نقاط على الحروف
"إن هذه الانتقادات لا تستأهل الرد عليها".
مهلًا... إنها ليست انتقادات على شكلك، أو تسريحة شعرك، أو لباسك، إنها انتقادات كلفتها دماء من يفترض أن يكونوا أبناءك.
تعد قصة يهوذا الأسخريوطي من أشهر القصص التي جسدت مفهوم الخيانة في الذاكرة الإنسانية والأدبية، فهي ليست مجرد حادثة تاريخية أو دينية، بل رمز للمأساة التي تتبع فعل الغدر بالثقة. فقد كان يهوذا واحدًا من المقربين الذين شاركوا اللحظات الفاصلة والعهود، لكنه اختار، في لحظة ضعف، أو ربما طمع، أن يبيع هذه الرابطة مقابل ثمن بخس. وعندما اكتشف حقيقة فعله وحجم الخسارة التي جلبها على نفسه وعلى الآخرين، تحول هذا الإدراك إلى طاقة تدميرية لم يتمكن من العيش معها، حيث يصور الأدب تلك اللحظة كخروج نهائي من دائرة الضوء إلى عتمة الندم الذي لا ينفع، لتظل قصته، عبر العصور، مثالًا على أن الخيانة تقتل الخائن قبل أن تصل إلى ضحيته.
لعل قصة الإسخريوطي من أجمل وأفظع قصص الخيانة التاريخية. وإن ما يجعل هذه القصة خالدة هو ذلك الصراع الداخلي الذي يسبق الفعل ويتبعه، فهي تعكس كيف يمكن للإنسان أن يبرر لنفسه أفعالًا لا تغتفر حتى يقع المحظور، لتتحول حياته بعدها إلى مطاردة من ذكريات الثقة التي خذلها. وتظل هذه الحكاية تتردد في نصوص الفلسفة والدراما لتذكرنا دائمًا بأن النزاهة ليست مجرد صفة اختيارية، بل هي الركيزة التي تحفظ التوازن في العلاقات بين البشر، وبأن الذاكرة الجمعية للشعوب لا تنسى أبدًا من يختار الغدر حين يكون الوفاء هو الاختبار الأسمى، ما يجعل من الخائن بطلًا في رواية مأساوية يكتب نهايتها بنفسه.
وأيضًا، تعد قصة خيانة بروتوس ليوليوس قيصر من أكثر قصص الخيانة السياسية درامية وتأثيرًا في التاريخ، فهي قصة تجسد الصراع بين الولاء الشخصي والالتزام بالمبادئ السياسية، أو ما كان يعتقده بروتوس مصلحة للوطن. كان بروتوس يعتبر قيصر صديقًا مقربًا ومعلمًا، لكنه انضم إلى المتآمرين في مجلس الشيوخ لاغتياله، معتقدًا أن سلطة قيصر المطلقة تهدد الجمهورية الرومانية. وعندما طعن بروتوس صديقه قيصر في تلك اللحظة الحاسمة، جاءت صدمة قيصر لا من الطعنة ذاتها، بل من رؤية بروتوس بين صفوف الخونة، حيث لخصت عبارته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتوس؟» عمق الجرح الإنساني الذي تتركه الخيانة حين تأتي من الأقربين.
لقد عاش بروتوس بعد ذلك في دوامة من التبرير الذاتي والاضطراب النفسي، محاولًا إقناع الجميع بأنه فعل ذلك حبًا في روما لا كرهًا في قيصر، لكن التاريخ لم يغفر له فعلته، حيث ظل اسمه مقترنًا بالخيانة العظمى عبر العصور. وتكشف هذه القصة كيف أن الطموح السياسي أو الأيديولوجي، حين يمتزج بالغدر، فإنه لا يمنح صاحبه المجد الذي يرجوه، بل يضعه في مواجهة أبدية مع حكم التاريخ والأخلاق. وتظل هذه الحادثة تُدرَّس في الفلسفة والسياسة كنموذج صارخ على أن أقسى أنواع الخيانة هي تلك التي يغلفها الخائن بوشاح المصلحة العامة، بينما هي في جوهرها كسر لعهد الصداقة والإنسانية.
تتشابك قراءات التاريخ مع الواقع المعيش حين نلحظ كيف تستحضر الرموز الكلاسيكية للخيانة في توصيف الأزمات السياسية الراهنة. فالمشهد اللبناني اليوم يغري الكثيرين بالمقارنة مع تلك القصص المأساوية التي تناولناها، إذ يرى المراقب أن السلطة في لبنان لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل أصبحت تمارس نوعًا من الغدر الممنهج بالثقة العامة، وهو فعل يشبه، إلى حد كبير، ما قام به يهوذا وبروتوس من حيث جوهر التخلي عن العهود والالتزامات لصالح حسابات ضيقة.
إن جوهر الخيانة هنا لا يتمثل في طعنة واحدة، بل في تراكم طويل من الوعود التي تبخرت والالتزامات التي نكث بها من كان يفترض بهم حماية الوطن، حيث يجري بيع المصالح الوطنية مقابل مكاسب فئوية أو سياسية ضيقة، ما جعل المواطن اللبناني يعيش حالة من الاغتراب داخل بلده، تمامًا كما يشعر المرء بالخيبة حين يكتشف أن أقرب الناس إليه هو من تسبب في سقوطه. وتتحول الدولة، في هذه الحالة، من حاضنة للجميع إلى آلة استنزاف تقتات على ما تبقى من آمال الناس وثقتهم.
تلك الأنماط التاريخية التي تحدثنا عنها، عن الخائن الذي يبرر لنفسه أفعاله بذرائع المصلحة العليا، هي ذاتها التي تتردد أصداؤها في الخطاب السياسي الحالي، حيث يجري تغليف الفشل والفساد بمصطلحات براقة تهدف إلى صرف الانتباه عن حقيقة خيانة الأمانة العامة. ولكن، كما تعلمنا من قصص يهوذا وبروتوس، فإن حكم التاريخ لا يرحم، فالذاكرة الشعبية تمتلك قدرة فائقة على الفرز بين من حافظ على العهد ومن اختار طريق الغدر، لتظل السلطة في لبنان عالقة في مأزقها الأخلاقي الذي صنعته بنفسها.
تتجاوز هذه الحالة توصيفات الخيانة السياسية التقليدية لتصبح مأساة وجودية تهدد كيان الوطن، فلم يعد الأمر متعلقًا بكسر وعود أو صفقات سياسية عابرة، بل بتمزيق الجغرافيا وتهجير الناس وتدمير هوية القرى التي تشكل ذاكرة الجنوب. وحين يصمت المسؤولون أو يغضون الطرف عن هذا الدمار والتهجير، فإنهم ينتقلون من خانة العجز السياسي إلى خانة التواطؤ المباشر الذي لا يجد له مكانًا في قواميس الوطنية.
إن اقتطاع الأرض وتهجير السكان هو أقصى درجات الغدر التي يمكن أن يمارسها حاكم تجاه شعبه. فالمسؤول الذي يراقب هدم القرى وحرق الأرض دون أن يحرك ساكنًا، أو يسهل هذه المسارات تحت مسميات مختلفة، يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع التاريخ. فهذه القرى ليست مجرد حجارة تحترق، بل هي نبض حياة وروابط إنسانية يجري اقتلاعها قسرًا، ما يجعل الخيانة مضاعفة، فهي خيانة للأرض التي اؤتمنوا على حمايتها، وخيانة للأجيال التي ستجد نفسها غريبة في وطنها أو مشردة في أطرافه.
يظهر استحضار يهوذا وبروتوس هنا محدودًا أمام هول الواقع، فالمسؤولون الذين يقفون موقف المتفرج على اقتطاع الجنوب وهدم قرى صموده يمارسون فعل محو للسيادة والوجود، ما يحول البلد إلى مساحة مستباحة تتقاذفها الأطماع، ويصبح الحاكم هنا شريكًا في التفكيك لا حاميًا للوحدة. وهذا التواطؤ الصامت أو المشبوه يجعل من الندم لاحقًا بلا قيمة، لأن ما يجري تدميره وفقدانه من أرض وكرامة يصعب استعادته بكلمات الاعتذار أو التبريرات السياسية التي اعتدنا سماعها.