اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

لبنان

لبنان

إيران في مواجهة "المؤامرة الخبيثة".. ندوة فكرية تكشف خلفيات الأحداث الأخيرة

48

نظّمت مؤسسة أوج للإنتاج الفني والإعلامي ندوة فكرية تحليلية بعنوان "ماذا حدث في إيران؟"، في توقيت بالغ الحساسية، حيث لم يعد يخفى على أحد الدور الصهيو أميركي المتمثل بالمؤامرة الخبيثة بتحريك ودعم العملاء ومثيري الشغب خلال الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران. وجاءت الندوة في سياق محاولة جادة لفهم ما جرى بعيدًا عن السرديات الجاهزة، من خلال مقاربة معمّقة تتناول البعد الأمني والاقتصادي والإعلامي للأحداث، وتضعها في إطارها الجيوسياسي الأشمل.

الندوة شكّلت منصة لعرض معطيات ميدانية وتحليلية قدّمها باحثون متخصصون، سعوا إلى الإجابة عن سؤال مركزي: ما هي خلفية الأحداث التي شهدتها إيران وكيفية فهمها في إطار صراع مركّب تتداخل فيه أدوات الداخل والخارج؟

في مداخلته الافتتاحية، قدّم الباحث الإيراني الدكتور حسين باك قراءة تاريخية لمسار الاحتجاجات في إيران، معتبرًا أن البلاد عرفت، منذ انتصار الثورة الإسلامية، موجات متقطعة من الأحداث، إلا أن كل مرحلة اتّسمت بخصوصيات مختلفة من حيث الأسباب والسياق والأدوات.

وأوضح أن أحداث عام 2009 شكّلت ذروة من حيث الحجم والاستمرارية، إذ امتدّت لأكثر من عام، فيما جاءت أحداث ما بعد وفاة مهسا أميني محمولة على عوامل مختلفة. أما الأحداث الأخيرة، فرأى أنها لا تُقاس بعدد المشاركين أو مدّة التحركات، بل بطبيعتها المختلفة، حيث برز انتقال واضح من الاحتجاج السلمي إلى العنف المنظّم.

وأكد أن هذا التحول يمثّل قطيعة نوعية مع الأنماط السابقة، ويستدعي قراءة مختلفة لطبيعة ما جرى وأدواته وأهدافه.

تحوّل الشارع إلى ساحة مواجهة

وتوقّف باك مطولًا عند مسألة العسكرة، معتبرًا أن أخطر ما ميّز الأحداث الأخيرة هو إدخال العمل المسلح المنظّم إلى المشهد الداخلي. وأشار إلى أن التحركات لم تقتصر على التظاهر أو قطع الطرق، بل شهدت عمليات إطلاق نار، وكمائن استهدفت عناصر من الشرطة وقوى التعبئة، إضافة إلى إحراق مساجد وحسينيات ومؤسسات عامة.

وأوضح أن التحقيقات أظهرت وجود مجموعات مدرّبة شاركت في هذه العمليات، بعضها يضم عناصر غير إيرانية، دخلت البلاد في فترات سابقة، ما أضفى على الأحداث طابعًا أمنيًا معقّدًا يتجاوز الاحتجاجات التقليدية. واعتبر أن هذا الواقع فرض على الدولة مقاربة مختلفة، قائمة على التعامل مع تهديد أمني لا مع حراك مطلبي فقط.

الجغرافيا كعامل حاسم في مسار الأحداث

وفي تحليله للجغرافيا، أشار باك إلى أن المحافظات الغربية لإيران، ولا سيما كرمانشاه وإيلام ولورستان، تحوّلت إلى ساحات مركزية للتصعيد. ولفت إلى أن هذه المناطق تتمتع بحساسية خاصة، نظرًا لقربها من الحدود العراقية، وتداخلها القومي، ووجود تاريخ من النشاط السياسي للأحزاب الكردية المعارضة.

وأوضح أن بعض هذه الأحزاب أعلنت، خلال ذروة الأحداث، عن تنسيق مشترك، بالتوازي مع محاولات لفتح ممرات حدودية لإدخال مسلحين من إقليم كردستان العراق ومحافظة ديالى. واعتبر أن هذه التحركات هدفت إلى خلق ضغط ميداني متواصل على الدولة، وإرباكها في مناطق ذات أهمية استراتيجية وأمنية.

توقيت بالغ الدلالة: الداخل في ظل المواجهة الخارجية

وسلّط باك الضوء على مسألة التوقيت، معتبرًا أن تزامن الأحداث الداخلية مع المواجهة العسكرية التي خاضتها إيران مع العدو "الإسرائيلي" خلال ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع. وأوضح أن بعض المناطق التي شهدت اضطرابات داخلية تقع قرب مواقع ومنصات صاروخية استراتيجية، ما يعزز فرضية السعي إلى محاولة إضعاف الجبهة الداخلية في لحظة مواجهة خارجية حساسة.

وأشار إلى أن هذا التزامن وضع إيران أمام تحدٍّ مزدوج، يتمثّل في إدارة صراع خارجي مفتوح، وفي الوقت نفسه منع انزلاق الداخل نحو فوضى شاملة.

الكلفة الإنسانية والمادية للأحداث

وفي عرضه لحصيلة الأحداث، تحدّث باك عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين مدنيين وعناصر من قوى الأمن، إضافة إلى قتلى من المسلحين، مستندًا إلى أرقام رسمية. كما أشار إلى حجم الدمار الذي طال البنية التحتية، من محطات وقود ومراكز حكومية ومصارف، فضلًا عن تضرر المدارس والمستشفيات والمساجد والحوزات الدينية.

وتوقّف عند استهداف سيارات الإسعاف، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس طبيعة المواجهة، ويهدف إلى تعطيل عمليات الإنقاذ ورفع عدد الضحايا، ما ينقل الأحداث من إطار الاحتجاج إلى إطار الصراع العنيف المركّب.

التكنولوجيا والاتصال كأدوات صراع

وفي البعد التكنولوجي، شرح باك كيف تحوّلت وسائل الاتصال الحديثة إلى عنصر حاسم في إدارة الأحداث. وأوضح أن استخدام شبكات اتصال فضائية أتاح لبعض المجموعات تجاوز الرقابة التقليدية، إلا أن الأجهزة الأمنية الإيرانية تمكّنت من رصد هذه الشبكات وتعطيلها تدريجيًا، ما أدى إلى كشف غرف عمليات وتوقيف منسقين ميدانيين.

وأشار إلى أن إدخال وسائل اتصال بديلة عبر الموانئ كشف عن وجود دعم خارجي منظّم، ما يعزز فرضية التنسيق العابر للحدود في إدارة التحركات.

الاقتصاد والعقوبات: ضغط طويل الأمد

من جهته، قدّم الدكتور علي زعيتر قراءة اقتصادية معمّقة، تناول فيها مسار العقوبات المفروضة على إيران، معتبرًا أنها تشكّل أحد أعمدة الصراع الأساسية. وأوضح أن هذه العقوبات تطوّرت من قيود تجارية ومالية إلى أدوات أكثر تعقيدًا تستهدف العملة والأسواق والثقة العامة.

وأشار إلى أن العقوبات، رغم تأثيرها الواضح على مستوى المعيشة، لم تنجح في إسقاط الدولة أو شلّ مؤسساتها، لافتًا إلى قدرة إيران على التكيّف النسبي عبر تنويع اقتصادها وتعزيز الإنتاج المحلي. واعتبر أن التقلّبات الحادة في سعر الصرف تُستخدم كأداة نفسية لتأجيج الغضب الاجتماعي أكثر مما تعكس انهيارًا اقتصاديًا.

الإعلام الأميركي وصناعة المعنى السياسي

أما الدكتور محمد حسن سويدان، فركّز على الدور الذي لعبه الإعلام الأميركي في تشكيل صورة الأحداث. واعتبر أن التغطية الإعلامية اعتمدت سردية موحّدة قدّمت ما جرى على أنه "انتفاضة شعبية شاملة"، مع تجاهل السياق الأمني والعنف المسلح.

وأوضح أن هذه السردية استهدفت الرأي العام الإيراني والجاليات في الخارج، إضافة إلى الجمهور الأميركي، في إطار بناء بيئة سياسية وإعلامية تبرّر استمرار سياسة الضغوط وربما الانتقال إلى مراحل تصعيدية لاحقة.

خلاصة مفتوحة على المرحلة المقبلة

خلصت الندوة إلى أن الأحداث الأخيرة في إيران لا يمكن فهمها بمعزل عن موقع البلاد في الصراع الإقليمي والدولي، ولا عن تداخل العوامل الداخلية والخارجية. وبين احتجاجات مطلبية، وعمل ارهابي مسلّح منظّم، وحرب اقتصادية، وحرب إعلامية ونفسية، يتشكّل مشهد معقّد يعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة.

وأكد المشاركون أن قراءة ما جرى تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار حجم التحديات التي تواجهها إيران، ودورها الإقليمي، والتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة