مقالات مختارة
حسن حيدر - صحيفة الأخبار
تُمثّل العلاقات الإيرانية - الأميركية واحداً من أعقد الملفات الجيوسياسية في العصر الحديث؛ فهي علاقة لم تبدأ بالعداء، بل باختراق ناعم تحوّل تدريجيّاً إلى هيمنة مباشرة، قبل أن ينتهي إلى قطيعة استراتيجية شاملة. لكن فهم الواقع الإيراني الراهن، وحدود القدرة الأميركية على التأثير فيه، يقتضي العودة إلى نقطة التأسيس الأولى، حين تحوّلت طهران من عاصمة لدولة «محايدة»، إلى ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ الدولي.
بدأ الدخول الأميركي الفعلي إلى إيران من بوابة الحرب العالمية الثانية؛ فرغم إعلان الأخيرة الحياد وقتذاك، إلا أن موقعها الجغرافي الحيوي الرابط بين الاتحاد السوفياتي والخليج والهند، فضلاً عن ثروتها النفطية، جعلاها هدفاً مباشراً للقوى الكبرى. وفي أيلول/ سبتمبر 1941، اجتاحت القوات البريطانية، إيران من الجنوب، ودخلتها القوات السوفياتية من الشمال، ليُجبر رضا شاه بهلوي على التنازل عن عرشه لصالح ابنه محمد رضا بهلوي.
على أن هذا الغزو لم يكن معزولاً عن خيارات رضا شاه السياسية؛ فقد أظهر الرجل، في أثناء ثلاثينيات القرن الماضي، ميولاً واضحة نحو ألمانيا النازية، سواء من حيث الإعجاب بنموذج الدولة المركزية القوية، أو عبر توسيع الحضور الاقتصادي والتقني الألماني في إيران، وذلك في محاولة للتحرّر من الهيمنة البريطانية - السوفياتية التقليدية. لكن التوجّه الآنف، أثار قلق لندن وموسكو، اللتين اعتبرتاه تهديداً استراتيجيّاً مباشراً، ما وفّر غطاءً سياسيّاً لإقصاء رضا شاه، وفتح الباب أمام إعادة هندسة السلطة في إيران.
أما ذروة خرق السيادة الإيرانية، فقد سُجّلت في نهاية عام 1943، عندما انعقدت قمّة طهران الثلاثية التي جمعت كلّاً من الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، من دون علم الشاه الشاب أو مشاركته الفعلية، ما اضطرّه إلى التوجّه إلى مقرّ السفارة السوفياتية للقاء القادة. ولم يكن ذلك تفصيلاً بروتوكوليّاً، بل كان إعلاناً صريحاً بأن إيران لم تَعُد دولة ذات سيادة كاملة، بل تحوّلت إلى ساحة قرار دولي. وفي هذا المؤتمر تحديداً، انطلق النفوذ الأميركي الحقيقي؛ فبدأت الولايات المتحدة تحلّ تدريجيّاً محلّ بريطانيا، تحت شعار «حماية إيران من التمدُّد السوفياتي».
هكذا، ومع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، تمدَّد النفوذ الأميركي بهدوء داخل مفاصل الدولة الإيرانية، وأصبحت واشنطن المموّل الرئيس للجيش الإيراني، والمشرف غير المباشر على الأجهزة الأمنية، والشريك الاقتصادي المتقدّم في مشاريع البنية التحتية، في حين تحوّل محمد رضا شاه إلى «بيدق» في الاستراتيجية الأميركية للحرب الباردة، في مقابل ضمان بقائه في السلطة. غير أن هذا التوازن المصلحي اهتزّ مع صعود مشروع وطني مستقلّ، مثّل تحدّياً مباشراً لهذه الهيمنة.
ففي عام 1951، أَقدم رئيس الوزراء الإيراني، محمد مصدق، على تأميم النفط الإيراني، منهياً عقوداً من السيطرة البريطانية على مقدّرات البلاد. لكن عجز لندن عن احتواء القرار منفردةً، اضطرّها إلى اللجوء إلى واشنطن للمساعدة، فكانت عملية «أجاكس» بالتعاون بين «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية ونظيرتها البريطانية، في آب/ أغسطس 1953، التي أطاحت حكومة مصدق المنتخبة ديموقراطياً، وأعقبتها محاكمة الرجل عسكريّاً وفرض الإقامة الجبرية عليه في قرية أحمد أباد غرب طهران. وبذلك، أعادت واشنطن تثبيت الشاه حاكماً مطلقاً، منهيةً أيّ مسار ديموقراطي مستقلّ في إيران.
كان هذا الانقلاب بمثابة الخطيئة في مسار العلاقات الثنائية؛ إذ تحوّلت الولايات المتحدة بَعده في الوجدان الإيراني من قوّة داعمة إلى قوة استعمارية مستعدّة لإسقاط أيّ قيادة وطنية إذا تعارضت سياساتها مع مصالحها. ومع ذلك، أصبحت إيران، بين عامَي 1953 و1979، قاعدة متقدّمة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط، وركيزة أساسية في مواجهة الاتحاد السوفياتي، أكبر مشترٍ للسلاح الأميركي من خارج حلف «الناتو»، إضافة إلى كونها دولة أمنية بامتياز يَحكمها جهاز الاستخبارات الخاص بها، «السافاك».
وقد كان من شأن هذا الدعم غير المشروط، أن عمّق الفجوة بين حكم الشاه والمجتمع، وراكم غضباً شعبيّاً انفجر مع الثورة الإسلامية في شباط/ فبراير 1979. وبعد سقوط الشاه، حاولت واشنطن استعادة نفوذها بوسائل مختلفة، مراهِنة على ليونة في الموقف الإيراني، قبل أن توجَّه الصفعة الأولى إليها عبر احتلال السفارة الأميركية في طهران وما تلاها من فشل عملية «مخالب النسر» أو ما يعرف بواقعة «طبس»، والتي هدفت إلى تحرير الرهائن الأميركيين في نيسان/ أبريل 1980. بعدها، جاء الدعم الأميركي الواسع للعراق في أثناء الحرب العراقية - الإيرانية (1980–1988)، وذلك عبر المعلومات الاستخبارية والغطاء السياسي، مع غضّ الطرف عن استخدام الأسلحة الكيميائية من قِبَل النظام البعثي. لكن هذا الدعم، أسهم في نتيجة عكسية، معزّزاً تماسك النظام الإيراني، ودافعاً إيّاه نحو بناء قدرات اكتفاء ذاتي عسكرية واستراتيجية.
إثر ذلك، لجأت الولايات المتحدة إلى العقوبات الاقتصادية، والحرب النفسية، ودعم النزعات الانفصالية؛ إلّا أن هذه الأدوات فشلت هي الأخرى في تحقيق الهدف المركزي المتمثّل في إسقاط النظام؛ وهو ما لاقته أيضاً جميع المحاولات التي بُذلت في الاتجاه نفسه، والتي دائماً ما اصطدمت بعوائق كثيرة، لعلّ أبرزها ما يلي:
أولها، أن النظام الإيراني لا يزال يمتلك كتلة شعبية صلبة مصحوبة ببنية عسكرية عقائدية. إذ، وخلافاً لعهد الشاه الذي اعتمد على جيش كلاسيكي ولاؤه للفرد، تمتلك إيران، اليوم، بنية عسكرية متجذّرة تتمثّل في «الحرس الثوري» والجيش و«الباسيج»، وهي ليست مجرّد أدوات أمنية وعسكرية، بل شبكات اجتماعية واقتصادية ممتدّة في مختلف المحافظات، ما يجعل أيّ انقلاب داخلي أو تدخّل عسكري محدود، مغامرة غير محسوبة العواقب.
ثانيها، ما يوصف بالوعي الشعبي وعقدة التدخّل الخارجي؛ إذ إن المواطن الإيراني، حتى وإنْ كان معارضاً للسياسات الاقتصادية، يمتلك وعياً تاريخيّاً متراكماً، وهو يراقب ما جرى في أوكرانيا وفنزويلا، ويرى كيف تحوّلت شعارات الديموقراطية إلى أدوات لنهب الثروات وتفكيك الدول. ولذا، ترفض شريحة واسعة من المجتمع التدخّل الخارجي تحت أيّ ظرف، وتفصّل بوضوح بين المطالبة بالإصلاح الداخلي ورفض الهيمنة الأجنبية.
ثالثها، أوراق القوّة الإقليمية والصاروخية، والتي تُعتبر عاملاً رادعاً بوجه محاولات إسقاط النظام. ففي حين كانت إيران دولة معزولة عام 1953، فهي تمتلك اليوم نفوذاً إقليميّاً وقدرة صاروخية حوّلت القواعد الأميركية في المنطقة إلى أهداف محتملة، وأسقطت عمليّاً حواجز المساس بإسرائيل (عبر عملية «الوعد الصادق 1 و2»).
رابعها، أن الرهان الأميركي على الضغط المعيشي عبر العقوبات - على واقعيته -، لم يتحوّل إلى أداة إسقاط؛ ذلك أن الشارع الإيراني يوجّه غضبه نحو الفساد الإداري، وسوء الإدارة، مقتنعاً في الوقت نفسه بأن العقوبات الأميركية تشكّل عاملاً رئيساً في تعقيد الأزمات الاقتصادية، وهو ما يمنع تحويل احتجاجاته المطلبية إلى ثورة ملوّنة قد تستثمر فيها واشنطن.
هكذا، انتقلت طهران من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة فرض قواعد الاشتباك. وبين مؤتمر طهران 1943، وانقلاب مصدق 1953، وفشل الضغوط القصوى والتهديد العسكري حالياً، يتأكّد أن كلفة التدخُّل باتت أعلى من أيّ مكسب محتمل، وأن تكرار سيناريو «أجاكس» لم يَعُد سوى وهم سياسي في مخيال واشنطن.