لبنان
نصير الدين الطوسي كما يراه الشهيد القائد سهيل الحسيني
معهد المعارف الحكمية: قراءة كتاب "الخواجة نصير الدين الطوسي" في منظور الشهيدالقائد سهيل الحسيني
نظّم معهد المعارف الحكمية ندوة فكرية متخصصة لمناقشة كتاب "الخواجة نصير الدين الطوسي: مقاربة في شخصيته وفكره"، لمؤلفه الشهيد القائد السيد سهيل الحسيني (السيد أحمد). وقد شكّلت الندوة مساحة معرفية توقّفت عند السيرة الفكرية والعلمية لأحد أعلام الحضارة الإسلامية، مستعرضةً ملامح شخصيته المركّبة وإسهاماته العميقة في ميادين الفلسفة والعلم والفكر. وأسهم في إغناء النقاش كلٌّ من استاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية الدكتور حسين رحال، وأستاذ الفلسفة في جامعة المعارف؛ الدكتور غسان حمود، عبر قراءات تحليلية نقدية أضاءت على أبعاد الكتاب وأهميته في إعادة مقاربة فكر الخواجة الطوسي ضمن سياقه التاريخي والمعرفي.
نصير الدين الطوسي في ميزان القراءة المنهجية والنقد الفكري
قدّم الدكتور حسين رحّال مداخلة علمية معمّقة تناول فيها الكتاب واضعًا النقاش في إطاره الإنساني والفكري العام، ومشيرًا إلى الثقل المعنوي الذي يرافق مناقشة هذا العمل في ظل غياب مؤلفه، الشهيد القائد السيد سهيل الحسيني الذي حالت ظروف الحرب والاستشهاد دون حضوره، بعد مسيرة حافلة بالتضحيات في سبيل الأمة والمقاومة.
وأوضح رحّال أن الكتاب هو في الأصل رسالة ماجستير في الفلسفة الإسلامية، تحوّلت إلى عمل بحثي رصين يتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق، سواء من حيث اختيار الموضوع أو من حيث المقاربة المنهجية. فالخواجة نصير الدين الطوسي، بحسب رحّال، شخصية فكرية استثنائية لا يمكن تناولها بقراءة جزئية أو انتقائية، نظرًا لتعدّد حقول اشتغاله واتساع حضوره في الفلسفة، وعلم الكلام، والمنطق، والفلك، والرياضيات، والتاريخ، وسائر العلوم الإسلامية، حتى يكاد لا يخلو علم في عصره من بصمته.
وتوقّف عند المنهجية التي اعتمدها المؤلف، معتبرًا أنها من أبرز نقاط قوة البحث، إذ لجأ إلى مقاربة متعددة المناهج والأدوات، تقوم على التحليل التاريخي لا السرد الوصفي، وهو فارق أساس بين عمل توثيقي وعمل نقدي تحليلي. فالتحليل التاريخي، كما أشار، يقتضي فهم الوقائع في سياقاتها الفكرية والسياسية والاجتماعية، وربط النصوص بظروف إنتاجها، لا الاكتفاء بتتابع الأحداث.
كذلك، أشار إلى اعتماد المؤلف على منهج تاريخ الفكر، وهو حقل دقيق يتطلّب تمرّسًا معرفيًا عميقًا، وقدرة على قراءة الأفكار في لحظتها التاريخية، إضافة إلى حضور واضح للمنهج المقارن، وللمعرفة المتخصصة بالفلسفة وعلم الكلام، وهما مجالان معقّدان لا يمكن ولوجهما دون أدوات علمية راسخة.
ومن المحاور التي شدّت انتباه رحّال، المقارنات الفكرية الدقيقة التي أجراها المؤلف بين آراء الخواجة الطوسي وآراء كلّ من الشيخ المفيد وابن سينا. واعتبر أن هذا الجزء من الكتاب، بما ينطوي عليه من جهد تحليلي وتتبع للنصوص الأصلية، يصلح وحده ليكون رسالة جامعية مستقلة، نظرًا لما يتطلّبه من صبر ودقة ومراجعة واسعة للمصادر، ولا سيما أن فهم نصوص مركزية كـ«تجريد الاعتقاد» للطوسي، أو «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا، يفرض الإحاطة بنتاجات فكرية أخرى لهؤلاء الأعلام.
وفي سياق التحليل التاريخي، أشار رحّال إلى أن الكتاب ناقش عددًا من الإشكالات الشائعة في سيرة الطوسي، وقدّم بشأنها أدلّة علمية واضحة. من ذلك مسألة نسبته إلى الإسماعيلية، حيث أثبت المؤلف، استنادًا إلى نصوص واعترافات صريحة، انتماء الطوسي إلى المذهب الإمامي الاثني عشري. كما توقّف عند مسألة المغول وما يُروى عن إحراقهم للمكتبات وتدميرهم للتراث العلمي، مبرزًا الحجج التي تفنّد هذا التعميم، ولا سيما في ضوء الإنجازات العلمية الكبرى التي تحققت لاحقًا، وعلى رأسها مرصد مراغة ومكتبته الضخمة التي ضمّت مئات آلاف الكتب.
وربط رحّال هذا التشويه التاريخي بخلفيات عقائدية ومذهبية، لا سيما بعد تشيّع بعض قادة المغول، وما رافق ذلك من حملات فكرية صوّرتهم بوصفهم شياطين التاريخ، متجاهلة إنجازاتهم العلمية والحضارية.
أما على المستوى الفكري العميق، فقد أكّد أن من أهم ما أنجزه الخواجة نصير الدين الطوسي كما أبرز الكتاب إدخاله المنهج الفلسفي إلى علم الكلام الشيعي، في خطوة نوعية شكّلت درعًا فكريًا في مواجهة موجات التشكيك والزندقة التي رافقت حركة الترجمة والاحتكاك الثقافي الواسع في العصر العباسي. واعتبر أن الجمع بين الفلسفة والكلام يمثّل إنجازًا معرفيًا كبيرًا؛ لأنه يقتضي القدرة على الربط بين منهجين مختلفين وصياغة رؤية توحيدية متماسكة من داخل الإسلام.
وفي امتداد هذا التحليل، دعا رحّال إلى مقاربة جديدة لدراسة الفكر الإسلامي، تقوم على تفكيك العلاقة بين السلطة والمعرفة الدينية عبر التاريخ الإسلامي، مشيرًا إلى أن السلطة كثيرًا ما سعت إلى توظيف الدين لتكريس شرعيتها وقمع المعارضة، من خلال تحريم الفلسفة والمنطق، وصناعة فقه سياسي يخدم الحاكم، وهو مسار ما زالت آثاره حاضرة في الفكر السلفي المعاصر.
وختم رحّال مداخلته بالتأكيد على أن هذا الكتاب، من حيث كثافة مادته العلمية، وتنوّع مناهجه، وعمق مقارناته، وتحليله التاريخي، يصلح مع بعض الإضافات المحدودة لأن يكون أطروحة دكتوراة متكاملة. ورأى أن الشهيد القائد السيد سهيل الحسيني جمع بين أَجرَي الجهاد والعلم، وترك أثرًا معرفيًا بالغ القيمة، مثمّنًا دور معهد المعارف الحكمية في إحياء هذا العمل وإتاحته للنقاش العلمي الرصين.
منهجية البحث ومرآة الباحث: قراءة نقدية في كتاب الخواجة نصير الدين الطوسي
بدوره قدّم الدكتور غسان حمود مداخلة، تتمحور حول البعد المنهجي للكتاب أكثر من الدخول في تفاصيله المضمونية، واضعًا النقاش في سياقه المعرفي والإنساني الأوسع. واعتبر أن أهمية هذا العمل لا تنبع فقط من موضوعه المتصل بتاريخ الفكر الكلامي والفلسفي والسياسي في الإسلام، بل من صاحبه أيضًا، الشهيد القائد السيد سهيل الحسيني الذي رأى فيه نموذجًا للعالم المجاهد، فإحياء كتابه هو في أحد أبعاده إحياء لمساره الفكري والرسالي.
وتوقّف حمود عند سؤالٍ اعتبره جوهريًا: هل نصحّح توصيف مثل هذه اللقاءات بوصفها “تكريمًا للشهداء”، أم أن الأدق هو البحث عن عناوين أخرى؟ مبيّنًا أن الشهداء من منظور إيماني قد نالوا تكريمهم الإلهي الأسمى، وأن ما نقوم به في مثل هذه المناسبات هو في حقيقته تكريم لأنفسنا، عبر استعادة القيم والمعارف والغايات التي عاشوا من أجلها واستشهدوا في سبيلها. ومن هنا، رأى أن إحياء نتاجهم الفكري، ونشر معارفهم، وصيانة أفكارهم، والتربية عليها، هو الشكل الأصدق لهذا الإحياء.
وانطلق الدكتور حمود من مقولة أساسية مفادها أن قراءة كتابٍ كتبه باحث عن شخصية تاريخية لا تعني الاطلاع على المبحوث عنه وحده، بل على الباحث نفسه أيضًا؛ إذ إن البحث في العلوم الإنسانية هو انعكاس للمبحوث عنه في مرآة وعي الباحث، بثقافته، ومنهجيته، وخلفيته الفكرية. وعلى هذا الأساس، ركّز في مداخلته على “منهجية السيد” لا على مجرد مضامين الكتاب.
وأشار إلى أن بنية الكتاب، من المقدمة إلى المتن والحواشي والخاتمة، تعكس وعيًا منهجيًا عاليًا. وتوقّف مطولًا عند المقدمة، معتبرًا أنها نموذج يمكن أن يُعتمد في تدريس طلاب الجامعات كيفية كتابة مقدمة بحث علمي رصين، من حيث تحديد الإشكالية، والسير من العام إلى الخاص، وتسويغ الأبواب، وبناء خطة منسجمة مع السؤال المركزي للبحث. ورأى أن المقدمة، وإن وُصفت بالطول النسبي، إلا أن هذا الطول كان مبرّرًا بحكم طبيعة الموضوع واتساعه، وقد أدّت وظيفتها البحثية على أكمل وجه.
أما على مستوى المنهج، فاعتبر حمود أن السيد سهيل اعتمد منهجًا وصفيًا تحليليًا استدلاليًا، ولم يكتفِ بالنقل أو السرد، بل مارس تحليلًا خاصًا، تارةً بالاستدلال المنطقي، وطورًا بالاستشهاد المدروس بالمصادر المتنوعة، متعاملًا مع النصوص كما يتعامل المجتهد مع مصادره، عائدًا إلى أمهات الكتب، وهو جهد لافت إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن البحث كُتب في مرحلة الماجستير.
وتوقّف عند التبويب، مشيرًا إلى أنه لم يكن تبويبًا شكليًا أو حسابيًا كما يقع فيه كثير من المبتدئين، بل جاء تسلسليًا، مبرّرًا، ومنسجمًا، بحيث ينتقل القارئ من باب إلى آخر دون شعور بالتكلّف أو القطيعة الفكرية. وقد أثنى كذلك، على لغة الكتاب، ومصطلحاته، وأسلوبه، وشفافيته العلمية، وترابط أفكاره، مبينًا أن متن البحث حفل بخصائص قلّما تجتمع في رسائل الماجستير، ما يجعله من حيث المستوى أقرب إلى أطروحات الدكتوراة.
وفي ما يتصل بالتعامل مع الآراء المخالفة، أكّد حمود أن المؤلف مارس نزاهة علمية عالية، فعرض آراء المخالفين، ناقشها، أيّد بعضها بالحجج أو ردّها بالحجج، دون تشويه أو تحامل أو انتقائية، وذكر أسماء كبار المخالفين كالغزالي وابن تيمية وغيرهما بموضوعية كاملة، من غير أن يُظهر موقفًا انفعاليًا أو تحيّزًا أيديولوجيًا، معتبرًا أن هذه القدرة على الفصل بين الموقف الشخصي والتحليل العلمي هي علامة قوة لا ضعف.
وتوقّف كذلك، عند كثافة المصادر والحواشي، مشيرًا إلى أن الكتاب اعتمد نحو 120 مصدرًا من أمهات الكتب، وبلغ عدد حواشيه قرابة 680 حاشية، كثير منها يتجاوز مجرد التوثيق إلى الشرح والتبيين، بما يتيح حتى للقارئ غير المتخصص فهم الإشكالات المطروحة. واعتبر أن هذا الجهد غير مألوف في رسائل الماجستير، سواء من حيث العدد أو من حيث النوع.
وفي حديثه عن الخاتمة، ميّز حمود بين أنماط الخواتيم في الأبحاث الأكاديمية، واعتبر أن خاتمة هذا الكتاب جاءت من النمط الثالث الناضج الذي لا يكتفي بتلخيص النتائج أو تكرارها، بل يبني عليها آفاقًا بحثية جديدة، كأنها مقدمة لبحث آخر. ورأى أن الخاتمة نجحت في إعادة وضع الخواجة نصير الدين الطوسي في موقعه التاريخي والمعرفي الصحيح، مدعومة بالأدلة والنصوص من مدارس فكرية متنوعة، لا من كتابات المحبّين وحدهم.
وختم الدكتور حمود مداخلته بالتأكيد على أن هذا العمل يتجاوز كونه بحث ماجستير إلى كونه مشروعًا علميًا رساليًا، يعكس شغف صاحبه بالمعرفة لا السعي إلى نيل شهادة فحسب، وأن استحضار هذا النتاج اليوم هو أحد أرقى أشكال الوفاء للشهداء العلماء، عبر استلهام أفكارهم، وسلوكهم، ومنهجهم، والسير على نهجهم في الجمع بين العلم والموقف، والفكر والمسؤولية.