً، ينتج منه فهم معرفي تأسيسي، كما هو شأن الحالة الإيرانية في مواجهة العدوان الأميركي.

أولاً، عندما تتخطّى علاقة الأيديولوجيا بالهوية حدّ الاتحاد إلى المساوقة، فذلك يعني كونهما أمراً واحداً يندرج في حيثيتين، وليس كونهما أمرين يندرجان في حيثية واحدة؛ بمعنى أن المتّحدين عموماً، إن كانا قابلين للانفكاك على نحو تخلّف الذات عن موضوعها مهما بدا ارتباطهما واجبياً وقسرياً، فإن المتساوقين لا يقبلان، بأي وجه، الانفصام والتفكّك لكونهما واحداً في اثنين، على نحو واحدية الوجود، حيث يكون الوجود واحداً من حيث هو موجود، والواحد موجوداً من حيث هو واحد.

ثانياً، عندما تتخطى علاقة الجغرافيا بالهوية حيز المكانية الظرفية إلى الحركية الجوهرية، تبعاً للفهم الفلسفي المتعالي للحركة والجوهر، فذلك يعني صيرورة الجغرافيا فاعلاً أساسياً في صناعة الذات الوطنية، كما يعني صيرورة الهوية - بوصفها إطاراً تاريخياً - بعداً زمنياً رابعاً في تشكّل الانتماء إلى الجغرافيا، غير قابل للتخلي أو التخلف عن الأبعاد الثلاثة المعهودة؛ حيث تغدو الهوية، والحال هذه، تموضعاً زمانياً ممتداً في المكان، كما تغدو الجغرافيا، حيزاً ذاتياً مستوطناً في الهوية.

ثالثاً، إذا كانت الأيديولوجيا المحمولة على ذاتها قاصرة نظرياً، فإنها حال كونها محمولة على الجغرافيا فاعلة عملياً. وإذا كانت الجغرافيا بحسب ذاتها ليست سوى ظرف مكان، فإنها وهي محمولة على الأيديولوجيا ظرف انتماء. التكامل المتأتّي من العلاقة الوجودية بين الأيديولوجيا والجغرافيا في إطار الهوية، يستوجبه نقصان كل واحدة منهما من جهة كونها وجوداً مفارقاً للأخرى. فإذا كان الانغلاق سمة غالبة على الأيديولوجيا، فإن أكثر ما يمكن أن يشكّل شرطاً لإخراج الفكر المؤدلج من دوغمائيته الصماء هو حمله على الجغرافيا. وإذا كان الجمود من العوارض الذاتمكانية للجغرافيا، فإن أكثر ما يخرج الحيز الجغرافي من جموده ويجعله كائناً حياً هو حمله على الأيديولوجيا.

رابعاً، السنخية بين الأيديولوجيا والجغرافيا شرط لازم لإنتاج الجيوأيديولوجيا بأبعادها الوظيفية المطلوبة، وذلك من خلال وعيانية الأولى بوصفها حدوداً ماهوية ذهنية، وحقانية الثانية بوصفها امتداداً وجودياً أصيلاً؛ فعندما يصار إلى إسقاط الأيديولوجيا على الجغرافيا تعسّفاً، ودونما وجه حق في التملك والانتماء، تولد الحركات العدوانية المضطربة كما هو شأن النزعات العنصرية والاحتلالات التوسعية (مثل النازية والصهيونية). من هنا، بمقدار ما تشكّل الجيوأيديولوجيا إطاراً حضارياً في عمارة الأرض، تشكّل حصناً حمائياً في التمسك بها والدفاع عنها والانتماء إليها.

ينتج مما تقدّم أن الهويات ذات طبيعة بنيوية (عناصر عديدة ومترابطة) وليست خاضعة لعلل معيارية ذات طبيعة أُحادية، غير أن هذا لا يعني كون المحدّدات الفاعلة في تشكيل بنية الهوية نمطية وكلية من حيث تراتبياتها واستواءاتها؛ فثمة عناصر قد تكون ثانوية مؤثّرة في هوية ما، وأولية حاكمة في بنية أخرى؛ وبالتالي فإن حضور عناصر الجغرافيا والأيديولوجيا في تشكيل أنساق الهويات، إنما يقوم منطقياً على نحو التفاوت الوجودي من حيث القوة والضعف وليس على نحو التفاوت الماهوي من حيث هو اختلاف أفقي في البنية؛ ما يفيد أن هذا الحضور قابل للارتقاء من حالة الترابط النسقي في الماهية إلى نحو من التوحّد والحلول في الوجود.

بناءً على كل ما سبق، تبرز الهوية الإيرانية بوصفها نموذجاً متموضعاً في أرقى أنماط الهويات المركّبة على أساس الجمع بين الذاتية الحاكية عن أصالة الجغرافيا الوجودية في عالم الخارج، والغيرية المظهرة لاعتبارية الماهية المستوطنة في عالم الإدراك، ذلك أن الجغرافيا بأبعادها المكانية أقرب إلى كونها الهوية الكبرى الحاضنة للذات، فيما الاعتقاد بأبعاده الإدراكية أقرب ما يكون إلى الحدود المائزة بين الأنا والآخر.

لقد تخندقت إيران في المضيق متسلّحة بفاعلية الجغرافيا، ورابطت خلف الأيديولوجيا متمسّكة بعقيدة المقدّس؛ وفي الحالتين تعدّت خصوصية الجيوأيديولوجية الإيرانية طبيعانية الجغرافيا وصلابة الأيديولوجيا إلى كيفية اعتناقهما والتفاعل معهما


في الأصل يقوم الانتماء الإيراني على ثلاثية الأيديولوجيا والجغرافيا والتاريخ؛ فتستقر الهوية الإيرانية في ضوء ذلك على نزعة دينية بوصفها منتجاً أيديولوجياً، وعلى نوستالجيا مكانية من حيث هي انتماء جذري إلى الجغرافيا، وعلى المراكمة التاريخية لكونها الإطار الأشمل لاحتواء الهوية من حيث هي ظاهرة حضارية متعدّدة الأبعاد، من دون أن يغيب عن هذه الثلاثية العنصر الوطني/القومي بوصفه متلبساً في مختلف مكوّنات الهوية، مع الأخذ في الاعتبار التماهي بين ما هو وطني وما هو قومي كخصوصية في الهوية الإيرانية، حيث إن المسافة بين مفهومي الوطنية والقومية تتقلّص إلى حدّ يقارب الصفرية.

لقد تخندقت إيران في المضيق متسلّحة بفاعلية الجغرافيا، ورابطت خلف الأيديولوجيا متمسّكة بعقيدة المقدّس؛ وفي الحالتين تعدّت خصوصية الجيوأيديولوجية الإيرانية طبيعانية الجغرافيا وصلابة الأيديولوجيا إلى كيفية اعتناقهما والتفاعل معهما، حيث لم يكن استعصاء الجغرافيا ناتجاً فقط من الاعتبارات التكوينية، بل أيضاً من التماهي مع المعطى الجغرافي على مستوى الذات الوطنية، كما لم تكن الأيديولوجيا مجرد رؤية اعتقادية جامدة، بل فاعلية دافعة للتاريخ على قاعدة البناء والدفاع والكدح؛ لينتج من ذلك تكامل مفهومي بين الديني والوطني (إلى جانب التماهي بين الوطني والقومي)، وصولاً إلى الارتقاء بالهوية الوطنية من مستوى الانتماء الوضعي إلى مصاف الاعتناق الديني.

على هذا، أوقعت الجيوأيديولوجيا الإيرانية الأميركيين في فخ المواجهة اللاتماثلية؛ لا على قاعدة اعتماد الأقل قوة على الأساليب غير المتماثلة في المواجهة، بل على أساس افتقاد الأقوى للقدرة على التماثل معه في القوة بوصفها نتاج بنية جيوعقائدية راسخة تتجاوز الأدوات والتقنيات إلى المقاصد والغايات؛ فانعدام التماثل هنا ليس بسبب اختلال في القدرات يهدف إلى حفظ التوازنات الميدانية (مثل اللاتماثل بين الدبابة والصاروخ المضاد للدروع)، بل هو من قبيل العجز الاستراتيجي عن مواجهة قدرية الجغرافيا العصية على الانكسار، ونهائية الأيديولوجيا الممتنعة عن التطويع.

لقد أسقطت الجغرافيا الإيرانية من الحسبان محاولات التغلّب عليها، كما أسقطت الأيديولوجيا الإيرانية الرهانات على انكسارها. وطبقاً لهاتين، تتشكّل معادلة التوازن النهائي بين واشنطن وطهران ردماً لهوة موازين القوى بأبعادها المادية والعسكرية المختلة في غير مصلحة الأخيرة، حيث تستوي، والحال هذه، ثنائية طبيعة الجغرافيا وإرادة الاعتقاد كإطار ميتا-استراتيجي في مواجهة استراتيجيات الحد الأقصى من الإعداد والتخطيط.

يقول روبرت كابلان في كتابه «انتقام الجغرافيا» إنّ «موقع دولةٍ ما على الخريطة هو أوَّل ما يحدِّدها بصورةٍ أكثر حتى من الفلسفة الحاكمة لها». أمّا في الحالة الإيرانية، وبتعبير أكثر دقة وشمولاً فيمكن القول إن الجغرافيا انعكاس لفلسفة الأرض والطبيعة، كما أن الفلسفة انعكاس لجغرافيا العقل والتفكير، بكل ما يحمله مفهوما الجغرافيا والفلسفة من حفريات ومكنونات وطبقات.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة