اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بعد العدوان الأخير.. غرفة الصناعة في صيدا والجنوب تتفقّد أضرار المدينة الصناعية

مقالات

مقالات

عن إنسانية "الناصر"..

666

صحافية لبنانية

في 3 كانون الثاني 2020، كتب القائد الجهادي الكبير الشهيد الحاج محمد جعفر قصير كلمتيْن وحيدتيْن على مفكّرته الخاصة: فقدان الناصر. كان هذا بعد ساعاتٍ قليلة من اغتيال قائد فيلق القدس اللواء الحاج قاسم سليماني. تسجيل العبارتيْن كان عن درايةٍ بحجم المُصاب، وقُربه ممّن فهِم عميقًا من هو قاسم سليماني وما يمثّل من قيمة إنسانية قبل مزاياه العسكرية. 

يقول أبو القاسم الفردوسي صاحب أشهر ملحمة شعرية في تاريخ اللغة الفارسية ما معناه إن ما يبقى من الإنسان ليس جسده، بل ذكرُه الحسن وأثرُه بين الناس. واسمُ سليماني هنا هو بيْت القصيد. منذ تسلمه فيلق القدس واتصاله بميادين الجهاد حيثما حلّ التكليف، حكى كثيرون عن استثنائية هذه الشخصية الآتية من كرمان، الكلّ أجمع على فرادتها ومردّ ذلك الى الروح والجوهر.

"تفكيكُ" إنسانية سليماني ليس مهمّة سهلة لكنّها غير شاقّة، فالصورة الغالبة هي العسكر وساحات المحور، حيث المقياس هو القوة والقدرة الدفاعية. بحسب شهادات عديدة لعارفي سليماني جيّدًا وبالقدر الذي يسمح بالحديث، تعاملُ الحاج مع المجاهدين والقادة كان بتساوٍٍٍ، أي دون تمييز بين الرتَب، الكلّ سواسية لأن الروابط الإنسانية هي المُحرّك وهي التي تبني جسور الثقة مع المُقاتلين والمُجاهدين. 

أنتَ أنتَ..

في مذكّرات ما تزال محفوظة، يُخاطب القائد الشهيد الحاج محمد قصير - الحاج ماجد - "الجنرال الكرماني" بعد سنة (2021) على ارتقائه وأبي مهدي المهندس: "أيها الأخ والأب والصديق والقائد والمعلّم.. ما زلنا في أول الطريق.. يا شبيه مالك وسلمان.. أكبر شيء فيك هو أنت أنت". كانت هذه خُلاصة علاقة لم تحدّها سقوف. عمادُ ذلك، علاقةٌ عُمرها 20 عامًا وأكثر. تعاونٌ وشراكةٌ في "خُبز وملح" الميادين، بل أكثر من مهمّات وتكليف وعمليات معقّدة. وصل الأمر الى تعلّقٍ وارتباطٍ متأصّل حتى أمسى وجود الحاج قاسم يعني حتمًا حضور الحاج ماجد الى جانبه.

ينقل العارفون بهذه العلاقة أن الحاج قاسم لم يرَ في رفيق الميدان الحاج ماجد إلّا صورة الصاحب المُخلص، ولأجل ذلك كان تعاطيه معه مبنيًا على وفاءٍ ونُبلٍ مُتبادليْن، فحفِظَ تفاصيل "خليلِه" وما يعنيه على صعيد ما يعمل، أو على صعيده العائلي. حتى أنه زاره في منزله في بيروت عام 2013 كما كان الحال مع سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله (قده)، إذ بدا مُدركًا لدقائق الأمور في عائلة الحاج ماجد، وهو ما صدم الحاضرين حينها. يسأل الأبناء عمّا يظنّون أنه غائب عنه، لكنه يُباغتهم بمعرفته به، واستفساره عنه. وهم الى الآن، لا ينسون أُنس تلك الجلسة وأجواء السكينة التي خيّمت عليها.

في زيارته الأخيرة لبيروت قبل 24 ساعة من الاغتيال، عندما ودّع سماحة السيد في اللقاء الشهير، رافق الحاج ماجد "لواء الإسلام" الى سورية التي غادر منها الى العراق. طلب منه السفر معه أيضًا، لكنّ انشغالات الحاج ماجد حالت دون ذلك. وقعت الحسرة والغصّة في اليوم التالي ما إن زُفّ الجنرال شهيدًا. عن هذه اللحظة يقول الحاج ماجد في دفتره الخاص: "أليس الرحيل سريعًا؟ ما زلنا في أوّل الطريق.. لماذا مضيتَ سريعًا وتركتني وأنا أحوج ما أكون يا شبيه مالك وسلمان.. رحلتَ دون سابق إنذار إلّا ما بدر منك في اللقاء الأخير، أتُراكَ كنتَ تودّع دون أن تشعر بذلك؟ أوصيتني أن أنقل كلامك الى سيد المقاومة دون واسطة، وألّا ألتفتَ الى كلّ الكلام وأبقى ثابتًا وأسير.. أوصيتني أن أوسّع العمل وأطوّره وأبذل مزيدًا من الجهد، وودّعتني، أتذكر؟؟ ثلاث مرات، هذه المرة رويدًا رويدًا كنتَ تُرسل الرسالة بأنك ماضٍ دون عودة، واتفقنا أن ألتحق بكَ في اليوم التالي لنلتقي العزيز أبا مهدي المهندس.. مضيتُم أنتم وبقيتُ أنا.. أخي ما عاهدتُكَ تُخالفُ اتفاقًا بهذه الصورة.. لماذا هذه المرة؟". ويختم "أتعرف أخي ما الذي هو أكبر شيء فيك وأعظم شيء وأنت القائد الاستراتيجي الكبير الكبير والذي لا يعرفه الكثيرون؟ أكبر شيء فيك هو أنت أنت".

التعويل على الشباب

هذا الصفاء الذي طبع علاقة الرجليْن ينسحب على ما كان يُنسج من روابط إنسانية وأخلاقية بين قائد الميدان ومن يعمل معه. من تعرّف على الحاج قاسم في ساحتيْ سورية والعراق من المقاتلين ومسؤولي المحاور والألوية يقول الشيء نفسه: كان يُعاملنا بأخوّة منقطعة النظير. يتجسّد ذلك في الصور والمشاهد التي يظهر فيها الجنرال الى جانب أعداد من المجاهدين الذين يتقاسم وإيّاهم لحظات القتال والحرب وفي الوقت نفسه المجالس الدافئة والهادئة. 

في شهادةٍ منقولة عن القائد العميد في حرس الثورة الإسلامية السيد أكبر طبطبائي،  يظهر الحاج قاسم مُحبًّا للقادة الشباب، يعوّل عليهم كثيرًا، ولا سيما أولئك الموهوبين في قيادة محاور القتال والكتائب. وعندما كان يسمع بنبأ استشهاد أحدهم تتبدّل أحواله لعدة أيام. ولم يكن يرتاح حتى يذهب الى أُسرة هذا الشهيد ويلتقي بها عن قرب.

مُرشد المجاهدين

كذلك يتحدث مدير المؤسسة الفنية الثقافية "ملحمة ثار الله" العقيد محمد مهدي أبو الحسني عن  جانب متميّز في شخصية الحاج قاسم، فيُشير الى أن الحاج قاسم كان يراعي في تعيين الأفراد أولويات ثلاثة "الدافع والصبر والإرادة"، ويعتبرها رمزًا للنجاح في جميع الأعمال، وهو يلتزم بها أيضًا. كما كان شخصًا دقيقًا وعميق الفكر. 

الحضور في المعارك كان محسومًا في أجندة الحاج قاسم. وفق توصيفٍ لوكالة "رويترز"، كان الحاج قاسم يتولّى إدارة الأوضاع في مدينة الفلوجة بنفسه على الأرض. وخلال عمليات سامراء - بغداد، ينقل أحد المقاتلين العراقيين أنه "ظلّ يُقاتل معنا مثل أيّ جندي عادي، وهو ما ترك في نفوس الجنود العراقيين مشاعر راحة وفرحة وتحفيز لمعنوياتهم". 


أحد المُجاهدين العراقيين يصف الحاج قاسم بـ"الداعم" و "مُرشد المجاهدين"، ويلفت الى العلاقة القوية التي كانت تربطه بالمقاتلين، والى حجم المساعدات التي قدمها الى فيلق بدر في العراق، على ما ينقل الشيخ علي شيرازي في كتاب "سيماء سليماني". 

صدقة جارية

هناك من يُشبّه أسلوب الحاج قاسم بما كان يمشي عليه مالك الأشتر، وهناك من يرى فيه امتدادًا لا ينتهي أثرُه، فمنهجه الأخلاقي والعسكري لم ينتفِ، تدريباته، تكتيكاته، ومبادئه، وانتصاراته الكبرى في الميدان، كلّ هذا يلمسه الآلاف من المجاهدين الذين ما زالوا ينبضون بروح الثورة أينما كانوا وتشرّبوا قاسم سليماني. هي صدقة جارية ما دام هناك إرادة صلبة لا تركع للمُستكبرين وشياطينهم.

 

الكلمات المفتاحية
مشاركة