نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
أن تكون الجمهورية الإسلامية في إيران شوكة في عين الأميركي، يعني أنّها تلقائيًا على رأس قائمة اهتمامات الإعلام المتأمرك في لبنان، ويعني أن تتنافس فرق هذا الإعلام في إيجاد وتقديم المواد الإعلامية التي تساهم في الترويج لما يريده "المعلّم الأميركي" من أيّ حدث يجري على أرض إيران، ومن أيّ موقف يصدر عنها. ولما كان هذا الإعلام قد استحال طوال السنوات الماضية مجلسًا حربيًّا يقرّر شنّ الهجمات ضدّ كلّ من يعادي "ربّه الأميركي" مستخدمًا كافة الأسلحة التي من المفترض أنّها محرّمة مهنيًا وأخلاقيًا، فلم يكن مفاجئًا أن نراه يشحذ سكاكين الكذب ويجهّز قنابل التضليل في مقاربة المشهد الإيراني، اليوم، فيما تخوض الجمهورية لا فقط معركة الدفاع عن المستضعفين في الأرض، بل أيضًا معركة منع الأعمال التخريبية التي تحرّكها الولايات المتحدة الأميركية في الداخل. ما دور إعلام الأمركة هنا: تكرار الترّهات التي يقولها ترامب، واجهة الإدارة الأميركية الشيطانية حاليًا، وصياغة حماقاته وأكاذيبه وحتّى هلوساته على شكل مواد إعلامية ومقالات صحافية.
في صفحتها الأولى اليوم، عنونت "نداء الوطن"، المعروفة كمجلس حربي اعلامي قواتيّ: "أنظار العالم على إيران". والعنوان، للأمانة، لم يكذب بالظاهر، فأنظار العالم على إيران منذ انتصار الثورة الإسلامية المباركة فيها، ومنذ أن أطاح الشعب الإيراني بنظام الشاه الذي حوّل البلاد إلى شرطيّ يأتمر بأمر الغرب، ومنذ أن اتّخذت هذه الجمهورية قرار قول "لا" لأميركا، و"لا" للظلم، ولا لسيطرة طواغيت الأرض على خيرات البلاد ونفوس الناس. أما المقصود في ما كتبته نداء الوطن، فكان محاولة لتصوير الأعمال التخريبية والإرهابية التي تحرّكها أميركا على الأراضي الإيرانية كحالة "شعبية ثورية" تستقطب أنظار العالم. وهنا، تتماهى الصحيفة تمامًا مع كلّ الهراء الذي عبّرت عنه المنابر الأميركية وعلى رأسها منبر ترامب في الحديث عمّا يدّعي أنّه الشعب الإيراني. تابعت الصحيفة داخل صفحاتها تفخيخ المشهد الإيراني بالمفردات السّامة، وتصوّر العلاقة بين النظام والشعب في الجمهورية كما يحلو لكلّ غلمان أميركا في العالم تصويرها: علاقة يقمع فيها النظام تطلّعات شعبه. وهو ما يتناقض مع الحقيقة تناقضًا جوهريًا وملموسًا، إلّا إذا اعتبرت نداء الوطن أنّ بضعة عشرات من الإيرانيين المستلبين للأميركي هم "الشعب"، أما ملايين الإيرانيين من مختلف الطوائف الدينية والتوجّهات الفكرية والسياسية، الذين يدافعون عن نظامهم ويدركون أنّه حرّر بلادهم من لوثة الانبطاح للأميركي وارتقى بالجمهورية التي رغم الحصار الجائر عليها لعشرات السنين تتطوّر وتتقدّم، هم مجرّد أرقام!
في السياق نفسه وعبر موقعها الإلكتروني، خصّصت صحيفة "النهار" رابطًا لـ"تغطية خاصة لحظة بلحظة" للأحداث في إيران. يقود الرابط إلى سلسلة من المواقف التي تخدم المصلحة الأميركية من الأعمال التخريبية، وتمنح "رضا بهلوي" ابن الشاه مساحة تفوق حجمه إيرانيًا بملايين الأضعاف إذ تركّز على أقواله وكأنّها صادرة عن زعيم ذي قيمة حقيقية، بالإضافة إلى المواقف الأميركية الصادرة أولًّا بأوّل في هذا الشأن والتي جميعها تتمحور حول "حقّ الشعب الإيراني" بالتظاهر والثورة على نظامه. والمضحك في الأمر أنّ "النهار" كما غيرها تغيّب عادة مشاهد القمع الوحشيّ التي تنفذها الإدارة الأميركية ضدّ الاحتجاجات التي يقوم بها الشعب الأميركي أحيانًا، وتحسبها شأنًا أميركيًّا داخليًّا! ومع هذه المواقف، يعرض الرابط بعض الصور المجهولة المصدر عن "مظاهرات" في إيران وتقدّمها مع مؤثرات بصرية وعناوين شعاراتية ثورية. هذا الشكل من المتابعة والتغطية والذي لا نجده في "النهار" في أيّ حالة ثورية حقيقية تعادي أميركا حول العالم. ما يجعل رابط التغطية هذا مؤشّرًا واضحًا على "تعليمة"، لا على عمل صحفي يواكب حدثًا في دولة أخرى.
من جهة أخرى، يلاحظ التركيز الكبير في محاولة استهداف شخصية السيّد القائد الإمام عليّ الخامنئي، التزامًا بتعليمة واضحة ومباشرة من عوكر. فكما نداء الوطن، تصرّ مختلف الأبواق العوكرية من مؤسّسات وشخصيات على التطاول على شخصه ومقامه، لا في سبيل استفزاز الشيعة حول العالم فقط، بل يبدو الأمر وكأنّه خطّة أميركية لتشويه صورة ناصعة في كلّ العالم تمهيدًا لاستهدافها مباشرة، لا سمح الله. وهذا ما جرى بالضبط في الأشهر الأخيرة قُبيل اغتيال الشهيد الحاج قاسم سليماني، إذ انكبّت الصحافة العاملة في المعلف الأميركي حول العالم على تشويه صورة الحاج قاسم وتاريخه ووصفه بأفظع الصفات... وبالتالي، يمكن القول بضمير مرتاح وبموضوعية شديدة، أنّ هذه الأدوات الإعلامية تشترك اليوم صراحة بصناعة السيناريو نفسه.
بالملخّص، يتموضع الإعلام المتأمرك في لبنان حيث يريد له سيّده أن يكون، ينطق بما يأمره حاجب في السفارة، ولا يخجل من مناقضة نفسه، وهو الحامل لشعار "عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى"، إذ يتدخّل بشكل صريح في شأن خارجي، يكذب فيه ويضلّل، ولا صعوبة في ذلك على من اعتاد تسمية الكذب "إعلامًا" والتضليل "صحافة".