اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي جنود صهاينة يسرقون 250 رأسًا من الماعز من سورية

مقالات

المعضلة الأميركية مع إيران: بين استنفاد البدائل وصمود النظام وقيود القوّة
مقالات

المعضلة الأميركية مع إيران: بين استنفاد البدائل وصمود النظام وقيود القوّة

97

لا يُدار الملف الإيراني في واشنطن بوصفه أزمة طارئة تبحث عن ردّ سريع، بل بوصفه معضلة إستراتيجية مزمنة تراكمت عناصرها على مدى عقود. فإيران، التي فشلت محاولات إسقاط نظامها أو إخضاعه أو تطويع خياراته الأساسية، لم تتراجع تحت الضغط، ولم تنكفئ عن مسارها، بل واصلت ترسيخ قدراتها وتوسيع هامش قرارها. في هذا السياق، لا يعود السؤال المركزي ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على استخدام القوّة، بل ما إذا كان استخدام هذه القوّة قادرًا على إنتاج نتيجة سياسية يمكن السيطرة على مفاعيلها. ومن هنا، يتشكّل النقاش الأميركي حول إيران في المسافة الضيقة بين استنفاد البدائل وقيود القوّة، وبين إلحاح الفعل ومخاطر ما قد يترتّب عليه.

الواقع أن الخيارات الأميركية أضيق مما تُعلن، لا على مستوى القدرات، بل على مستوى الجدوى السياسية والإستراتيجية، ولو لم يكن الأمر كذلك لكنا شهدنا عدوانا أميركيًا واسعًا على المنشآت الاقتصادية والعسكرية الإيرانية منذ أمد بعيد وتغيرت المعادلة في إيران والمنطقة.

أما الآن، في حال غياب أي حشد عسكري أميركي وازن في الشرق الأوسط، وانتقال قطع بحرية ومنظومات دفاعية إلى مسارح أخرى، يصبح إشعال حرب كبيرة مع إيران عالي الكلفة، لا ينسجم مع أولويات واشنطن الحالية. هذا لا يعني أن العمل العسكري مستبعد، لكنّه يعني أن سقفه تغيّر، وأن التفكير يدور حول ضربات محدودة، رمزية، محسوبة التأثير، أكثر مما يدور حول مواجهة مفتوحة.

غير أن تضييق الخيارات لا يُفسَّر فقط بتحركات القطع العسكرية، بل بطبيعة الهدف نفسه. فإيران ليست فنزويلا، لا من حيث بنية النظام، ولا من حيث طبيعة السلطة، ولا من حيث قابلية التفكيك السريع. التجربة الفنزويلية، على علّاتها، أظهرت أن الضغط على رأس الهرم يمكن أن يفتح ثغرات في منظومة الحكم، وأن الولاءات قد تتبدل من دون انهيار شامل. أما في الحالة الإيرانية، فالأمر مختلف جذريًا. نحن أمام نظام أيديولوجي متماسك، عابر للحدود، تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع الحرس الثوري، وأجهزة استخبارات موازية، وشبكات نفوذ إقليمية. هذه ليست طبقة حاكمة يمكن عزلها بضربة، بل بنية سلطة متشابكة يصعب تفكيكها من الخارج.

من هنا، تصبح المعضلة الأميركية-"الإسرائيلية" مزدوجة: الضربة ممكنة تقنيًا، لكن أهدافها السياسية غير مضمونة. فحتّى الضربات المصمّمة لإرسال "رسائل" -سواء استهدفت قواعد للحرس الثوري، أو منشآت صاروخية، أو مواقع ذات رمزية سيادية- لا تضمن تحقيق تحوّل داخلي لمصلحة واشنطن. بل إن مثل هذه الضربات قد تنتج أثرًا معاكسًا، عبر دفع قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة في مواجهة عدوان خارجي، وهو سلوك أثبت التاريخ الإيراني أنه متجذّر في الوعي الجمعي.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل عامل الردّ. الردّ الإيراني لم يعد عنصرًا ثانويًا في الحسابات، بل بات معطى مركزيًا في تقدير القرار. التجارب السابقة، بما فيها ما عُرف بـ"الوعد الصادق 3"، رسّخت صورة فاعل قادر على الردّ المباشر وغير المباشر، وعلى إدارة التصعيد بدرجات، وعلى المزج بين الرسالة والضبط. وهذا ما يفرض على أي مخطّط أميركي أو "إسرائيلي" سؤالًا بالغ الحساسية: هل يمكن ضمان أن يبقى الردّ تحت السقف؟ لأن أي سوء تقدير في هذا المجال قد ينقل المواجهة من ضربة محسوبة إلى سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها.

هنا، يبرز سبب أساسي لتفضيل واشنطن، طوال السنوات الماضية، أدوات الضغط غير العسكرية. العقوبات، والحصار المالي، والحرب السيبرانية، وعمليات الظل، ومحاولات تفكيك الشبكات الإقليمية، كلها لم تكن بدائل اضطرارية، بل خيارات مدروسة تهدف إلى إضعاف إيران تدريجيًا من دون فتح باب حرب قد تتوسع إقليميًا. هذا المسار يعكس قناعة بأن الاستنزاف أقل مخاطرة من الصدمة، وأن كلفة الامتناع قد تكون، في لحظات كثيرة، أقل من كلفة الفعل.

لكن الامتناع لا يعني الجمود، بل يعني إعادة تعريف الفعل نفسه. حين يُعاد طرح خيار الضربة، لا يُطرح بوصفه حربًا شاملة، بل كعمل محدود، انتقائي، محسوب الرمزية، مصمَّم لتوجيه رسالة دون المساس بما تعتبره طهران خطوطًا وجودية. ولهذا السبب، يُحذّر كثير من الخبراء من تبسيط الواقع الإيراني، أو من إسقاط نماذج جاهزة عليه. فاستهداف "رأس الهرم"، أو التعويل على انقسام داخلي سريع، أو افتراض وجود بديل قيادي موال لواشنطن جاهز، كلها رهانات ضعيفة في سياق إيراني شديد التعقيد.

ولا يقتصر القلق من تداعيات الضربة على واشنطن وحدها. فدول الجوار، ولا سيما في الخليج، إضافة إلى تركيا وباكستان، ترى في أي فوضى محتملة داخل إيران سيناريو بالغ الخطورة. تجربة "الربيع العربي" لا تزال ماثلة في الأذهان، وما خلّفته من فراغات سلطة وحروب ممتدة يجعل أي مغامرة غير محسوبة في إيران مصدر قلق إقليمي واسع، حتّى لدى حلفاء الولايات المتحدة.

في المحصلة، يتشكّل القرار الأميركي-"الإسرائيلي"  تجاه إيران في مساحة ضيقة بين دافعين متناقضين: الرغبة في الضغط والإضعاف من جهة، والخشية من الردّ والتداعيات غير القابلة للضبط من جهة أخرى. هذا التوازن الهش هو ما يفسر لماذا تبقى الضربة ممكنة نظريًا، لكن القيادة متردّدة، ولماذا تُفضَّل الرسائل المحدودة على الحروب المفتوحة، والبدائل الرمادية على المواجهة المباشرة.

الخطر الحقيقي في هذا المشهد لا يكمن في غياب القرار، بل في وهم السيطرة الكاملة على نتائجه. فحين يُبنى أي خيار على ثقة زائدة بفهم سقف الخصم، يصبح الخطأ في التقدير كافيًا لكسر هذا السقف، ونقل المنطقة من إدارة أزمة إلى مسار تصعيد مفتوح. عندها، لا تعود المشكلة في ضيق الخيارات الأميركية، بل في أن الخيار الذي جرى اختياره قد يكون الأسوأ بين كلّ البدائل.

رغم كلّ ما تقدّم، فإن فشل إسقاط النظام الإيراني طوال العقود الماضية، والعجز عن إخضاعه أو تطويع قراراته، وعدم إحداث تحوّل جذري في خياراته الإستراتيجية، إلى جانب استمرار تصاعد قدراته العسكرية وثباته على مبادئه، كلّها عوامل تجعل من استهداف إيران -بمختلف الوسائل، في الداخل ومن الخارج- ضرورة قائمة وأكثر إلحاحًا في نظر خصومها. ويزداد هذا الإلحاح في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومع استنفادٍ متراكم للخيارات البديلة الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل احتمال الضربة المدروسة قائمًا، بل ومرجّحًا في لحظات معيّنة.

في المقابل، فإن محدودية الجدوى المتوقّعة من هذا الاستهداف، ورسوخ النظام واستناده إلى قاعدة شعبية واسعة وصلبة، وتوافر إرادة سياسية واضحة لديه للردّ على اعتداءات الخارج، فضلًا عن قدرات عسكرية أثبتت حرب الاثني عشر يومًا أنها لا يُستهان بها، تجعل هذا الاحتمال مشروطًا بكابحٍ حاسم: ألّا تتحوّل الضربة من أداة ضغط محسوبة إلى شرارة مسار تصعيد لا يمكن ضبطه. فهنا، لا تكون المعضلة في اتّخاذ القرار، بل في ضمان أن يبقى ما بعد القرار ضمن حدود يمكن التحكم بها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة