اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي في المسافة بين عبيد أميركا وبين "السادة عند الوليّ الفقيه"

إيران

كيف تحولت أرقام الضحايا إلى أداة جيوسياسية في الصراع حول إيران؟
إيران

كيف تحولت أرقام الضحايا إلى أداة جيوسياسية في الصراع حول إيران؟

89

لم تعد الاحتجاجات في إيران تُقرأ اليوم ضمن إطارها الداخلي فقط، بل باتت جزءًا من مشهد أوسع تتداخل فيه أدوات "الحروب الهجينة" مع حسابات الجغرافيا السياسية. في هذا السياق، تحولت أرقام الضحايا من كونها بيانات إنسانية تُستخدم لتقييم حجم الخسائر، إلى عنصر مركزي في معركة السرديات. فالأرقام لم تعد تُعرض بوصفها نتيجة للأحداث، بل أداة لإعادة تعريف طبيعة الدولة، ونزع شرعيتها، وتوفير غطاء أخلاقي وسياسي لسياسات الضغط والعزل وربما التدخل.
 
في المراحل الأولى للاحتجاجات، تصدرت المشهد روايات تتحدث عن عشرات الآلاف من القتلى، جرى تداولها على نطاق واسع في وسائل إعلام غربية ومنصات معارضة دون إسناد إلى مصادر ميدانية قابلة للتحقق. ومع مرور الوقت، تراجعت هذه الروايات تدريجيًا، بعدما عجزت عن الصمود أمام التدقيق، سواء من حيث غياب القوائم الاسمية أو تضارب الصور والسياقات. غير أن سقوط خطاب “الأرقام الفلكية” لم يُفضِ إلى مراجعة شاملة، بل جرى تعويضه بأسلوب أكثر دقة وتأثيرًا في تشكيل الرأي العام.
 
وفق البيانات الرسمية الموثقة، بلغ عدد الضحايا 3117 شخصًا. هذا الرقم، على ثقله الإنساني، يبتعد بشكل واضح عن الأرقام المضخمة التي رُوّجت سابقًا. وتشير التقارير الأمنية والقضائية إلى أن نحو 690 من هؤلاء سقطوا في سياق مواجهات شاركوا فيها باستخدام عنف مسلح أو مفرط، شمل إطلاق النار، وإلقاء مواد حارقة، ومحاولات اقتحام أو تهديد منشآت أمنية وعسكرية. في المقابل، سُجلت آلاف الإصابات بدرجات متفاوتة، وهو ما يُستخدم في التحليل الميداني للإشارة إلى اعتماد مبدأ التدرج في استخدام القوّة، لا سياسة الإيقاع بأكبر عدد ممكن من القتلى.

مع تراجع قدرة خطاب الأرقام على أداء دوره التعبوي، انتقلت الماكينة الإعلامية المعارضة إلى ما يمكن وصفه بإستراتيجية "أنسنة الحالات". تقوم هذه المقاربة على انتزاع حوادث فردية من سياقها العام وتحويلها إلى رموز جامعة. وبدلًا من مناقشة أسباب الاحتجاج أو مآلاته السياسية، جرى دفع السردية باتّجاه قصص شخصية تُبنى حول أسماء وصور، بما يحوّل الصراع من طابع سياسي عام إلى حالة ثأر مباشر مع عناصر الأمن.

هذا التحول كان له أثر ملموس في الداخل، حيث بدأت بعض الفئات تنظر إلى الاحتجاج بوصفه مواجهة شخصية لا مطلبًا عامًا، ما ساهم في تآكل المسافة بين العمل الاحتجاجي والمواجهة العنيفة، وخلق بيئة قابلة للاستقطاب الحاد.
 
برزت منطقة كهريزك جنوب طهران بوصفها إحدى أكثر النقاط توظيفًا في السردية الإعلامية. فالمشرحة الرئيسية، ذات القدرة الاستيعابية المحدودة، واجهت خلال ذروة الأحداث تدفقًا مفاجئًا لأكثر من 200 جثمان في فترة زمنية قصيرة، تعود لعناصر أمن ومدنيين وأفراد سقطوا في مواجهات مسلحة متفرقة. هذا الضغط أدى إلى تكدس مؤقت وفوضى إجرائية، استُغلت لاحقًا عبر تصوير عشوائي داخل المرفق ومحيطه.

هذه المشاهد، بعد اقتطاعها من سياقها الزمني واللوجستي، قُدمت للإيحاء بوجود “مجازر جماعية” أو عمليات إعدام ميدانية. غير أن القراءة التقنية تشير إلى أن ما جرى كان نتيجة قصور في القدرة الاستيعابية أمام حجم غير متوقع من الجثامين، لا دليلًا على سياسة قتل ممنهجة في موقع واحد.

تعتمد سردية المظلومية بشكل كبير على خلق "أيقونات" رمزية. وتُعد قضية سبهر إبراهيمي مثالًا دالًا على هذا النمط. فقد انتشر مقطع صوتي نُسب إلى والده، وجرى تقديمه كدليل على مقتل شاب برصاص قوات الأمن. لاحقًا، كشفت التحقيقات أن الصوت لا يعود للوالد، وأن تقرير الطب الشرعي أثبت أن الوفاة نتجت عن طعنات بآلة حادة في الرقبة، لا عن إصابة نارية.

ورغم ذلك، استمرت الرواية الأولى في التداول، دون تصحيح يوازي حجم انتشارها، ما يسلط الضوء على أولوية السردية الجاهزة على حساب الوقائع المتغيرة، ويعكس نمطًا متكرّرًا في إدارة الخطاب الإعلامي.

لا ينفصل هذا النهج عن إدراك عميق لطبيعة الرأي العام الغربي، الذي يتفاعل بقوة مع الصور والقصص المختزلة أكثر من تفاعله مع البيانات والتحليلات المركبة. لذلك، جرى توظيف مشاهد الجثامين والقصص الإنسانية ضمن قوالب بصرية مألوفة، سبق أن أثبتت قدرتها على تحريك التعاطف في أزمات أخرى، وإسقاطها على المشهد الإيراني بما يخدم سردية سياسية محدّدة.

يتجاوز أثر هذا المسار المجال الإعلامي ليطال التحليل السياسي وصناعة القرار. فعندما تُقدَّم الدولة بوصفها كيانًا يمارس عنفًا واسعًا ضدّ مواطنيه، تصبح سياسات العقوبات والعزل وحتّى استهداف أطراف داخلية أكثر قابلية للتسويق تحت عناوين أخلاقية. هنا، تتحول أرقام الضحايا والقصص الفردية من أدوات توصيف إلى أدوات شرعنة.

وخلاصة القول إنه لا يمكن إنكار سقوط ضحايا أو وجود مطالب حقيقية داخل المجتمع الإيراني، كما لا يمكن تجاهل الأخطاء التي قد ترافق إدارة الاحتجاجات. غير أن تسييس الأرقام، وانتقاء الوقائع، وبناء سرديات غير مكتملة، لا يسهم في فهم الأزمة أو احتوائها. بل يجعل الحقيقة نفسها ساحة صراع، تُدار وفق حسابات تتجاوز الداخل الإيراني. وبين لغة الأرقام وضجيج الدعاية، تبقى معركة الوعي هي الساحة الأكثر حسمًا في هذا الشكل الجديد من المواجهة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة