مقالات
من غزّة إلى فنزويلا: كيف تعاقب الإمبراطوريات المتراجعة التضامن الشعبي
من غزّة إلى فنزويلا: كيف تعاقب الإمبراطوريات المتراجعة التضامن الشعبي وتحوّله إلى تهديد وجودي؟
لم تعد الإمبراطوريات المعاصرة تخوض صراعاتها فقط عبر الجيوش والأساطيل، بل عبر إدارة الإدراك، ومعاقبة الأخلاق، وتجريم التعاطف. في عالم ما بعد "طوفان الأقصى"، لم يعد الخطر الحقيقي على المشروع "الأميركي - الإسرائيلي" هو المقاومة المسلحة وحدها، بل التحول العميق في الوعي الشعبي العالمي، واتساع دائرة التعاطف مع الضحايا، وانكشاف منظومة القوّة بوصفها منظومة عنف عارٍ من الشرعية.
من غزّة إلى فنزويلا، ومن شوارع كوبنهاغن إلى تهديدات الاستيلاء على غرينلاند، ومن مضيق تايوان إلى "الشرق الأوسط"، يتبلور نمط واحد: الإمبراطورية المتراجعة لا تواجه أفولها بالإصلاح، بل بالفوضى المنظمة، لا تحاور التضامن، بل تعاقبه، ولا تعالج الأزمة، بل تحاول فرض أمر واقع بالقوّة، ولو على حساب النظام الدولي ذاته.
غزّة كنقطة كسر في السردية الإمبراطورية
شكّلت الإبادة الجماعية في قطاع غزّة لحظة انكشاف تاريخية. ليس لأنها كانت الأولى في سجل الاحتلال "الإسرائيلي"، بل لأنها وقعت في زمن الصورة المباشرة، والفضاء الرقمي المفتوح، ووعي أجيال لم تعد تبتلع الرواية الغربية الجاهزة. للمرة الأولى منذ عقود، انهارت صورة "إسرائيل" كضحية أخلاقية في الرأي العام العالمي، لا سيما في الغرب نفسه.
هذا التحول لم يكن تفصيلًا إعلاميًا، بل تهديدًا وجوديًا لمشروع سياسي - أمني بُني لعقود على احتكار تعريف "الضحية" و"الإرهاب" و"الدفاع عن النفس". ومن هنا، تحوّل التعاطف الشعبي مع غزّة إلى خطر إستراتيجي يجب احتواؤه، أو قمعه، أو معاقبته.
الفوضى المنظمة.. إدارة المأزق لا حلّه
في الأدبيات الأميركية، لا تُستخدم الفوضى كحالة طارئة، بل كأداة إدارة. ما نشهده اليوم هو فوضى منظمة تهدف إلى خلط الأوراق، وتوسيع ساحات الاشتباك، وتشتيت الانتباه عن مركز الأزمة: غزّة، وجرائم الحرب، وانهيار الشرعية الأخلاقية.
تبييض صورة نتنياهو ليس هدفًا بحد ذاته، بل جزء من إستراتيجية أوسع لفرض الوقائع. فحين تعجز القوّة عن إقناع العالم، تحاول إرغامه. وحين تفشل في إعادة إنتاج السردية، تنتقل إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية بالقسر: تهديد، عقوبات، ابتزاز، إسقاط حكومات، أو خلق أزمات موازية.
تحوّل الرأي العام الغربي: الخطر الذي لا تستطيع الإمبراطورية قمعه
لم تكن غزّة مجرد ساحة حرب، بل تحولت، على غير ما خطط له صانعو القرار في واشنطن و"تل أبيب"، إلى لحظة كشف تاريخية أعادت تشكيل وعي قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. وللمرة الأولى منذ عقود، لم يعد التعاطف مع "إسرائيل" مسلّمة أخلاقية في المجتمعات الغربية، بل بات موضع مساءلة علنية في الجامعات، والنقابات، والشارع، ووسائل الإعلام البديلة. هذا التحول لا يرتبط فقط بهول الجرائم المرتكبة في غزّة، بل بانكشاف البنية الخطابية التي لطالما برّرت العنف باسم "الدفاع عن النفس"، وحوّلت الاحتلال إلى مسألة إدارية، والمجازر إلى "أضرار جانبية".
في هذا السياق، لا يمكن فهم الهجوم "الأميركي-الإسرائيلي" على مظاهر التضامن مع غزّة بوصفه رد فعل انفعاليًا، بل باعتباره محاولة استباقية لاحتواء خطر بنيوي يتمثل في انتقال القضية الفلسطينية من هامش النقاش الأخلاقي إلى قلب الوعي السياسي الغربي. فالإمبراطوريات لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى فقدان الشرعية، ولا تخشى الخصوم العسكريين بقدر ما تخشى تحوّل جمهورها الداخلي إلى خصم أخلاقي. من هنا، يصبح قمع التظاهرات، وتجريم المقاطعة، وملاحقة الأكاديميين والصحافيين، جزءًا من معركة إدارة الإدراك، لا أقل أهمية من إدارة الميدان العسكري.
فنزويلا.. العقاب كنموذج
فنزويلا ليست استثناءً، بل نموذج. حافظ نيكولاس مادورو، منذ 2013، على خط هوغو شافيز المناهض للهيمنة الأميركية، والداعم الصريح للقضية الفلسطينية ولكل حركات المقاومة ضدّ الاستعمار. هذا الموقف لم يكن رمزيًا، بل سياسيًا وإستراتيجيًا، وهو ما جعله هدفًا دائمًا لمحاولات العزل والانقلاب والحصار.
فشل واشنطن في إسقاط مادورو عبر خوان غواديو، ثمّ فشلها في التشكيك بنتائج انتخابات 2024 رغم إقرار القضاء بها، أعادا إنتاج منطق العقاب. الاتهامات الجاهزة بالإرهاب والمخدرات، رغم تقارير الأمم المتحدة وإدارة مكافحة المخدرات الأميركية نفسها، ليست سوى أدوات نزع الشرعية، تمهيدًا لتدخلات أوسع.
لكن ما يجعل فنزويلا حالة مفصلية، هو تزامن استهدافها مع مواقفها الداعمة لغزّة، ومع تمدد الصين وروسيا وإيران في أميركا اللاتينية، أي في "الحظيرة الخلفية" التي كرّسها "مبدأ مونرو" منذ 1823. هنا، يصبح العقاب رسالة مزدوجة: لمن يخرج عن الهيمنة، ولمن يتضامن مع الضحية الفلسطينية.
معاقبة التعاطف.. من فنزويلا إلى الدنمارك
لم تعد العقوبات تستهدف الدول المعادية فقط، بل الدول المتعاطفة. الدنمارك، التي شهدت تحركات شعبية واسعة ضدّ الإبادة في غزّة، ودفعت باتّجاه الاعتراف بدولة فلسطين، وجدت نفسها فجأة أمام تهديدات أميركية غير مسبوقة، أبرزها تلويح ترامب بالاستيلاء على غرينلاند.
غرينلاند ليست جزيرة هامشية، بل موقع إستراتيجي في الصراع على القطب الشمالي والموارد والطريق البحري الجديد. تهديد ضمّها ليس نزوة، بل رسالة إمبراطورية صريحة: من يخرج عن الإجماع الأخلاقي الذي نرسمه، سيدفع الثمن جغرافيًا وسياديًا.
هنا تتحول الأخلاق إلى جريمة سياسية، والتضامن إلى فعل عقابي، والاحتجاج الشعبي إلى تهديد للأمن القومي الإمبراطوري.
معاقبة التعاطف لا السياسات: حين يتحول الرأي العام إلى تهديد أمني
في هذا الإطار، لا تبدو فنزويلا حالة استثنائية، بل نموذجًا متقدّمًا لسياسة جديدة تقوم على معاقبة الدول التي تخرج، ولو رمزيًا، عن الإجماع الإمبراطوري. فالعقوبات، ومحاولات نزع الشرعية، وشيطنة القيادة السياسية، لم تعد ترتبط فقط بمواقف عسكرية أو تحالفات صلبة، بل باتت تُفرض أيضًا على خلفية مواقف أخلاقية، مثل دعم غزّة، أو رفض الانخراط في خطاب تبرير الإبادة. وهنا تتقاطع فنزويلا مع دول أوروبية كالدنمارك، التي وجدت نفسها تحت ضغط غير مباشر بعد اتساع مساحة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين، وصولًا إلى تهديدات صريحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، في خطاب يعيد إنتاج منطق القوّة العارية.
ما يجري هنا ليس دفاعًا عن "النظام الدولي"، بل إعلان غير مباشر عن إفلاسه. فعندما تتحول الأخلاق إلى جريمة سياسية، والتعاطف إلى تهديد أمني، تكون الإمبراطورية قد انتقلت من مرحلة إدارة النفوذ إلى مرحلة الهلع من فقدانه. هذه السياسة لا تعبّر عن قوة فائضة، بل عن إدراك عميق بأن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية لضبط عالم يتغيّر وعيه بوتيرة أسرع من قدرة مراكز القرار على احتوائه. ومن هنا، تصبح سياسة التفتيت والإلهاء، وخلق أزمات متزامنة من غزّة إلى فنزويلا، محاولة يائسة لإعادة إنتاج الهيمنة في لحظة أفولها.
تايوان.. الفوضى على خط التماس مع الصين
في شرق آسيا، يتجلى المنطق نفسه. مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، في انتهاك صريح لمبدأ الصين الواحدة ولقرارات الأمم المتحدة، ليست دفاعًا عن "الديمقراطية"، بل استثمار في التوتر. واشنطن لا تريد حلًا في مضيق تايوان، بل أزمة دائمة تستنزف الصين، وتمنع تشكّل نظام دولي بديل.
كما في غزّة وفنزويلا، تُستخدم السيادة هنا كأداة انتقائية: تُقدّس حين تخدم الهيمنة، وتُداس حين تعيقها. وهذا ما يفتح الباب أمام عالم تحكمه قوة الأمر الواقع لا القانون الدولي.
الشرق الأوسط.. إعادة تشكيل بالقوّة
ما يحدث في فنزويلا وتايوان لا ينفصل عن الشرق الأوسط. التدخل الأميركي السافر، وانهيار المرجعيات الدولية، يشجع "إسرائيل" - المحكومة بيمين لاهوتي متطرّف - على توسيع مشروعها الإقليمي: من غزّة، إلى الضفّة، إلى لبنان وسورية ومن اليمن إلى إيران، وصولًا إلى التمركز في إقليم أرض الصومال قرب باب المندب.
الفوضى هنا ليست نتيجة، بل سياسة. تفتيت، إلهاء، استثارة الأقليات، فرض معادلات أمنية جديدة، ومحاولة إعادة رسم المنطقة وفق معايير "إسرائيلية"، لا العكس. وكلّ ذلك يجري تحت مظلة أميركية ترى في "إسرائيل" حاملة طائرات متقدمة، لا دولة تخضع للمساءلة.
أفول الإمبراطورية.. لماذا كلّ هذا العنف؟
الإمبراطوريات الواثقة لا تعاقب التعاطف، ولا تخشى الاحتجاجات، ولا تهدّد بضمّ الجزر. ما نشهده اليوم هو سلوك قوة في طور الأفول، تحاول تعويض خسارتها الأخلاقية بتصعيد مادي، وخسارتها السردية بفرض الوقائع.
لكن التاريخ يُظهر أن القوّة حين تفقد شرعيتها، تفقد قدرتها على الاستدامة. الفوضى المنظمة قد تؤجل الانهيار، لكنّها لا تمنعه. ومع كلّ عقوبة تُفرض على دولة متعاطفة، وكلّ تهديد يُطلق ضدّ شعب متضامن، تتسع الفجوة بين الإمبراطورية والعالم.
التضامن كفعل مقاومة كوني
من غزّة إلى فنزويلا، ومن كوبنهاغن إلى تايوان، يتشكّل وعي عالمي جديد: التضامن لم يعد هامشيًا، بل أصبح فعلًا سياسيًا مركزيًا، ولهذا يُعاقَب. الإمبراطوريات المتراجعة لا تخشى السلاح وحده، بل تخشى الحقيقة حين تتحول إلى وعي جماعي.
وإذا كانت سياسة التفتيت والإلهاء تهدف إلى إظهار القوّة، فإن نتيجتها الفعلية هي فضح الضعف البنيوي لنظام لم يعد قادرًا على الإقناع، فاستعاض عنه بالقسر. في هذا المعنى، لا تمثل الفوضى المنظمة ذروة الهيمنة، بل أعراض نهايتها.