اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "اتحاد الوفاء": لخطة إنقاذ اقتصادية تقوم على حماية الإنتاج الوطني وضبط الأسعار

مقالات مختارة

رأسمال الدولة وسيكولوجيا الرؤساء
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

رأسمال الدولة وسيكولوجيا الرؤساء

61

محمد موسى علوش - صحيفة الأخبار

قدّم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أحد أكثر الأطر النظرية قدرةً على تفسير علاقات القوة داخل المجتمعات. ورغم أنه لم يصغ نظريته لفهم العلاقات الدولية، فإن أدواته المفاهيمية تمتلك قدرة تفسيرية لافتة على فهم موقع الدول وسلوك رؤسائها داخل الحقل السياسي الدولي. فالعالَم، كما المجتمع، ليس فضاءً متساوياً، بل هو حقل سياسي دولي تتنافس داخله الدول على النفوذ والشرعية والقدرة على فرض تعريفها للواقع.

يرى بورديو أن الموقع الذي يشغله أي فاعل داخل الحقل يتحدّد بحجم ما يمتلكه من رأسمال اقتصادي، ورأسمال ثقافي، ورأسمال اجتماعي، ورأسمال رمزي. ومن يمتلك حجماً أكبر من هذه الرساميل يمتلك قدرة أكبر على التأثير وصناعة قواعد اللعبة، بينما يجد الأقل امتلاكاً للرساميل نفسه مضطراً إلى الحركة داخل قواعد وضعها غيره.

وعندما نُسقِط هذا التحليل على العلاقات الدولية، تصبح الدول هي الفاعل داخل الحقل العالمي. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً، وتفوّقاً عسكرياً، وتحالفات واسعة، وهيبة دولية، تدخل هذا الحقل وهي تحمل كتلة ضخمة من الرساميل. أمّا الدولة الضعيفة، فإن رئيسها يجلس على الطاولة نفسها، لكن ليس بالرصيد السياسي والاقتصادي والرمزي نفسه.

وهنا تتجلّى إحدى أبرز أفكار بورديو التي تساعد على فهم أثر البنية في الفاعل، وهي تجسّد البنية (العوامل الموضوعية والخارجية) في الذات (Embodiment). فاختلال موازين القوى لا يبقى خارج الرئيس، بل قد يتحوّل إلى جزء من إدراكه للعالم ولحدود ما يعتقد أنه يستطيع فعله. لذلك قد تنعكس البنية الدولية (رساميل الدولة الاقتصادية والعسكرية والثقافية والرمزية) في لغة جسد الرئيس، ونبرة خطابه، وسقف مطالبه، وحدود جرأته في التفاوض.

وبلغة بورديو، يعبّر ذلك عن أثر الهابيتوس (Habitus) السياسي، أي منظومة الاستعدادات الذهنية والنفسية المتشكّلة بفعل الموقع داخل الحقل، والتي تؤثّر في إدراك الرئيس لما هو ممكن أو مستحيل، وفي الطريقة التي يمارس بها السلطة ويتفاعل مع موازين القوى الدولية.

ويفسّر مفهوم عدم تماثل المكانة (Status Asymmetry) في علم النفس الاجتماعي جانباً من هذه الظاهرة؛ فحين يدرك الفاعل السياسي أنه يقف أمام طرف يمتلك رساميل أعلى وأكثر، يصبح أكثر ميلاً إلى الحذر وإعادة حساب كلفة أي اعتراض. كما تبرز إدارة الانطباع (Impression Management)، حيث يسعى الرئيس إلى تقديم الصورة التي يعتقد أنها تحقّق له أكبر قدر من القبول لدى القوى المؤثّرة داخل الحقل الدولي.

ولا يقتصر أثر هذا الإدراك على القرارات السياسية، بل قد ينعكس أيضاً في السلوك التفاعلي للرئيس داخل اللقاءات الدولية. فقد يبالغ بعض رؤساء الدول الضعيفة في المجاملة، وإظهار الإعجاب برؤساء الدول الكبرى، والابتسام المتكرّر لهم، والضحك على تعليقاتهم أو نكاتهم التي لا تستوجب ذلك، أو التباهي بعلاقاتهم الشخصية معهم، وكأنّ القرب من القوة يمنحهم مكانة إضافية.

وتعبّر هذه السلوكيات عن استبطان رؤساء الدول الضعيفة لعدم تماثل المكانة مع رؤساء الدول الكبرى، أو عن محاولة لاكتساب رأسمال رمزي من خلال الاقتراب من القوة، بدلاً من إنتاجه عبر استقلالية الموقف، والثقة بالنفس، والقدرة على تمثيل المصالح الوطنية والدفاع عنها. وفي هذا المعنى، لا يعود الاعتراف بالرئيس نابعاً من ممارسته للسيادة، بل من قربه من أصحاب الرساميل المهيمنة داخل الحقل السياسي الدولي، وهو ما يعكس انتقال مصدر الشرعية من استقلالية الفاعل إلى اعتراف القوى المهيمنة به.

لكنّ بورديو يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يتحدّث عن الهيمنة. فالهيمنة لا تعني امتلاك القوة فقط، بل امتلاك القدرة على جعل الآخرين يعترفون بشرعية هذه القوة ويتصرفون وفق منطقها. أمّا العنف الرمزي فهو أخطر أشكال السيطرة، لأنه لا يُمارس بالدبابات أو العقوبات المباشرة والمتنوّعة، بل بالمعاني والشرعية والرموز، حتى يصبح الطرف الأضعف ميّالاً إلى رسم حدود حركته بنفسه قبل أن تُفرض عليه.

فالهيمنة الرمزية تصف قدرة الطرف الأقوى على فرض تعريفه للعالم ومعاييره بوصفها أموراً طبيعية ومشروعة، أمّا العنف الرمزي فيبلغ ذروته عندما يستبطن الطرف الأضعف هذه التعريفات، فيتعامل معها بوصفها حدوداً طبيعية لإرادته وخياراته، لا باعتبارها نتاجاً لعلاقة قوة قابلة للمراجعة والمقاومة.
غير أن بورديو لا يختزل الإنسان في البنية وحدها. فهناك دائماً مساحة للفاعلية الإنسانية. وهنا يبرز مفهوم الكفاءة الذاتية السياسية (Political Self-Efficacy)، أي إيمان الرئيس بقدرته على التأثير وصنع القرار رغم اختلال موازين القوى، إلى جانب الصلابة النفسية (Psychological Hardiness) التي تمنحه القدرة على تحمل الضغوط دون أن تتحوّل إلى شعور بالعجز أو الدونية.

وتقدّم تجارب متعددة في السياسة الدولية أمثلة على هذا التفاعل بين الضغوط البنيوية الدولية والفاعلية الفردية، حيث يختار بعض الرؤساء توسيع هامش الحركة المُتاح لهم بدلاً من الاستسلام لمنطق الهيمنة. إن امتلاك الجرأة على الاعتراض أو على قول «لا» لا يرتبط فقط بحجم الدولة، بل أيضاً بالاستقلالية والصلابة النفسية والسياسية للرئيس. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يقتصر أثر الرئيس على توظيف ما تمتلكه دولته من رساميل، بل قد يسهم هو نفسه في إنتاج رأسمال رمزي جديد لها. فالرئيس الذي يتحلّى بالصلابة النفسية، والاستقلالية في الحكم، والشجاعة في الدفاع عن سيادة دولته، ويرفض استبطان الهيمنة أو الشعور بالدونية أمام القوى الكبرى، يمنح دولته رصيداً رمزياً يتجاوز أحياناً حدود إمكاناتها المادية. فالثبات على الموقف، والقدرة على قول «لا» عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، قد يحوّلان شخصية الرئيس نفسها إلى مصدر من مصادر الرأسمال الرمزي للدولة، بما يعزّز صورتها وهيبتها ومصداقيتها داخل الحقل السياسي الدولي.

إنّ الرئيس الذي يفتقد هذه الصلابة والاستقلالية قد يمتلك سلطات واسعة داخل دولته، لكنه يدخل الحقل الدولي وهو محكوم بسقف نفسي رسمته علاقات القوة. أمّا الرئيس الذي يرفض استبطان الهيمنة، فيدرك اختلال الموازين، لكنه لا يسمح لهذا الاختلال بأن يتحوّل إلى اختلال في إرادته.

ومن المهم التأكيد على أنّ الصلابة النفسية لا تعني التهوّر أو رفض الدبلوماسية، كما أن الاستقلالية لا تعني القطيعة مع النظام الدولي أو إنكار موازين القوى. وإنما تتمثّل في القدرة على التفاوض من موقع الندّية، واتخاذ القرار بحُريّة، ورفض تحويل اختلال الرساميل إلى استسلام نفسي أو سياسي. فالرئيس المستقل ليس من يرفض الحوار، بل من يرفض أن يكون الحوار بديلاً عن السيادة أو مبرّراً للتنازل عن الإرادة.

وقد تنعكس هذه الهشاشة في الموقع الخارجي على طريقة ممارسة السلطة في الداخل. فالرئيس الذي يعجز عن توسيع هامش استقلاله في الحقل الدولي بسبب ضعف رساميل الدولة قد يميل إلى تعويض هذا العجز بتشديد السيطرة داخل دولته، فيضيّق مساحة النقد وحريّة التعبير، ولا سيما عندما تكشف الانتقادات الداخلية حدود أدائه أو ضعفه في إدارة علاقاته الخارجية.

وفي بعض الحالات، يمتد هذا المنطق إلى تقييد الانتقادات الموجّهة إلى الدول أو الجهات أو الشخصيات الخارجية التي أسهمت في دعمه أو في وصوله إلى السلطة، خشية أن يُفهم الطعن بها على أنه طعن في مصدر شرعيته أو في شبكة الدعم التي يستند إليها (وهذا ما يُمكِن إسقاطه على قضية توقيف الصحافي حسن علّيق). وهكذا تغدو السلطة الداخلية، في بعض الحالات، أداةً لتعويض نقص الرأسمال السياسي والرمزي للدولة في الخارج، وصون مصادر الشرعية الخارجية التي يستند إليها الرئيس، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن ثقة تستمدّ مشروعيتها من استقلال القرار وقوة الموقف في الداخل.

ومن هنا، فإن علم الاجتماع السياسي لا يكتفي بتحليل الاتفاقات أو نتائج المفاوضات، بل يسأل أولاً عن طبيعة الحقل الذي أُنتجت فيه، وعن حجم الرساميل وتفاوتها بين أطرافه، وعن أثر هذا التفاوت في حدود القرار السياسي. فكلّما ازداد تفاوت الرساميل بين الدول، ازدادت قدرة الطرف الأقوى على تحديد قواعد اللعبة، وإعادة تعريف ما يبدو «واقعياً» أو «ممكناً» أو «غير قابل للتفاوض»، وهي الصورة التي يصفها بورديو بالهيمنة الرمزية.

ولهذا، فإن الامتحان الحقيقي للرئاسة لا يكون عندما يقول الرئيس «نعم» حيث يقول الجميع «نعم» أو حين يطلب الطرف الأقوى منه أن يقول «نعم»، بل عندما يمتلك الجرأة على قول «لا» في اللحظة التي تصبح فيها «لا» دفاعاً عن السيادة والاستقلال، مع إدراك كامل لتكاليف هذا الموقف. فالتاريخ لا يخلّد الرؤساء بحسب رساميل الدول التي حكموها، بل بمقدار ما امتلكوه من صلابة واستقلالية نفسية وسياسية حالت دون تحوّل اختلال رساميل الدولة إلى اختلال في الإرادة السياسية.

إنّ أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تجعل الدولة أضعف من غيرها، بل تلك التي تجعل النخب السياسية تؤمن بأن حدود القوة هي حدود الإرادة. وعندما يتحوّل هذا الاعتقاد إلى جزء من الوعي السياسي، يبلغ العنف الرمزي ذروته، لأن السيطرة تصبح مستقرة في العقل قبل أن تُترجم في السياسة.

وفي الختام، قد لا يمكن للرئيس تغيير بنية الحقل السياسي الدولي، لكن يمكن له اختيار كيف يتموضع داخله: إمّا بوصفه فاعلاً يعيد إنتاج الهيمنة، أو بوصفه فاعلاً يسعى إلى توسيع هامش استقلاله واستقلال دولته وإنتاج رأسمال رمزي يعزّز مكانتها. فالسيادة لا تبدأ عند توازن القوى، بل عند رفض استبطان الهيمنة، لأن الإرادة، وإن لم تستطع دائماً تغيير بنية الحقل، تستطيع أن تحدّد موقع صاحبها داخله.

الكلمات المفتاحية
مشاركة