مقالات
كاتب من مصر
من المفارقات اللافتة أن يتم اعتبار استئناف حزب الله للمقاومة المشروعة للعدوان الصهيوني اليومي ذريعةً للحرب، وألا يتم اعتبار الانتهاكات والاغتيالات والجرائم اليومية ذريعةً لاستئناف المقاومة!
وقد انبرى حزب الله لمقاومة العدوان الصهيوني بعد صبرٍ استراتيجيٍ طويل، ليضرب المثل في المصداقية السياسية في حالة الصبر وفي حالة استئناف المقاومة على حد سواء.
وتتمثل المصداقية في الصبر في أن الحزب أثبت أنه محتفظٌ بقوته وبإرادة القتال، وأن توقفه كان احتراماً للدولة وللإجماع الوطني والمصلحة الجماعية، وليس عن ضعفٍ أو هزيمةٍ كما روجت الأبواق الصهيونية وتوهم العدو.
كما تتمثل المصداقية في استئناف المقاومة على مستويين: أولهما الوعد الصادق بأن المقاومة لن تترك السلاح وميدان الجهاد مهما بلغت الضغوط وبلغ الحصار طالما هناك عدوانٌ واحتلالٌ ومساسٌ بالسيادة، وثانيهما الحفاظ على المصلحة الوطنية وعدم العمل في أطرٍ غير مشروعة، حيث أوضح الحزب وعلى لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة تأتي في سياق القانون الدولي والإنساني وتحت سقف الدولة والاتفاقات الوطنية ممثلةً في الطائف، بل وفي إطار خطاب القسم والتكليف لكل من الرئيس ورئيس الوزراء.
وقبل الخوض في دلالات استئناف المقاومة ردها ومنافعها الاستراتيجية ينبغي رصد حقيقتين هامتين:
الأولى: وهي أن العدوان الصهيوني كان مبيتاً، وهو ما ذكره الشيخ نعيم قاسم في خطابه، حيث يكشف الرد غير المتناسب الصهيوني، والذي تمثل في حربٍ حقيقيةٍ رداً على صليةٍ صاروخية، أن خطط العدوان كانت جاهزةً وبنك الأهداف كان معداً. ويكفي دليلاً أن الكيان استدعى أكثر من مائة ألف جندي قبل ساعاتٍ من العدوان، وأن التقارير الصهيونية كشفت عن مداولات جلسة مجلس الوزراء ومناقشة هجومٍ استباقيٍ صهيونيٍ على لبنان.
الثانية: أن استئناف المقاومة ليس إسناداً لإيران، وإنما للرد على العدوان والانتهاك الصهيوني، وهو لمصلحة لبنان بالدرجة الأولى، حيث لم تطلب إيران القوية إسناداً ولا تتطلب ظروف المعركة والصمود والثبات الإيراني أي تدخلٍ من جبهات المقاومة. كما أن هناك حرباً معلنةً بالأساس على لبنان واحتلالاً لأرضه يتطلبان مقاومة، وبالتالي فليس هناك أي شبهاتٍ أن المقاومة تحارب في معركةٍ أخرى.
إلا أن أولى عمليات المقاومة حملت بنداً للثأر لدماء القائد الشهيد الخامنئي كالتزامٍ أخلاقيٍ وعقيدي، وعرفاناً أيضاً بدوره الكبير في دعم مقاومة لبنان، وهو بالتالي لا يخرج عن نطاق المصلحة اللبنانية.
وبشكلٍ عام فإن المقاومة الإسلامية لا تناور ولا تخجل من إعلان حقيقة وأهداف عملياتها. فقد أعلنت من قبل معركة الإسناد لغزة، وهي ذات صلةٍ وثيقةٍ أيضاً بأمن لبنان. ولو تطلب الأمر إسناداً لإيران فإن المقاومة لن تخجل من الإعلان عن ذلك، وسيكون ذلك أيضاً في إطارٍ وطني، لأن انتصار أميركا و"إسرائيل" في هذه المعركة سيعجل بابتلاع لبنان واحتلاله، وبالتالي فإن انتصار إيران هو انتصارٌ للبنان وكامل المنطقة.
وبشأن دلالات استئناف المقاومة ومنافعها الاستراتيجية للبنان يمكن باختصار تناول العناوين الراهنة:
1- جهوزية المقاومة وسقوط أكذوبة الهزيمة
بمجرد إعلان المقاومة استئنافها لعملياتها فإن أكذوبة الضعف والهزيمة تسقط، لأن المقاومة أوضحت كثيراً أن صمتها وصبرها هو احترامٌ للدولة وللاتفاقيات، وأنه ترك مساحةً للجهات المسؤولة في لبنان للقيام بواجبها، وليس ناجماً عن ضعفٍ أو انهيارٍ للقدرات، وهو ما أثبتته المقاومة عملياً بعملياتٍ قويةٍ في العمق الصهيوني ومعدلٍ عملياتيٍ كبيرٍ يفصح عن قدرةٍ تنظيميةٍ وتعبويةٍ كبيرة.
ولا شك أن هذا الاستئناف له قيمةٌ استراتيجيةٌ كبرى في عرقلة مشروع العدو، والذي أفصحت تقاريره عن المفاجأة من مستوى عمليات المقاومة، وهو ما يصب استراتيجياً في الصالح اللبناني.
2- الحرص على الوحدة الوطنية رغم الطعنات في ظهر المقاومة
فقد واجهت المقاومة الخطاب المعادي لها والتشريعات بتجريم عملها المقاوم بيدٍ ممدودةٍ للإجماع الوطني وخطابٍ متصالحٍ لفتح صفحاتٍ جديدة، ولم تضع عملها المقاوم في سياق المروق عن الدولة رغم الخطيئة التي ارتكبتها، وإنما مدت يدها للوحدة حول مقاومة الحرب التي تستهدف سيادة لبنان وكرامته.
ولا شك أن هذا السلوك المسؤول من المقاومة له قيمةٌ استراتيجيةٌ كبرى في قطع الطريق على الوقيعة التي يدفع تجاهها العدو الأميركي والصهيوني بين المقاومة والجيش والشعب، والتي يريد العدو منها حرف الصراع الرئيسي بين لبنان والكيان إلى صراعاتٍ فرعيةٍ بين المكونات اللبنانية لاستنزافها.
3- تشتيت العدو وعرقلة تغوله بالمنطقة
حيث تعرقل عمليات المقاومة خطط العدو للانفراد بالجبهات جبهةً تلو الأخرى لتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى". وتقوم خطط العدو على تغيير النظام في إيران كرأسٍ للمحور المقاوم ثم الالتفات لتصفية جميع جبهات المقاومة، وسعى لعدم فتح أكثر من جبهة. وكما كشف الأمين العام الشيخ نعيم قاسم أن هناك رسائل قبل الحرب أرسلت للحزب لاستطلاع موقفه حال نشوب الحرب مع إيران، وهو ما يشي بحرص العدو على التفرغ لكل جبهةٍ على حدة.
وبالتالي فإن دخول الحزب للمعركة يعرقل هذه الخطط ويحمي لبنان من الانفراد به إذا ما تُرك العدو في أريحيةٍ في حربه مع إيران.
وهنا لا بد من التفريق بين مفهوم التشتيت ومفهوم الإسناد، حيث التشتيت مصلحةٌ عامةٌ لإضعاف العدو ومصلحةٌ لبنانيةٌ بالدرجة الأولى، بينما الإسناد كمفهومٍ عام يمكن أن يحدث لصالح طرفٍ آخر بما يضر بمصلحة لبنان إن لم تكن المصلحة مرتبطةً ومتشابكة.
والخلاصة أن حزب الله يقوم بواجبه التاريخي المقاوم والتزامه الذي قطعه على نفسه برفض الذلة ومقاومة المستكبرين، وهو يعمل في إطارٍ شرعيٍ دينيٍ وقانونيٍ ووطني، ويمد اليد للإجماع الوطني رغم الخطايا المرتكبة من جانب بعض المكونات بما فيها قراراتٌ حكومية. إلا أن المصلحة العامة والتي يحرص الحزب منذ نشأته عليها اقتضت تحمّل ما لا يمكن احتماله والسير بخطى شجاعةٍ وحكيمةٍ في مسار الكرامة والعزة. وكما يمضي في الحرب المفتوحة إلى نهايتها يحرص أيضاً على صيانة الوحدة الوطنية لأقصى وآخر مدياتها كنموذجٍ مقاومٍ فريدٍ قلّ نظيره.