مقالات
كاتب من لبنان
بعض ما يوجَّه في الإعلام العربي من نقد لموقف الصين وروسيا حيال العدوان على فنزويلا فيه شيء من المنطق، لكن بعضه يحتاج الى تفكير معمق.
في الشق المنطقي: يفكر بعض الناقدين من منطلق أن الدول تحمي مصالحها، أو هكذا هو مفترض. وبما أن للصين وروسيا كدولتين كبريين، مصالح اقتصادية وحيوية مع فنزويلا، فالواجب يقضي بالدفاع عن هذه المصالح حتى لو تطلب الأمر رفع الكلفة على أميركا. لكن موقف بكين وموسكو اقتصر تقريباً على التنديد بالعدوان الأميركي على فنزويلا والمطالبة باحترام سيادتها وإطلاق رئيسها المختطف، وهو موقف أقل من المتوقع والمأمول ولا يتناسب مع حجم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي تقيمها الدولتان مع حكومة كاراكاس. وقد كان التوجه الأميركي العدواني ضد فنزويلا معلَناً عنه منذ فترة ليست بسيطة وكان يمكن للصين وروسيا القيام بخطوات دبلوماسية أو عملية قد تردع واشنطن عن تنفيذ خططها ضد دولة مستقلة. وسبق أن استخدمت الدولتان "الفيتو" ضد مشروع أميركي طُرح على مجلس الأمن الدولي عام 2019 وكان يهدف آنذاك لدعم المعارضة وتغيير النظام في فنزويلا.
في الشق الثاني، نحن نفكر كعرب ومسلمين في الغالب من منطلق أن لا إمكانية لمواجهة السياسات التعسفية للولايات المتحدة الأميركية إلا بدعم من دول كبرى أخرى. بمعنى آخر، نبحث عن سند دولي قوي للاتكاء عليه في مواجهة تغوّل السياسة الأميركية في المنطقة. ولطالما كان رهان العديد من الدول العربية على الاحاد السوفياتي كمُعادل وثقل في مواجهة المشاريع الأميركية، وتحديداً في ما يتعلق بالصراع مع "إسرائيل". وأدى هذا الرهان الى خيبات أمل كبيرة في نهاية الأمر، وهذا ما تكرر مع إيران التي عبّر بعض السياسيين ووسائل الإعلام فيها مؤخراً عن استياء من رد الفعل المنخفض السقف من جانب روسيا والصين حيال العدوان الأميركي – "الإسرائيلي" على أراضيها ومنشآتها النووية في حزيران/ يونيو الماضي.
غير أن هناك نقطة دقيقة تحتاج الى الهضم والاستيعاب لفهم خلفيات هذا الموقف، من دون أن يكون تبريراً له:
لا توجد في العالم علاقة عضوية بين دولتين توازي العلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل". هناك احتضان أميركي كامل للكيان يتجلى في دعمه على جميع المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية والتقنية وغير ذلك. مردّ هذا الاحتضان الى وجود قاعدة دعم عقائدية دينية في الولايات المتحدة وفي دول غربية أخرى للكيان، وإلى وجود نظرة في هذه الدول الى الكيان على أنه قاعدة متقدمة للنفوذ الأميركي والغربي في هذه المنطقة، وإلى استخدامه وسيلة إضعاف وشرذمة واستنزاف لدول المنطقة ومقدَّراتها. وهذا الدعم المطلق يترجَم بقرار مركزي أميركي، لا يتغير مهما اختلفت الحكومات في الولايات المتحدة، يجعل "إسرائيل" متفوقة عسكرياً وتقنياً على الدول العربية والإسلامية وتقديم كل ما يلزم لها لكي تفوز في كل جولات الحروب التي تخوضها، حتى لو اقتضى ذلك الانخراط المباشر في القتال بصورة أو بأخرى. وعليه، فكل حرب "إسرائيلية" هي حرب أميركية بالضرورة في المنطلق وفي الأهداف وفي النتائج وفي وسائل القتال أيضاً. وكل فوز "إسرائيلي" يصب حكماً في مجرى تعزيز النفوذ الأميركي وإخضاع دول المنطقة وتيئيسها من أي خيار آخر غير الالتحاق بالركب الأميركي. ويعبّر النقاش الدائر في أميركا اليوم بشأن "أميركا أم "إسرائيل أولاً" عن حجم التداخل العضوي بين الجانبين بشكل يصعب فيه تفريق المصلحة الأميركية عن السياسات "الإسرائيلية" من قبل الطبقة النخبوية المهيمنة في واشنطن.
أما روسيا والصين فلا ترتبطان بمثل هذا العقد والاعتقاد مع أي دولة عربية أو إسلامية أو عالم- ثالثية، فنزويلا أو غيرها. المصالح المشتركة لا تعني الاحتضان الكامل، كما هي علاقة الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني، وبالتأكيد لا تعني الاستعداد للدفاع عن الدولة التي تواجه حالة العدوان بصورة مباشرة. بالإضافة الى ذلك، يبقى دور روسيا والصين على الصعيد الدولي أقل تدخلية من الدور الأميركي، ولا تبدو موسكو أو بكين على استعداد للقتال ضد الولايات المتحدة من أجل ردّ عدوانها على دولة ثالثة، إلا في حال شكّل هذا العدوان خطراً مباشراً على الأمن القومي للصين أو روسيا، كمثل انخراط الصين في الحرب الكورية التي نشبت في العام 1953 بعدما أضحت القوات الأميركية على مقربة من حدود الصين. ونذكر أيضاً أنه في العقود الأخيرة، لم تتدخل روسيا في حروب شنتها الولايات المتحدة على دول عربية وإسلامية، ولعل أبرزها احتلال العراق عام 2003، على الرغم من العلاقات الوثيقة التي ربطت بغداد بموسكو في مجالات عدة.
الى جانب ذلك، وبسبب كون الدول الكبرى ذات قدرات نووية إفنائية، فهي تميل الى الدخول في حسابات معقدة تنتهي عادة بتراجع إحداها أمام الأخرى أو بعقد صفقة ما تخفيفاً لخسائر إضافية أو اقتساماً لمكاسب.
وفي المرحلة الراهنة، ربما توجد ملامح اقتسام جديد لمناطق نفوذ في العالم، حيث تريد واشنطن الاستحواذ على أميركا الجنوبية واللاتينية (فنزويلا، بنما، ...) بكل ما فيها من ثروات وممرات حيوية، بينما تنشغل روسيا بمناقشات مع الولايات المتحدة لفرض تسوية في أوكرانيا تتيح لها السيطرة على مناطق عدة في شرقها. أما الصين فتتحضر لإعادة تايوان الى فلكها. وهذه القضايا الإقليمية تفتح باباً للتسويات المباشرة أو غير المباشرة بين الدول الكبرى بهدف ترسيخ سيطرتها في محيطها الأقرب، حتى لو تطلَّب ذلك خسارة مصالح في المناطق البعيدة.
يتضح من ذلك أن مفهوم "المعسكر المناهض للهيمنة الأميركية" لا يشكّل كتلة صلبة موحّدة، بل مبادئ عامة ومصالح قد تتقدم أو تتراجع وفقاً للظروف والكلفة والمساومات الإقليمية هنا وهناك. وبالتالي، فإن الأزمات المتتالية التي تعصف بالعالم تكشف حدود الدعم الذي يمكن أن تقدّمه موسكو وبكين لحلفائهما، لا سيما إذا كان الموضوع مرتبطاً بالصراع مع واشنطن أو في المناطق التقليدية التاريخية للهيمنة الأميركية. وتبقى المواجهة العسكرية خطاً أحمر لا يُكسر إلا حين تمسّ المصالح الحيوية المباشرة، لا حروب أو انقلابات في أقطار بعيدة عن المجال الحيوي لكل دولة. لكن ذلك لا يمنع وجوب إقامة شبكة علاقات سياسية واقتصادية تتيح الاستفادة من ثقل روسيا والصين وإمكاناتهما. هذا شيء والرهان على تدخل عسكري حتمي لهاتين الدولتين في كل أزمة أو مواجهة إقليمية شيء آخر. ويجدر بدول العالم التي تبحث عن استقلال قرارها السياسي والاقتصادي خوض هذا التحدي بإمكانياتها الذاتية وتنويع خياراتها وعدم عقد الرهان بالمطلق على دولة كبرى لها مصالحها وحساباتها مع الدول الكبرى الأخرى المنافسة.