نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
جرت العادة أن يحدّد المشغّلون لا مهام عملائهم فقط، بل طريقة تفكيرهم والوجهة التي ينبغي أن يعتمدوها في مقاربة أيّ موقف أو مشهد أو حدث. شيئًا فشيئًا، تصبح هذه التعليمات نمط تفكير وشكل وجود. وقد شوهدت هذه الآلية بشكل واضح في الأفلام والمسلسلات الأميركية التي تطرح مسائل وقضايا أمنية وحربية، وكذلك على المسرح السياسي والإعلامي اللبناني. من جهة أخرى، من المعروف أنّ الذين تجمعهم صلة العبودية بجهة ما، يفترضون أنّ كلّ صلة تجمع أيّ آخرٍ بأيّ جهة، هي حكمًا صلة عبودية. وبالتالي، لا شكّ أنّ الفريق السياسي والإعلامي العامل في خدمة الأميركيين في لبنان، يعتقد بأنّ علاقة كافة الأفرقاء بالجهات الدولية والإقليمية هي كعلاقتهم بعوكر: علاقة خادم خاضع بسيّد متحكّم، علاقة متلقٍّ سلبيّ بمرسِل آمِر، علاقة "عميل" بمشغّل.
بناء على كلّ هذا، ليس من المتوقّع أن يفهم الأبواق المشهورون بالتبعية والخضوع طبيعة العلاقة التي تجمع بين المكوّن المقاوم في لبنان وبين الجمهورية الإسلامية في إيران، وليس من المتوقّع أيضًا أن يكونوا قد فهموا قول الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله أنّنا "سادة عند الوليّ الفقيه". كافة الأبواق الذين منذ يومين هبّوا وهاجوا وتسابقوا إلى الإساءة للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، يعتقدون جازمين أنّ الصلة التي تجمع المقاومين وسائر الشيعة بإيران وبولاية الفقيه هي صلة تماثل صلتهم بالأميركيين وبسائر الدول التي تملك أن توجّههم وتحرّكهم وتكيل لهم الأوامر والتعليمات وأحيانًا التوبيخ والعقاب، إذا ما أخطأوا في تنفيذ تعليمة ما، أو قصّروا في السعي لتحقيق أمر ما.
تعليمة أمس الأول كما بات واضحًا تمحورت حول وجوب مهاجمة خطاب الشيخ قاسم عبر بابين: باب تظهير العلاقة بين المقاومة وإيران كعلاقة تبعية، كتلك التي تجمعهم بالأميركي وشركائه، وباب التسويق لكذبة تقول بأن إيران لم تفعل شيئًا لحماية لبنان واللبنانيين من بطش العدوّ. أما الباب الأوّل، فقد باتت خلفياته واضحة بكلّ ما تحوي من أوهام وفرضيات مستحيلة، وأمّا الباب الثاني، ففيه من الكذب والتضليل ما يكفي لينبىء عن مدى غرق المطبلين فيه في مستنقع أكاذيبهم وأضاليلهم، فالقول بأن إيران لم تفعل شيئًا للبنان، يعني أن القائل كاذب، وبأحسن الأحوال جاهل جرى تغييب وعيه حتّى عن متابعة الأخبار العادية على مدى سنوات طوال. بعيدًا عن سرد كافة محطات العون والدعم والمساندة التي قدّمتها الجمهورية الإسلامية في إيران إلى لبنان وإلى المقاومة في لبنان، وهي محطات معروفة ومرئية جدًا، بحجم "بواخر المازوت" والمساعدات العينية خلال الحرب، وبحجم إعادة الإعمار بعد نصر تموز ٢٠٠٦، وبحجم العروض السخيّة لإنشاء محطات الكهرباء التي لم تملّ الجمهورية الإسلامية من عرضها على الدولة اللبنانية رغم خوف الأخيرة من استجابة وقبول يُغضبان عوكر، أو يكسران خاطر مبعوث أو سفير! ناهيك عن مدّ المقاومة بالسلاح وبالخبرات القتالية وبالمعونات المادية والعينية... بكلام آخر ومختصر، ما فعلته إيران من أجل لبنان ومقاومته مشهود كشمس ساطعة، وببساطة أُوعز إلى بعض الأبواق بتكرار الحديث عن غياب الشمس، والأسوأ أن هؤلاء ارتضوا على أنفسهم الكذب الصريح، من دون خجل حتّى من جمهورهم الذي لا بد لديه أعين ترى، وإن امتعضت من الرؤية!
خطاب الشيخ الأمين منذ يومين كان خطاب الوفاء والعرفان بحقّ الجمهورية التي تواجه اليوم وحشية العالم المستكبر، والتي لو شاءت مهادنة هذا العالم بالتخلي عن حركات المقاومة، لكفّ شرّه عنها وأعطاها حقّ التحكّم في لبنان والمنطقة، ووهبها على البيعة حقّ محاسبة هؤلاء الذين يسيئون إليها على المنابر والشاشات. وكان خطاب الإيمان بالحقّ وبقوّة الحقّ في مواجهة الطغيان والفرعنة، وخطاب التآخي بين أهل المقاومة وأهل "لا للذلّة ولا للخضوع" ولو اجتمع علينا كلّ طغاة الأرض. وقبل أن ينهي خطابه، تسابقت أبواق الأمركة لرشق الموقف بحجارة خضوعهم وذلّهم وسيل أكاذيبهم، فبدوا كمن يرشق بكتل من ورق بيتًا من حجارة صلبة، يهابها المستكبرون، ويعرفون أنّ أطنان المتفجرات تعجز عن اختراقه.
"زعامات" حزبية وسياسية، شخصيات إعلامية، ناشطون على منصات التواصل، جميعهم قضوا الليل ساهرين، محتارين في اختيار المفردات المسيئة والمصطلحات التضليلية فقط لتشويه صورة الوفاء الناصعة التي عبّرت عنها المقاومة في لبنان عصر أمس الأول، ولصناعة "بروباغندا" الوهم والتضليل في مواجهة الحقائق والقيم. وجميع هؤلاء، تنافسوا في ما بينهم وما زالوا لنيل رضا مشغليهم. جميعهم، بكلّ تقزّم قاماتهم الورقية، وقفوا تحت الشمس وتناوبوا على إقناع الجمهور بغيابها. يتجاوز الأمر الوقاحة والكذب والتضليل المتعمّد، ويبلغ حدّ العته حينًا، والاستغباء المدقع أحيانًا.