اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

شهادة قائد الأمة الامام السيد علي الخامنئي
المقال التالي المخاطر الاستراتيجية لعدم الرد: الأمن والمستقبل والوجود

نقاط على الحروف

سيادة الدولة بين التسليم لمنطق الهيمنة أو خيار الصمود والمواجهة.. لبنان إلى أين!؟
نقاط على الحروف

سيادة الدولة بين التسليم لمنطق الهيمنة أو خيار الصمود والمواجهة.. لبنان إلى أين!؟

104

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

إنها الحرب المفتوحة. مفتوحةٌ في أبعادها الوجودية بما ترسمه التطوّرات الميدانية بأدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، وما تسفر عنه نتائجها الميدانية من تهديدٍ لديمومة الكيان اللبناني وهويته ودائرته الجغرافية، ومفتوحةٌ أيضاً في اتجاهاتها الخارجية والداخلية وتقاطع الأهداف بين قوةٍ أميركيةٍ غاشمةٍ تهدف إلى الهيمنة على العالم كلّه تدعم كياناً صهيونياً طفيلياً يغذّي طموحاته التوسعية بنبوءاتٍ تلمودية، وبين أطرافٍ تدّعي السيادة فيما هي مدجّنةٌ على التبعية العمياء والارتهان الدوغمائي لثقافةٍ وإرادةٍ غربية، حتى لو كان ذلك على حساب سلخ انتمائهم القومي واستلاب هويتهم الوطنية.

مواجهةٌ شاملةٌ تتهدّد لبنان ذات أهدافٍ تستبطن المعنى الحقيقي للإبادة وتنفتح في أساليبها وأدواتها على مجموعةٍ من الاتجاهات التي لا تمتّ إلى السيادية بصلة، بل تمعن في تمزيق الوطن وتفتيته إلى أشلاء بذرائع وعناوين قديمة - جديدة، ولكن الطارئ الحديث فيها أنها تنطلق اليوم بزخمٍ كاملٍ متعدّد الجهات بالاعتماد على مستجداتٍ ظرفيةٍ فرضها الجموح الهمايوني للسيطرة على العالم الذي يعبّر عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من نافذة ما يسمى "الشرق الأوسط"، وشريكه في الإرهاب الدولي بنيامين نتنياهو الذي يحلم بتكريس نفسه ملكاً على "إسرائيل الكبرى" من نافذة ابتلاع لبنان كمقدّمةٍ للتوسّع والسيطرة على المنطقة تنفيذاً للمشروع التلمودي وصولاً إلى إرساء حدود دولته المزعومة الممتدة من الفرات إلى النيل.

يجري هذا، اليوم، بدون تمويهٍ أو أقنعة، بل بتصريحاتٍ ومواقف وممارساتٍ سافرةٍ على مرأى ومسمع حكام وأنظمة الدول العربية والإسلامية، وهم بلا حولٍ ولا قوة، وكأن على رؤوسهم الطير. بل إنهم تجاوزوا حدّ الموات لينخرطوا في دعم وتمويل هذا المشروع حتى لو جاء على حساب دولهم وشعوبهم. وهذا قد يفسّر أحد احتمالين: إما أنهم في الأصل كانوا وما يزالون شركاء أصيلين في رسم فصول ما يجري، أو أنهم قد استسلموا لواقعهم المهزوم ويطمعون بمكافأتهم على أداء دور المطيّة مقابل الحفاظ على مواقعهم، حتى لو كانت كراسيّهم ومواقعهم هذه مصنّفةً تحت خانة ولاةٍ أو أمراء مقاطعاتٍ تابعة. ولا يبعد أن يكون الاحتمالان الاثنان واردين في تفسير المسألة.

لطالما شكّل لبنان، من موقعه الجيوسياسي في قلب المنطقة وكونه امتداداً طبيعياً لسورية وفلسطين وتموضعه على سواحل البحر الأبيض المتوسط، محطَّ أنظار ما يُسمّى القوى الكبرى، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتقل العالم إلى طورٍ متقدّمٍ في معادلة توزيع المغانم بين الدول المنتصرة على حساب الدول المهزومة. ومثّل هدفاً مباشراً للمشروع الصهيوني الذي فشل في ترجمة أهدافه على الأرض منذ خمسينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا نتيجة المقاومات التي واجهته والمعادلات الدولية التي فرضتها التوازنات العسكرية والسياسية. ولكن الخطر الوجودي على الكيان اللبناني يتجدّد اليوم بكل ثقله العسكري والسياسي مع حلف ترامب - نتنياهو الرامي إلى غزو العالم، ويتجلّى ذلك في الحرب الثلاثية الأضلاع التي يشنّها هذا الحلف على فلسطين ولبنان وإيران بشكلٍ مباشرٍ تحت مظلّةٍ دينيةٍ صهيومسيحيةٍ تهدف إلى القضاء على الوجود الإسلامي الشيعي والسنّي على حد سواء.

أحبطت المقاومة الإسلامية في حرب أيلول 2024 مقدّمات هذا المشروع في ملحمةٍ أسطوريةٍ لم يستطع فيها العدو الصهيوني تحقيق أي تقدّمٍ على الأرض اللبنانية، لينتقل المشروع في خطواته اللاحقة إلى الخاصرة الرخوة في سورية، ومن ثم تبعها العدوان على إيران في حرب الـ12 يوماً في حزيران 2025. وحين فشل حلف ترامب - نتنياهو في إسقاط إيران أعاد لملمة أطراف مشروعه في عملية خداعٍ ارتدت ثوب التفاوض ليستأنف الحرب من جديد ضد إيران في حربٍ شاملةٍ لا عودة فيها إلى الوراء. ولكن هذه المرّة ليس بخيارٍ أميركي - إسرائيلي بقدر ما هو قرارٌ اتخذته الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالذهاب إلى آخر الطريق، خصوصاً بعد استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي (قدّس سرّه).

إذاً هي حربٌ بين مشروعين لا يلتقيان ولا يتقاطعان، وباتت تتخذ طابعاً وجودياً. ولبنان حاضرٌ في هذه الحرب ليس فقط لارتباط المقاومة بإيران في الأبعاد الدينية والعقائدية والنظرة الإسلامية إلى المشروع الصهيوني وخلفياته التلمودية وأهدافه التوسعية، بل لأن لبنان أصبح واقعاً في قلب العاصفة ويمثّل البوابة التي تفتح لحلف ترامب - نتنياهو المجال لتحقيق مشروعه الأكبر. وقد سعى العدو طوال 15 شهراً من توقف حرب أيلول العدوانية على لبنان لإنجاز ما لم يستطع تحقيقه بالنار من خلال اعتماد مجموعةٍ من الخطوات التي رأى أنها تسهم في الضغط على المقاومة وتقييد حركتها وصولاً إلى نزع سلاحها بما يجعل لبنان فاقداً لمقوّمات الصمود والمواجهة، وأهمها:

إسقاط السيادة اللبنانية بأكثر من 10 آلاف خرقٍ لوقف "العمليات العدائية" عبر ارتكاب اعتداءاتٍ يوميةٍ في البر والجو والبحر بالقصف والغارات، على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

اغتيال المدنيين وكوادر المقاومة بغارات الطائرات المسيّرة والأخرى الحربية، حتى تجاوز عدد الشهداء الـ500 شهيدٍ فضلاً عن مئات الجرحى والمباني المدمّرة.

إنشاء نقاط تمركزٍ عسكريةٍ عند الحدود اللبنانية تمارس اعتداءاتها المستمرة بحق اللبنانيين العائدين إلى قراهم ومنعهم من ترميم وإعادة بناء منازلهم المدمّرة وجني محاصيلهم الزراعية، مع الاحتفاظ بحق "التوغل السريع" وممارسة الاعتداءات كيفما وحينما شاء.

تدمير شريطٍ كاملٍ من القرى الحدودية من خلال عمليات توغّلٍ وتفجير، وهو ما لم يستطع العدو تحقيقه خلال حرب الـ66 يوماً، مقدّمةً لتحويله إلى أرضٍ خاليةٍ ومحروقةٍ في شريطٍ فاصلٍ أو "حزامٍ أمنيٍ جغرافيٍ وبشري" لضمان أمن مستوطناته في شمال فلسطين المحتلة.

الضغط السياسي بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر عبر الإدارة الأميركية على الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرار الخطيئة الوطنية بحظر سلاح المقاومة بذريعة "حصرية السلاح"، وهو ما تجاوبت معه قيادة المقاومة على مدى 15 شهراً حرصاً على الاستقرار والأمن في الداخل، وتعاونت مع قيادة الجيش اللبناني في تنفيذه في مناطق جنوبي الليطاني وفق نص الاتفاق.

إسقاط ما سمّي بلجنة الميكانيزم المولجة مراقبة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، وهو ما التزمت به قيادة المقاومة حرفياً وميدانياً بعكس العدو الذي أمعن في خروقاته دون وازعٍ أو رادع، وبغطاءٍ مباشرٍ من إدارة ترامب.

في ضوء ما سبق، ومع إقدام العدو على تجميع قواته وجنوده عند الحدود، كان من الواضح وجود مخطّطٍ قادمٍ يستهدف توسيع دائرة المناطق المحتلة في الجنوب دون الاكتفاء بشريطٍ عازل، بل الاندفاع إلى تنفيذ عدوانٍ بريٍّ لن يتوقف عند حدود جنوبي الليطاني، وهو ما كشفته لاحقاً معلوماتٌ وتسريباتٌ بثتها وسائل إعلام العدو، ما استدعى تحركاً ميدانياً من المقاومة الإسلامية تمثّل بإطلاق صواريخها باتجاه أهدافٍ إسرائيليةٍ داخل فلسطين المحتلة.

وهنا وقعت الحكومة اللبنانية في خطيئتها التالية بإعلان حظر سلاح المقاومة واعتباره خارجاً على القانون، مع العلم بأن ما ارتكبته "إسرائيل" من عدوانٍ بعد الطلقة الصاروخية ليس ردّاً وإنما هو عدوانٌ مُجهَّزٌ له، وهو جزءٌ لا يتجزأ من مشروع "إسرائيل" للبنان كما قال الأمين العام لحزب الله حجة الإسلام والمسلمين سماحة الشيخ نعيم قاسم.

لقد أسقطت الطلقة الصاروخية للمقاومة الإسلامية ما تبقّى من أوراق التوت التي كانت الحكومة وسياديو عوكر يحاولون التستّر بها دون أن تخفي عوراتهم السياسية. وبدلاً من أن تتصدى الحكومة اللبنانية لإدانة العدوان "الإسرائيلي" - الأميركي وتبحث عن سبل المواجهة، اتّجهت إلى المقاومة لتكمل خطيئتها وتتماهى مع المطالب "الإسرائيلية".

ولم يعد هناك من وهمٍ في أن المقاومة -حتى مع عدم وجود تكافؤٍ في القوى- قادرةٌ على الفعل، في وقتٍ انزوى الجميع في قوقعة التسليم بالهزيمة والطاعة للسيّد الأميركي. وما المواجهات البطولية التي يخوضها المجاهدون ضد قوات الاحتلال عند الحدود اللبنانية -الفلسطينية إلا دليل على هذه القدرة. وبذلك تثبت المعادلة: طالما أن الاحتلال موجود فالمقاومة وسلاحها حقٌ مشروع، وهو ليس مورد سجالٍ من أحد.

وكما أكد سماحة الشيخ قاسم فإن مواجهة حزب الله والمقاومة للعدوان "الإسرائيلي" - الأميركي حق دفاعٍ وجوديٍّ سيستمر حتى تحقيق الأهداف، وخيارنا أن نواجههم إلى درجة الاستماتة إلى أبعد الحدود.. ولن نستسلم.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة