مقالات
بعد تسلّم العهد الجديد السلطة في لبنان، تحرّكت بعض القوى المؤيدة للنظام السوري الجديد ورئيسه أحمد الشرع دفاعًا عن الموقوفين السوريين داخل السجون اللبنانيّة، مُركزين على بعض الفئات كالإرهابيين الذين قاتلوا الجيش اللبناني وقتلوا عناصره في عبرا والبقاع وعلى الحدود اللبنانيّة - السوريّة، إضافة إلى طلب السلطات السوريّة الجديدة الإفراج عن جميع مواطنيها المسجونين في لبنان، سواء المحكومين أو الموقوفين، والذين بلغ عددهم، بحسب الباحث في الدوليّة للمعلومات، محمد شمس الدين "2600 سجين سوري في سجون لبنان". فماذا هو الواقع؟ وكيف سيكون المخرج لحلّ هذه الأزمة بين البلدين؟ وكيف سيحل وزير العدل اللبناني عادل نصار التابع لـ"الكتائب اللبنانية"، هذه الأزمة؟.
محمد شمس الدين
كأرقام، يؤكد محمد شمس الدين، الباحث في "الدوليّة للمعلومات" في اتّصال مع "العهد" الإلكتروني أنه "يوجد في سجون لبنان نحو 6200 سجين يتوزعون على عدة سجون، العدد الأكبر منهم موجود في سجن رومية (3400 سجين)، يليه سجن زحلة (650 سجينًا)، ومن ثمّ سجن القبة بطرابلس (800 سجين)، وبقية السجناء البالغ عددهم ما بين 100 إلى 200 سجين موزعون على بقية السجون في كافة الأراضي اللبنانية". ويضيف "مع الإشارة إلى أن (3540) منهم موقوفون ولم تصدر بحقهم أية أحكام حتّى اليوم، و2680 سجينًا فقط صدرت الأحكام بحقهم، ومن بين كلّ هؤلاء المسجونين يوجد 2600 سجين سوري في سجون لبنان".
عمر نشّابة
الباحث والأكاديمي المتخصّص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان، الدكتور عمر نشّابة والذي صدر له ثلاثة كتب عن سجون لبنان، هي "سجن رومية، إن حكى"، و"ذاك المكان"، و"دليل تفتيش السجون"، وردًا على سؤال حول سرّ تعثّر المفاوضات حيال موضوع السجناء السوريين في لبنان، وسبب تمسّك لبنان بالسجناء الجنائيين أو بالموقوفين في ظلّ الزحمة داخل السجون، يقول: "لا أعتقد أن المفاوضات تعثّرت بالكامل، هناك مساعِ للبحث عن الحلول المناسبة والإطار القانوني المناسب، ولبنان لا يتمسك بالسجناء الجنائيين أو الموقوفين، لكنّه يريد حلحلة القضية بمسار سليم وعادل ومُنصف، لذا لا يمكن تسليم أشخاص لم تتم محاكمتهم لأن هناك حقوقًا للأشخاص المُدّعين أو المُتضررين، أو ممن يُشتبه أنهم ارتكبوا جرائم ما، وبالتالي علينا الانتظار حتّى صدور الحكم لأنه يوجد أمر جوهريّ وأساسيّ وهو حقوق الضحايا، وحق الضحايا جزء أساس من المحاكمة العادلة".
السجناء السياسيون!
وماذا عن السجناء السياسيين السوريين؟ وهل صحيح أن عددهم يبلغ مئتي سجين؟ يُشدد نشابة على أنه "لا يوجد سجناء سياسيون سوريون في لبنان، بل لا يوجد أصلًا سجناء سياسيون. والسجين السياسي يكون عادة موقوفًا إداريًا. ونحن ليس لدينا موقوفون إداريون، لكن لدينا موقوفون بموجب قرار قضائي، وإذا كان هناك أيّ اعتراض على قرار إيقافهم فثمة طرق للطعن بالقرار. وضمن تسلسل الإجراءات القضائيّة يمكن القيام بما يلزم لتحقيق العدالة. لكن لا سجناء سياسيين في لبنان".
عن سبب غياب ممثل للجيش عن الوفد إلى سورية للبحث في مسألة السجناء، يتابع نشابة: "لستُ متأكدًا من عدد المتهمين أو من عدد المُدانين بقتل عناصر من الجيش اللبناني، لكن هناك عدد كبير من المتهمين بالتحريض على الجيش، وهذه جريمة يُعاقب عليها القانون اللبناني. ويعود عدم مشاركة وزير الدفاع اللبناني ضمن الوفد إلى سورية إلى أن الجيش ليس الجهة المسؤولة عن مقاضاة أو سجن من حرّض على الجيش. لذا لا جدوى من مشاركة وفد عسكري، فهذا من اختصاص المسار الدبلوماسي".
حقيقة التعذيب
ما هي حقيقة التعذيب الذي يتعرّض له السجناء السوريون فقط دون غيرهم؟ يُشدد نشّابة على عدم صحة ما يُقال. لكنّه لا ينفي "الموضوع كليًّا". "نعم كان هناك حالات من التعذيب قام بها رتباء من قوى الأمن. والتعذيب هو جريمة في لبنان، لكن لا يوجد سلوك مُنظم لتعذيب السجناء السوريين دون غيرهم"، لكن لمَاذا يحظى السجناء السوريون في لبنان باهتمام إقليميّ كبير اليوم، خاصّة بعد تغيّر النظام في سورية؟ يقول نشّابة "أنا لا أعرف لماذا يتم الحديث عنهم وكأنهم أسرى لدى العدو، وأرى أنه يجب التركيز على دولة العدل والإنصاف والقانون، وإيجاد الإطار المسؤول للتعامل معهم، وليس كدعاية سياسيّة".
صفقة؟
هل ثمة صفقة لإخراج هؤلاء مقابل دعم السجون اللبنانيّة ماديًّا. يُجيب نشّابة "لا علم لي بصفقة لإخراج هؤلاء مقابل دعم السجون اللبنانيّة، لكن إذا تم الاتفاق على تقليل عدد السجناء السوريين من السجون اللبنانيّة، والبالغ عددهم 2600 سجين، وهم بمعظمهم ليسوا بمحكومين، وتم الاتفاق على إكمال محكوميّتهم في بلادهم فهذا سيُحسّن وضع السجون لأن مشكلة السجن الأساس في لبنان هي الاكتظاظ، إضافة إلى البنى التحتيّة المُنهكة مع غياب الطبابة وانعدام الاختصاصيين داخل السجون. فإذا تم حلّ مشكلة الاكتظاظ ستُحل المشكلة".
إصلاح القضاء
ونظرًا لاهتمام الباحث الجنائي عمر نشّابة الشديد بموضوع السجون اللبنانيّة، يؤكد أن "كل شيء يبدأ بإصلاح القضاء وبوضع جدول وخطة زمنيّة واضحة وشاملة لإصلاح القضاء على مدى 5 سنوات أو 10 سنوات ووضع خطة مرحليّة للإصلاح، ليكون القضاء مُستقلا ومُمَكننًا، لأن القضاء في لبنان ليس مُمَكننًا حتّى اليوم، إضافة إلى النقص بعدد القضاة، والنقص بالمستلزمات وبخدمات الحد الأدنى للقضاة، وبالموارد الأساسيّة إضافة إلى الحاجة إلى توسعة النَظارات وتنظيفها وتطويرها، والنقص بالتقنيات، إضافة إلى الخلل بعدد المُساعدين القضائيين، وتدني الرواتب وغياب الحقوق الأساسيّة للعاملين داخل قصور العدل".
ختامًا
ويبقى السؤال: ما هو شكل ونوع الضغط الذي سيقع على السلطات اللبنانيّة؟ ومِن قِبل مَنْ لإخراج السجناء السوريين سواء الإرهابيين أو الجنائيين؟ وهل سيكون وزير العدل المؤيد لحزب "الكتائب" اللبنانيّة هو الذي سيُوقع على إطلاق سراح من قاتل الجيش اللبناني؟.