اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي 1720 اعتداءً إرهابيًا للمستوطنون الصهاينة في الضفّة منذ بداية الحرب وحكومة العدو

مقالات

بين تهديدات ترامب و
مقالات

بين تهديدات ترامب و"تحفظ" تل أبيب: كيف تُدار الفوضى في إيران؟

126

صحافية لبنانية

"أتابع الوضع في إيران عن كثب"، هذا ما يردّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة. ولا يكتفي بذلك، بل يتعمد إرفاقها بتهديد بات يكرّره في كلّ إطلالة: "سنوجه ضربة لإيران إذا أقدموا على قتل المتظاهرين". ليبدو المشهد وبشكل جلي، أبعد من متابعة عن كثب، بل إدارة مباشرة لتحركات الشغب وأعمال التخريب داخل إيران. فتهديدات ترامب تحمل رسائل واضحة تهدف إلى ضخ الثقة في نفوس المخربين، وإيصال إشارة مفادها أن السلطة ستكون مكبلة ومردوعة عن محاسبتهم.

ويجيد ترامب التملص، بقدر براعته في قول الشيء ونقيضه في الجملة الواحدة. فعندما يُسأل عن القتلى في صفوف مثيري أعمال الشغب، يعزو الأمر إلى "التدافع والحماس". ويبقى السؤال: هل هو تدافع عشرات المخربين المسلحين كما بيّنتهم كاميرات التلفزيون الرسمي، أم حماس بضعة آلاف في طهران، العاصمة التي يقطنها ما لا يقل عن 13مليون نسمة؟ والكلام ليس استخفافًا بما تشهده بعض المدن الإيرانية، حيث يسقط شهداء من قوات الأمن وحتّى من المدنيين. فالتخريب استدعى موقفًا حازمًا وواضحًا صدر عن رأس هرم الثورة وقائدها الإمام السيد علي الخامنئي الذي أكد أن الجمهورية الإسلامية لن تقبل بالعمالة للأعداء. غير أن الإضاءة هنا تنصب على أسلوب حروب واشنطن: القتال بدماء الآخرين، وإغداق الوعود، ثمّ التملص عند الاستحقاق.

وآخر تهديدات ترامب كما أوّلها: توجيه ضربة عسكرية في حال أقدمت إيران على قتل "المتظاهرين". وهو تهديد يستدعيه صراحة رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، الذي ناشد ترامب في منشور له على منصة "اكس" قال فيه: "أعلم أنك رجل يفي بوعوده، وأرجو أن تكون مستعدًا للتدخل لمساعدة شعب إيران". ومنشور بهلوي تناقلته شخصيات من المعارضة الإيرانية في الخارج، مرفقًا بتعليقات تُذكّر بأن الرجل الذي يطرح نفسه بديلًا للجمهورية الإسلامية لم يكلف نفسه عناء قطع إجازته، مستجمًا في جزر البهاما، رغم مُضي أسبوع كامل على اندلاع الاحتجاجات. أما داخل إيران، فما يُذكر اسم بهلوي حتّى يُلحق فورًا بعبارة واحدة: "بلا شرف".

ومع تصدّر دونالد ترامب مشهد إدارة سيناريو الفوضى، بدا الصوت "الإسرائيلي" خافتًا نسبيًا. فعلى الرغم من إعلان رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، تعاطفه مع ما وصفه بـ"نضال الشعب الإيراني" وتمنياته "سقوط النظام"، أفادت القناة 12 العبرية بأن حكومة العدوّ أصدرت تعليمات للوزراء وكبار المسؤولين بتجنّب التعليق على الاحتجاجات في إيران. وتنسجم هذه التعليمات مع تحفظات المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" إزاء إظهار أي حماس حيال ما يجري في الشارع الإيراني، انطلاقًا من قناعتها بأن الأحداث لا ترقى إلى مستوى التهديد الجدي لنظام الجمهورية الإسلامية، رغم الزوبعة الإعلامية التي تنخرط فيها وسائل إعلام "إسرائيلية".

في هذا السياق، لفت الباحث الأميركي المتخصص في العلاقات الأميركية-الإيرانية، سينا طوسي، إلى تقدير نشرته "قناة أمنية "إسرائيلية" بارزة" على تطبيق تلغرام، مشيرًا إلى أهميته كونه صادرًا عن "محللين مخضرمين ومسؤولين سابقين". ويتحدث طوسي عن قناة "أخبار العالم 301" العبرية، التي تعرّف عن نفسها بأنها تضم فريقًا من الخبراء، من مستشرقين وضباط مخابرات وعناصر أمنية ومراسلين عسكريين ومتخصصين في شؤون العالم العربي.

ويتوقف التقدير عند تباين المقاربات بين واشنطن وتل أبيب، معتبرًا أن هناك افتراقًا بين المصلحتين في منطقة غرب آسيا. فبينما "تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق قدر من الاستقرار في دول مثل لبنان وسورية، وحتّى في الضفّة الغربية وقطاع غزّة… تفضّل "إسرائيل" إعادة الشرق الأوسط، ولو جزئيًا، إلى حالته الطائفية والمفككة". 

وفي حين أكدت القناة العبرية وجود توافق "إسرائيلي" على أهمية "مساعدة الشعب الإيراني على إسقاط النظام"، شددت في المقابل على أن آلية تقديم هذه المساعدة تستوجب نقاشًا معمقًا، نظرًا للتداعيات المحتملة للدعم المباشر. ويطرح التقدير العبري سؤالًا محوريًا: "ما هي النتائج التي قد تترتب على تدخل "إسرائيلي" مباشر في دولة بعيدة مثل إيران؟".

ويفنّد التقدير جملة من المخاوف، التي ينبغي التوقف عندها:

أولًا، مسألة البديل، إذ لا يمكن الجزم بمن سيخلف النظام الإسلامي، ولا ما إذا كان هذا البديل مناسبًا لـ"إسرائيل" والغرب على حد سواء.

ثانيًا، حساسية الشخصية الإيرانية تجاه قيام قوة أجنبية بإسقاط حكومة وتنصيب بديل مدعوم منها.

ثالثًا، عجز "إسرائيل" عن إقامة نظام دمية تابع لها في بلد معقّد وبعيد جغرافيًا مثل إيران، أو عن دعمه عند الحاجة.

ويخلص التقدير إلى سلسلة توصيات تشدد على ضرورة امتناع الكيان "الإسرائيلي" عن التدخل المباشر في ما تشهده إيران، "لأن ذلك قد يُفسَّر من قبل من يعتبرونها عدوًا على أنه دليل على وقوفها خلف الاحتجاجات وقيادتها لها"، الأمر الذي يفقدها أي مقبولية داخلية. وفي المقابل، يدعو التقدير إلى اعتماد دعم غير مباشر عبر تسليح التحركات، وتمويلها، وتوفير غطاء إعلامي لها.

ثم يذهب التقدير للقول: "لعقود، حرص نظام الملالي على تسليح وبناء جيوش إرهابية حولنا لتدميرنا، والآن حان دور "إسرائيل" لترد بالمثل وتفعل الشيء نفسه ضدّ نظام الملالي القاتل، ولدى "إسرائيل" الوسائل للقيام بذلك من دون أن تُلطّخ اسمها… حتّى لو شاركت في أي ضربة قد توجهها واشنطن من خلف الكواليس".
ويعكس هذا التقدير، بما تضمنه من توصيات، ما يصفه طوسي بـ"الوجهة "الإسرائيلية" العقلانية" كما يراها الإسرائيليون. وعلى القناة نفسها، تُنشر بكثافة مقاطع فيديو لملثمين في شوارع إيرانية، تتخللها مشاهد تخريب وحرق، وأخرى توثق تجهيز زجاجات المولوتوف، مرفقة بتعليقات تمجّد شعارات ردّدها بعض المخربين تأييدًا لرضا بهلوي.

في المحصلة، تُدار الفوضى في إيران عبر توزيع أدوار محسوب بدقة: واشنطن تتصدر المشهد بخطاب تهديدي صاخب يقوده ترامب، المهووس باستعراض أدوار البطولة، وهو يكرّر أخطاءه وأسلافه في حساباتهم تجاه إيران. فيما تلتزم تل أبيب واجهة "التحفّظ" لتفادي إحراق أوراقها مبكرًا، من دون أن تغيب فعليًا عن مسرح الأحداث. فالدعم لا يُقدَّم مباشرة، بل يُمرَّر عبر القنوات الخلفية للاستثمار في الفوضى من دون تحمّل كلفتها السياسية، لتبدو "تل أبيب" وكأنها تستفيد من عبر فشل عدوان الأيام الاثني عشر، بتشخيص واحد من أبرز عوامل فشلها وهو الالتحام الداخلي الذي عززه توحش العدوان ودخول نتنياهو بثقله على موجة مطالبة الإيرانيين بالخروج إلى الشوارع لإسقاط النظام.

الكلمات المفتاحية
مشاركة