نقاط على الحروف
يخوض لبنان لجّة خطيرة تتهدّده بموجب الأحداث الجارية ضمن مخاضات الموت نحو ولادة "الشرق الأوسط الجديد" بالنار والحديد الأميركي_"الإسرائيلي"، تتجاذبه مغالطات تعيد إنتاج الفراغ من رأس سلطته إلى عروق طفيليّة تلازم السفارات "الأجنبيّة عن كرامته الوطنيّة" في بِنْيته المجتمعيّة، حتى بات لبنان قاب قوسين أو أدنى، يسير انحداريًّا على عمى الأوهام، بعصبيات تنكفئ على أنانيتها، فتضعه متواطئةً مع أجندة عدوانيّة على فوهة بركان، للنيل من عناصر قوته ووحدته ومنسوب استقلاله.
لقد انتهت معركة أولي البأس عام 2024 بتوقيت وتهويل أميركيين، فأسهمت نتائج التفاوض في إعادة تكوين موازين السلطة على غير عقارب المواجهة البريّة، وبما لا يتناسب مع الحجم النوعي للتضحيات ودرجة الصمود الإعجازي الكبير للمقاومين آنذاك.
ومع امتداد النزعة التوسعيّة "الإسرائيليّة" وعدم الالتزام المطلق من قبل العدو بمقررات 1701، وامتهان السلطة اللبنانيّة الناشئة خريطة الإملاءات الأميركيّة؛ أضحى الاجتماع السياسي اللبنانيّ أمام ثلاث دوائر كبرى هي: المقاوم والمساوم والمقاول.
الاجتماع السياسي من التجريد إلى التطبيق
إذا كان الاجتماع السياسيّ هو عبارة عن عمليّة توزيع القوّة داخل المجتمع ومع الجماعات أو المجتمعات الأخرى خارج حيّزه الذي يشغله، انطلاقًا من طبيعة ارتباطه بالسلطة، وتعبيرًا عن أنماط الصراع السياسيّ والاجتماعيّ الجارية داخله؛ فإنه في الحالات المستقرّة يعبّر عن الإطار الناظم للعلاقة التكامليّة بين مختلف النظم الاجتماعيّة المكوّنة لبناء المجتمع ككل وعن العلاقة المتبادلة بين النسق السياسيّ والأنساق الاجتماعيّة الأخرى؛ وأما في الحالات المضطربة فإنه يضع ما يختزنه من جدلية المجتمع والسلطة، ووجوه الصراع عليه وداخله أمام امتحان يكشف هشاشة الدولة كلما نأت عن حمايته، وعن توفير عناصر وظروف استقراره وانسجامه، وكلّما تخلّت عن سيادتها واستقلالها مقابل أعدائه.
لذلك، تبدو "الدولة" مفهومًا ضائعًا في لبنان، بضياع هويّته وموقعه ودوره، ففي لبنان لا يوجد إلا شكلانيّة دولة، ليس فقط في حاضره، بل إن علم الاجتماع النشوئي، يفيد بأن الدولة في لبنان، صادرتها سياقات النشأة وظروف التأسيس في عملية قيصريّة فرضتها القوى الخارجيّة بتفاعلات مع امتداداتها الداخليّة، فسلبت من اجتماعها إرادة بنيه، على تمايزات في رساميل جماعاته.
كانت "الدولة" بالمفهوم النظري، هي الغائب الأكبر، واستمرّت إلى مراحله كافة دون استثناء، تعوم فوقها سلطة "اللحظة السياسيّة".
وما يمكن ملاحظته داخل المجتمع من مكوّنات وديناميّات ذاتية أو موضوعيّة وعلائقيّة، ومن تفاعلات مع الخارج بحسب الخصوصيّات والتمايزات المجتمعيّة في ظل البيئة السياسيّة ببعديها الدوليّ والإقليميّ وصراعاتها وتنافساتها وتحالفاتها، ينتهي إلى أن الاجتماع السياسيّ اللبناني يدور مدارًا وثيق الصلة بموازين القوى كواقع ممأسس أو متمرّد على الهيمنة والاحتلال والاستبداد والفساد.
ومن هنا تختلف المقاربات السوسيوسياسيّة بين اجتماع وآخر، وتحدّيدًا عندما يكون مشرّعًا على تحوّلات وتطوّرات عميقة تكاد تكون بنيويّة فضلًا عن تلك الوظيفيّة. وتختلف مقاربة مفهوم "الدولة"، انطلاقًا من الواقع ومما تتطلّبه أولوية صيانة اجتماعها من التفكك بأشكاله كافة، والأمن من العبث في سيادته ووحدته وعناصر قوته واستمراره.
المقاومة والدولة
أن تضرب بيد من حديد على الهيمنة والاحتلال، وأن تقيّد الاستبداد، وتقلّم أظافر الفساد تلك هي المفاتيح السلبية في منطق الدولة، فضلًا عن المفاتيح الإيجابية بنهوضها بأدوارها إنماء وإعمارًا في المجالات كافة.
أما أن تقود "السلطة" مسارًا يكافئ الهيمنة الخارجيّة ويبارك أغراض العدو التوسّعية، تصبح خطرًا على الدولة ومنطقها واجتماعها السياسي، وتصبح "المقاومة" هي شرط قيام الدولة الضروري، وإن لم يكن كافيًا.
وأن تقفز "السلطة" فوق الحوار الوطني المعمّق في المفاصل التاريخيّة الخطيرة، لتمارس استبدادًا فوقيًّا يستجيب لنزعة تاريخيّة انعزاليّة بائدة، ولإملاءات خارجية عدوانيّة على الاقتصاد والأمن والاستقرار والانسجام الوطني، تصبح تلك السلطة تهديدًا للوطن بفتنة "الطاغية" الذي لا يفقه تضاريس اجتماعه السياسي.
وأن تبرع "السلطة" في إتاحة الأجواء لعدوها كي ينتهك سيادتها ويقتل مواطنيها، وتتذرّع بالعجز أمام الضغوط، وأن تصبح أجندتها في المسارعة إلى التضليل بجعلها مفتاح الخلاص الاقتصادي والنمو هو نزع "السلاح المقاوم" أمام العجز عن حيازته بيدها، لأن يدها لا تقوى إلا على تفجيره تحت إشراف عدو الوطن، فضلًا عن عجزها في الدفاع عن الوطن، فذلك فساد ما بعده إفساد للعقول والقلوب، للإدارة والإرادة، وللاجتماع والانتظام السياسي، وتلويث بيئي لمن يريد الحياة بعز.
أما المقاومة، فهي تعي أن العدو يريد تحويل الدولة إلى أنقاض، وتَبْيِئة التناقض والفتن؛ لذلك، إن صميم المقاومة هو صيانة الدولة وحفظ الاجتماع السياسي العام، والقفز عن ظروف النشأة، وعن مهر السلطة باللحظة السياسية؛ إلى امتشاق السلاح بيد فولاذيّة تؤرق العدوان، وتحيل أهدافه إلى سراب، وأدواته إلى اضطراب؛ لتكون للبنان دولة على قدر وطن، لا دولة هشّة على أقدار العدو.
إن الوطن لا يحتمل مائعي التفاهة، ولا عديمي النزاهة، ولا جائعي الوهم، يتسولون صداقة الجاني ونبذ أهل الخير فيه.
إن الاجتماع السياسي اللبناني يبقى قويًا بالمقاومة وبتنظيم عقده المجتمعي انطلاقًا من "وثيقة الوفاق الوطني" على أسس من الحرية والسيادة والاستقلال بعيدة كل البعد عن الهيمنة الأميركيّة وأدواتها على طريق بناء الدولة القويّة ورائدها الإنصاف، ويبقى هذا الاجتماعُ هزيلًا بعصابات الماضي والرهان على العجز والاستجابة للإملاء والاستسلام وعقلنة تسييد "إسرائيل" بحكم الأمر الواقع.