نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
كلّما ذُكر يوسف رجّي، وزير خارجية "القوات اللبنانية"، يستحضر اللبنانيون العديد من المواقف التي ينطبق عليها تمامًا قول "شرّ البليّة ما يُضحك"، من الهجمة على مبنى الوزارة إلى استحداثه نظرية "البكاء" لتحقيق المطالب، وما بينهما، مع سيل من المشهديات والمواقف التي من فرط تطرّفها في العداء ضدّ البلد وناسه، يظن المرء، لولا ذكر اسم الفاعل فيها، أنّها بتوقيع "إسرائيليّ" صريح.
بالمبدأ، منصب وزير الخارجية والمغتربين في لبنان ليس منصبًا فخريًا، ولا هو امتياز يتمتّع به من يتولاه، بشخصه وبمن يمثّل على المستوى الحزبي المحلّي. دستوريًا وعُرفيًّا، يتولّى وزير الخارجية إدارة الشؤون الخارجية للبلاد وتمثيل مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، ويحافظ على أفضل العلاقات مع الدول الصديقة والشقيقة بحسب الدستور اللبناني، وبديهيًّا لا يدافع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الدول المصنّفة في الدستور نفسه عدوّة - حتى ولو كان بصفته الشخصية لديه رأي آخر في هذا "العداء"- يعدّ وينسّق وينفّذ سياسة لبنان الخارجية المتفق عليها داخل المؤسّسات الدستورية، ويرعى مصالح المغتربين اللبنانيين، ويمثّل لبنان في المحافل والمنظمات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى إدارة الشؤون القنصلية في الخارج والإشراف على البعثات الدبلوماسية. هذه هي باختصار المهام الموكلة إلى وزير الخارجية في لبنان، وكما هو واضح، لا رابط بين أدائها وبين الانتماء السياسي للوزير، حتى ولو كان قواتيًا.
على أرض الواقع، يقدّم الوزير الحالي تجربة مختلفة وأداء لا يرقى حتى إلى مستوى مسؤول العلاقات الخارجية في أيّ حزب أو مؤسسة راقية. فالعاملون في سلك "العلاقات الخارجية" حتى على مستوى الأحزاب والمؤسسات، يتمتعون عادة بكفاءات دبلوماسية وتخاطبية وبشخصيات مرنة معتدلة تتقن تمثيل الجهة التي تنتمي إليها بشكل لا يتوخى التصادم مع الآخرين، وبشكل يعبّر تمامًا عن السياسة المنتهجة والواضحة، بغضّ النظر عن أي موقف شخصيّ أو رأي مختلف. من هذا المنطلق، لا يتمتّع رجّي بأي مؤهّل يخوّله تولي أي عمل ذي طابع خارجي، حتى على مستوى حزبه، إذ يبدع في ارتكاب كلّ ما ينفّر، حتى على مستوى جمهور "القوات" ناهيك عن الأحزاب الأخرى، ولا يصفّق له سوى بعض المستلبين المريدين لما تريده "إسرائيل"، وهم رغم ضجيجهم وماكينتهم الإعلامية التي تديرها السفارة الأميركية في بيروت علنًا، قلّة تلفظها حتى بيئاتها اللصيقة.
منح "القواتي" يوسف رجّي مؤخرًا، ضمن سلسلة من المواقف، الحقّ "لإسرائيل"، الكيان المصنّف "عدوًّا" في الدستور اللبناني، بالاعتداء على لبنان واللبنانيين، لبنان الذي يتولى رجّي نفسه منصب وزارة خارجيته. تبدو الجملة عبثية بشكل كبير، إلّا أنها تنقل بموضوعية شديدة أداء رجّي، الذي لم يكتفِ بذلك بل "اخترع" على ما يبدو تهديدًا "إسرائيليًا" بقصف مطار بيروت، ما اضطر العدو إلى المسارعة للنفي. هذا الأداء يخلّف ذهولًا واضحًا لا في الداخل اللبناني الذي يمتلك خلفية واضحة عن المنشأ السياسي لهذا الكلام، إنّما داخل الكيان الصهيوني، إذ سارع إعلاميون صهاينة، على حساباتهمن للتعليق في وسائل التواصل الاجتماعي على كلام وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، بحسب ما نقلت صحيفة "الأنباء"، إذ قال بعضهم إنّ "بعض الأطراف اللبنانية يريد توظيف “إسرائيل” لتصفية الحساب مع حزب الله خارج إطار نظرة “إسرائيل” لشروط الحرب." وقال آخرون: قبل أن تحدّد “إسرائيل” خطتها للتعامل مع فرضية حرب على الجبهة اللبنانية يسارع بعض اللبنانيين لتوريط “إسرائيل” بسقوف للحرب لم يتم حسمها بعد. وبحسب الصحيفة نفسها، "طرف التعليقات قال: لا تلوموا الوزير القواتي في لبنان فقد أخذته الحماسة ويبدو أن بعض اللبنانيين إسرائيلي أكثر من “إسرائيل”.
على صعيد آخر، تحدّث الصحافي اللبناني المعتمد في الأمم المتحدة موسى عاصي عن لقاء جمع بين رجّي وموظفين لبنانيين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، وبدا لافتًا بالنسبة له اعتماد وزير الخارجية إجابة واحدة على كافة الأسئلة التي طُرحت عليه خلال اللقاء والتي تنوّعت بين ملف الكهرباء في لبنان وودائع اللبنانيين التي تبخرت في المصارف ومشاكل شركة طيران الشرق الأوسط وغيرها؛ الإجابة الواحدة تلك لم تكن سوى "ينبغي نزع سلاح المقاومة". وعلى ما يبدو، يعجز رجّي عن الحديث في أي مسألة غير هذا المطلب "الأميركي-الإسرائيلي"، فيعتمد الحديث عنه في كلّ طرح. وبحسب عاصي، سأل أحد الحاضرين رجّي بأسلوب تهكّمي: "أريد أن أغير لمبة في بيتي، هل هذا الأمر ممكن أم يحتاج الى نزع السلاح؟"! ما يعكس حجم المهزلة "الخارجية" التي يؤديها رجّي حول العالم.
يرفض اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم السياسية هذا الأداء، ويرون فيه شيئًا من تلطيخ منصب وزارة الخارجية بالمواقف "القوّاتية" التي تكاد تزايد على المواقف الأميركي و"الإسرائيلي" بالعداء والتطرف ضد الأرض وأهلها، بل وحتى ضدّ رئاستي الجمهورية والحكومة! وكما قلنا سابقًا، لا يجد رجّي اليوم جمهورًا يثني عليه ويصفّق له سوى الموتورين في عالم السياسة والإعلام، والذين وجدوا فيه خير ناطق يعبر عن تطلعاتهم القائمة على مبدأ "النكاية بالطهارة". الجمهور، بكلّ أطيافه، حتى ذلك المأخوذ بفكرة أن الحلول كلّها تكمن في الاستسلام، يرفض خطاب رجّي ويرى فيه تطرّفًا غير مسبوق حدّ بلوغ يمين العدو نفسه، ويحسب هذا الأداء المخزي ارتكابًا وجب أن يحاسب عليه القانون، لو وجدت المحاسبة!