خاص العهد
في لحظةٍ مفصلية تتقاطع التحوّلات الدولية مع الحسابات الإقليمية، تقف قوات سورية الديمقراطية أمام أخطر اختبار سياسي وعسكري منذ بروزها شرق الفرات. فإشارات الانكفاء الأميركي، وضغوط دمشق المتصاعدة، والفيتو التركي الصريح على أي صيغة حكم ذاتي؛ كلها عوامل تعيد رسم المشهد من حولها، وتدفعها إلى مراجعة خطابها وخياراتها على وقع معادلة "سورية الواحدة".
وبين طموحٍ مؤجَّل باللامركزية، وواقعٍ يفرض الاندماج بشروط قاسية تلوّح بها السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع (أبي محمد الجولاني)، تبدو "قسد" محاصَرة بوقتٍ سياسي ضيّق، تتداخل فيه المفاوضات الهشّة مع احتمالات التصعيد، في ملفّ مفتوح على تسويات مُرّة أو انفجارات أكثر مرارة.
مراد: تبدّل المقاربة الأميركية بعد طوفان الأقصى وسقوط النظام السابق
في هذا السياق، قدّم المختص في الشؤون الأميركية علي مراد لموقع "العهد" الإخباري قراءة تحليلية للتحوّل الحاصل في المقاربة الأميركية تجاه سورية والمنطقة، موضحًا أن ما يجري اليوم مع قوات سورية الديمقراطية هو نتيجة طبيعية لتبدّل الأولويات الأميركية بعد تطورات كبرى شهدها الإقليم.
يرى مراد أن السياسة الأميركية تجاه المنطقة تغيّرت جذريًا بعد حرب «الطوفان» وسقوط النظام السابق في سورية، ما أدّى إلى تراجع الأسباب التي كانت تدفع واشنطن إلى التمسك بالورقة الكردية في شمال شرق البلاد. ويشير إلى أن الأشهر الماضية حملت مؤشرات واضحة على توجّه إدارة دونالد ترامب نحو تحسين العلاقات الأميركية–التركية، في إطار إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
ويستشهد بلقاءات سياسية بارزة، من بينها لقاء ترامب مع بنيامين نتنياهو عام 2025، حيث طُرحت خلاله ملفات تتصل بسورية، وتحديدًا الخلاف التركي–"الإسرائيلي" حولها، مع إشارة ترامب إلى استعداده للوساطة بين الطرفين.
بحسب مراد، فإن السلوك الأميركي داخل سورية بات قائمًا على تفاهمات عملية مع تركيا، وعلى مقاربة جديدة تنظر إلى سورية من خلال شخص أحمد الشرع. فالولايات المتحدة، بعد رفع العقوبات عنه وعن الدولة السورية، قدّمت دعمًا مشروطًا يرتكز على ضمانات أساسية، في مقدّمها: مكافحة ما تصنّفه واشنطن "إرهابًا"، منع عودة إيران إلى الساحة السورية، وقف أي مسار يسمح بتمرير السلاح إلى المقاومة في لبنان عبر الأراضي السورية.
ويوضح أن أنقرة تعتبر اليوم أن استثمارها الأهم في سورية هو نظام أحمد الشرع، ما دفع واشنطن إلى إجراء عملية موازنة دقيقة بين التمسك بالورقة الكردية وبين الحفاظ على العلاقة الإستراتيجية مع تركيا. فالإضرار بالعلاقة مع أنقرة، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، لا ينعكس فقط على الملف السوري، بل يمتد إلى ملفات دولية أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا، حيث تلعب تركيا دورًا محوريًا. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تتجه حاليًا نحو بناء نظام إقليمي جديد، يكون فيه دور محوري لكل من "إسرائيل" وتركيا والسعودية، ما جعل الملف الكردي عبئًا زائدًا يمكن الاستغناء عنه.
كذلك يرى أن التخلي الأميركي عن «قسد» تجلّى عمليًا عبر السماح – أو التغاضي – عن الهجوم الذي نفذته قوات أحمد الشرع للسيطرة على مناطق كانت تحت نفوذها. هذا التصعيد العسكري استُخدم، بحسب تعبيره، كأداة ضغط لإجبار الأكراد على القبول بالاندماج.
ويؤكد أن اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 بين الشرع و"قسد" لم يكن جديدًا، بل كان متعثرًا بسبب مماطلة قيادة «قسد» برئاسة مظلوم عبدي في تنفيذه. ومع انتهاء المهلة التي منحتها أنقرة مطلع العام، وتسارع الضغوط التركية المدعومة بتفاهمات أميركية، جرى تفعيل الخيار العسكري لإفهام «قسد» أن مرحلة المناورة انتهت، وأن الاندماج بات المسار الوحيد المتاح.
يخلص علي مراد إلى أن ما يجري ليس تحوّلًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار تراكمي أعاد فيه الأميركي ترتيب أوراقه وفق مصالحه الإقليمية، حتى لو كان الثمن التخلي عن حلفاء سابقين. وفي هذا السياق، تبدو "قسد" الخاسر الأبرز في معادلة جديدة عنوانها: أولوية تركيا والنظام الإقليمي الجديد على حساب الورقة الكردية.
حمية: ملف "قسد".. مدخل أوروبي لا سوري
بدوره، برى الخبير في الشؤون الإستراتيجية الدكتور علي حمية أن القضية لا تتعلّق بسورية بحد ذاتها، بل بأوروبا أولًا وأخيرًا. فالولايات المتحدة، وفق تحليله، تستخدم ورقة «قسد» ضمن منظومة ضغط أوسع على أوروبا، في سياق صراعها معها على ملفات إستراتيجية أبرزها غرينلاند.
ومن هذا المنطلق، يفسّر حمية التخفيف الأميركي المؤقّت للضغط عن تركيا، رغم كونها خصمًا مباشرًا لأوروبا، عبر "إراحة أنقرة" مرحليًا بتنحية ملف "قسد"، بعد سنوات من الاستثمار الأميركي في الورقة الكردية لموازنة النفوذ التركي. ويؤكد أن هذا التحوّل لا يعني تبدّلًا إستراتيجيًا دائمًا، بل خطوة تكتيكية مرتبطة بالحاجة الأميركية إلى توظيف تركيا كأداة ضغط على أوروبا، لا أكثر.
ينتقل حمية إلى مرحلة ما بعد السيطرة على سورية، معتبرًا أن ما جرى لم يكن انتقالًا للحكم، بل إعادة توزيعٍ للسيطرة والنفوذ. فالاتفاق الذي جرى بحسب توصيفه كان بين الولايات المتحدة وتركيا و"إسرائيل"، ومع السلطة الانتقالية في دمشق، على قاعدة أن تبقى الأراضي سوريّة من حيث السيادة الشكلية، مقابل وصاية تركية فعلية على الشمال السوري وصولًا إلى تخوم الموصل، دون حكمٍ مباشر.
في المقابل، يشير إلى أن "إسرائيل" استفادت تباعًا من هذا الترتيب، عبر تثبيت سيطرتها على الجولان بشقّيه الشرقي والغربي، وصولًا إلى جبل حرمون، فضلًا عن استباحةٍ واسعة لجنوب سورية، ما يجعل الحديث عن تقسيمٍ هادئ، غير معلن، أقرب إلى الواقع منه إلى الفرضية.
يختم حمية بالقول إن ملف "قسد" ليس سوى تفصيل في صراع نفوذ عالمي يُعاد رسمه، مشيرًا إلى أن ملامح الصدام الدولي المقبل قد لا تنطلق من الشرق الأوسط هذه المرة، بل من شمال العالم. أما في منطقتنا، فالمشهد مفتوح على إعادة توزيع أدوار، لا على حلول نهائية، في انتظار تبدّل موازين القوى الدولية.