اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الصحافة الفرنسية: تشييع الإمام الخامنئي (قده) حشود استثنائية ورسائل سياسية وجيوسياسية

نقاط على الحروف

الالتقاء مع العدو والتقاطع مع مصالحه واقعية وحنكة؟!
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

الالتقاء مع العدو والتقاطع مع مصالحه واقعية وحنكة؟!

77

كاتب فلسطيني من غزة

حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية

 ودورة في القانون الدولي

منذ غزو العراق عام 2003، بدأ تكريس قاعدة توعوية شديدة التضليل، وهي: «أنَّه لا ضير من التقاء مصالح عربية مع المصلحة الأميركية»، ولاحقًا جرى تطويرها إبّان الأزمة السورية لتصبح: لا ضير في التقاطع مع المصالح "الإسرائيلية" بشكلٍ مؤقت. وقد جرى ترسيخ هذه القاعدة عبر مثقفين ومفكرين ونجوم شاشات، ووسائل إعلام وإعلاميين، وصحف ومواقع. حتى وصلنا إلى مرحلةٍ أصبحت فيها الإضاءة على هذا التقاطع غير ذات جدوى في رفض هذا المسار، وصار الوعي الجمعي أكثر تقبلًا له، خصوصًا أنَّ هذا الوعي بُني على مفاهيم مادية استهلاكية تضع كلَّ شيء في ميزان السوق ومعادلة الربح والخسارة المادية، ولم يعد مجرد التنويه بهذا التقاطع كافيًا لتخوين المسار والفكرة، فضلًا عن الأشخاص.

أمَّا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فقد أصبح التقاطع مع مصالح "إسرائيل"، بل تبني رؤيتها ورغباتها، هو العقلانية والحكمة والفهم السياسي العميق. وهذا التبني يُجهر به بكل فخر، باعتباره حرصًا أبويًا على الشعوب، وحزنًا شديدًا على آلام الناس، حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها من يناقض هذا التوجه قاسيًا، ظالمًا، مؤدلجًا، أحمق، ولديه سذاجة سياسية وبؤس دبلوماسي. وكل هذا بدأ بفكرةٍ بدت بريئة، تدعو إلى تقاطعٍ عابر ومؤقت، لكنها كانت جنينًا للخيانة التي تضخمت.

دعواتٌ لا تكاد تنقطع من سياسيين ومثقفين وإعلاميين وناشطين، وصحف ومواقع وشاشات، تدعو حركات المقاومة في لبنان وغزة إلى تسليم سلاحها، باعتبار أنَّ هذا هو ذروة العقل السياسي، وذروة الحكمة، وعين المصلحة للبنان وفلسطين. وهذا المطلب "الإسرائيلي"، الذي يتبناه أولئك بكل راحة ضمير، لا يقدمون له بديلًا سوى ما يُعرف بقاعدة سد الذرائع، التي يتذرع بها العدو للإمعان في القتل والإبادة والتدمير.

وهذا التصور شديد السذاجة، ينطبق عليه قول المتنبي:

«وليس يصح في الأفهام شيءٌ
إذا احتاج النهار إلى دليل»

فالكيان الذي قام على القتل والتهجير والتدمير واستلاب الأرض، سيقتلك ويقتلعك من أرضك على كل حال. وفي حال نزع سلاحك، فإنك تُسهِّل عليه المهمة فقط. كما أنَّ مفهوم نزع السلاح يجري تضليله وتمويهه باعتبار أنَّه التخلي عن "الكلاشينكوف" والعبوة والصاروخ.

والحقيقة أنَّ الاستسلام المطلق والتخلي الأبدي عن الحقوق، والحقوق في الأرض، ومفتاح البيت، والعودة، والوطن، والحرية، والاستقلال، هو مضمون فكرة نزع السلاح، وليس "الكلاشينكوف". فأنت حين تقبل بفكرة التخلي عن السلاح، التي يدعو إليها المتقاطعون مع الاحتلال، فإنك تقر إقرارًا لا رجعة عنه بحق العدو في البقاء في ما يُسمى المناطق الصفراء، بل وتوسعتها، وتقر بحقه في ما يُسمى الدفاع عن نفسه، وتقر طائعًا بأنَّه طالما أنَّ الاحتلال يملك القوة، فهو قطعًا يملك الحق. فالحق، وفق هذا المنطق، هو مع من مدفعه أكبر.

كذلك فإنَّ القبول بفكرة تسليم السلاح يعني القبول بتبرئة الاحتلال من كل جرائمه، باعتباره كان طرفًا مُعتدى عليه، وتقر إقرارًا لا رجعة عنه بأنَّ كل استهدافٍ لجنود الاحتلال، الذين يحتلون أرضك ويقتلون شعبك ويدمرون وطنك، هو عدوان موصوف. وتسليم السلاح يعني تنازلًا نهائيًا عن كل الحقوق، وإعطاء الاحتلال كل الحقوق في الأرض كما في ارتكاب الجرائم. فالأمر ليس، كما يبدو، مجرد تسليم "كلاشينكوف" لا يقدم ولا يؤخر في استهداف "ميركافا" أو "إف-16" و"إف-35".

وقبل عدة أيام في غزة، أعلنت اللجنة الحكومية حل نفسها، وقدم رئيسها استقالته، باعتبارها خطوة هائلة لسد ذريعة الاحتلال بعدم السماح للجنة التكنوقراط بدخول غزة ومباشرة أعمالها. وكان هذا، طبعًا، رأي الوسطاء والضامنين، كما رأي المتقاطعين. ولكن، بمجرد صدور هذا الإعلان، رفضه الكيان واعتبره خطوة تمويهية من حركة حماس، وأنَّه من دون تسليم السلاح فلا معنى لهذا التنازل.

وكان ملادينوف، رئيس ما يُعرف بمجلس السلام، أول من جارى الاحتلال وردد موقفه ببغائية احترافية، ثم بدأت جوقة المتقاطعين مع الاحتلال برفض خطوة اللجنة الحكومية، واعتبارها خطوة تضليلية من حركة حماس، وأنَّه لا جدوى منها دون تسليم السلاح، رغم أنَّ هذه الخطوة كانت شرطًا للاحتلال والضامنين والوسطاء للسماح بدخول لجنة التكنوقراط إلى غزة ومباشرة مهامها. لكنها فجأة لم تعد كافية، بل أصبحت وكأنها مناورة حمساوية.

وقد أصبح هذا التنازل، الذي قُدم تحت ضغط الوسطاء والضامنين، في جيب الاحتلال، من دون أن يطالبه أحد بالوفاء بتعهداته. بل أصبح الجميع يطالب حركة حماس بالمزيد من التنازلات، وخصوصًا التنازل عن السلاح وتسليمه، وأنَّ هذا وحده الكفيل بإرضاء "إسرائيل"، وبالتالي تكف عن القتل والتدمير والاحتلال، وتنسحب من غزة، وترفع الحصار، تمهيدًا لمنح الفلسطينيين دولتهم العتيدة، ونعيش جيرانًا متحابين مسالمين. وهكذا، فلا نحتاج سوى القليل من الحنكة الدبلوماسية حتى يبزغ الفجر وتشقشق الطيور.

إنَّ هذا المثال ليس حصريًا، وهو يعني أنَّ العدو لا تشبعه التنازلات، وأنَّه يريدك مجردًا من إرادتك وقدرتك، حتى يسهل عليه تجريدك من أرضك وحقوقك، وكل ما لك، وكل ما لديك. وحتى المتقاطعون معه يراهم مجرد مسارعين إلى تقديم الخدمات المجانية له، وأنهم مجرد حمقى، يسترون الخيانة بالحرص والعواطف ودموع البلاهة، وبعضهم يدثرها بالحنكة والحكمة والواقعية وموازين القوى. لكن ما يغيب عنهم جميعًا، الاحتلال ومن يتقاطعون معه، أنَّ السلاح في الصدور وفي العقول، لا في خرائب الضمائر.

الكلمات المفتاحية
مشاركة