نقاط على الحروف
لم تكن الصليات الصاروخية المباركة التي دكت مستوطنات الشمال المحتل، وصولًا إلى عمق الكيان الغاصب، مجرد رد عسكري تقني على اعتداءات متواصلة، بل كانت بيانًا سياسيًا بالبارود والنار، أعاد صياغة المشهد اللبناني والإقليمي بعد أسابيع من الضجيج الدبلوماسي المريب. لقد توهم الكثيرون في الداخل والخارج أن موازين القوى قد مالت بغير رجعة، وأن لحظة الاستثمار في الجراح اللبنانية قد حانت لفرض شروط الاستسلام تحت مسميات الواقعية السياسية واتفاقات الضرورة، لكن المقاومة فاجأت الجميع بقدرتها الفائقة على إعادة مسك زمام الأمور والقيام بالعمليات النوعية ضد المحتل الصهيوني، ما قلب الطاولة على المقامرين والمتربصين معًا.
لقد عاش لبنان في الآونة الأخيرة حالة من الانفلات السلطوي غير المسبوق، حيث بدت الحكومة اللبنانية في حالة من التهرؤ والارتهان الكامل للإملاءات الخارجية، منساقة وراء وعود أميركية فارغة لا تهدف إلا لانتزاع تنازلات تمس جوهر السيادة الوطنية. وما يثير الريبة والذهول هو ما تكشّفَ من اعترافات لوزراء في الحكومة صرحوا علانية بأنهم كانوا على علم مسبق بوقوع هذه الحرب وبدأوا التحضير لها منذ شهرين، ما يضع علامات استفهام كبرى حول دور خلية إدارة الأزمة بتكليف مباشر من رئيس الحكومة. إن علم هؤلاء الوزراء المسبق بوقوع الكارثة دون تحذير اللبنانيين، وخاصة أهل الجنوب الصامدين، يمثل خيانة موصوفة للأمانة، وتواطؤًا بالصمت سمح للعدو بمباغتة المدنيين، بينما كانت الحكومة تنشغل إداريًا بترتيبات النزوح بدلًا من تأمين مقومات الصمود والكرامة.
كانت الهرولة نحو التوقيع على صفقات تبلل ريق الاحتلال وتجفف منابع القوة اللبنانية تجري على قدم وساق، لدرجة وصلت إلى حدود الاستسلام، وكأن السلطة السياسية قررت الانتحار الطوعي في ميدان الدبلوماسية المذلة، وسقطت سقوطًا مدويًا بعدما وعدت زيفًا بأنها ستكون الآمرة الناهية في شؤون الحرب والسلم، بينما كان وزراء فيها يتسترون على معلومات مصيرية تتعلق بوجود الناس وأمنهم، وينتظرون لحظة الانكسار الميداني لتبني السلطة عليها أجندتها الخاصة. إن هذا السلوك يثبت أن هذه الحكومة كانت تتحرك بإيحاءات خارجية، وتكتفي بمراقبة الويلات من وراء المكاتب بانتظار لحظة التوقيع على صكوك التنازل المذلة.
جاء تدخل المقاومة في هذه اللحظة التاريخية ليضع حدًا قاطعًا لهذا التداعي الرسمي وللتنازلات تلو التنازلات، وليوقف نزيف القتل الإسرائيلي والتفلت السلطوي الذي راهن على إضعاف مكامن القوة الوطنية. إن صرخة رئيس مستوطنة المطلة وتساؤلاته عن كهرباء بيروت وعجز جيشه العظيم، هي في الحقيقة شهادة حية على نجاح المقاومة في استعادة زمام المبادرة وإعادة فرض معادلات الردع التي ظن البعض أنها تلاشت. هذه العمليات لم تكسر غطرسة نتنياهو وكاتس فحسب، بل كسرت أيضًا قيد التنازلات المجانية، معيدة الاعتبار لمفهوم القوة اللبنانية كخيار وحيد للحماية، لا كسلعة للمقايضة في بازارات السفارات الغربية التي تديرها خلايا الأزمة الحكومية المشبوهة.
إن ما شهدناه من استقواء بعض اللبنانيين المنحرفين أخلاقيًا بالعدو الصهيوني والأميركي، ومحاولتهم القفز فوق تضحيات الشعب لتنفيذ رغباتهم وأجنداتهم الخاصة، يمثل ذروة الانحراف الوطني الذي لم ولن يمر أبدًا. هؤلاء الذين ظنوا أن الطائرة الأميركية أو الدبابة الصهيونية ستحمل لهم نفوذًا متجددًا، وجدوا أنفسهم اليوم أمام حقيقة مرة؛ وهي أن من يراهن على الخارج يسقط بسقوط هذا الخارج في وحل الميدان. إن التاريخ سيسجل بمداد من الخزي أسماء كل من تآمر أو تخاذل أو حاول طعن المقاومة في ظهرها، وسيكون هؤلاء في صفوف المتآمرين على الوطن الذين باعوا كرامتهم مقابل أوهام السلطة والارتهان المذل.
الرسالة اليوم واضحة لكل من يعنيه الأمر؛ فلبنان ليس ساحة مستباحة للتجارب الدبلوماسية الفاشلة، ولا هو لقمة سائغة في فم المشروع الصهيوني. المقاومة التي أعادت تنظيم صفوفها وضبطت عقارب الساعة على توقيت الميدان، قد وضعت فعليًا حدًا لسياسة التخاذل التي انتهجتها الحكومة، وأكدت أن قرار السيادة لا يوقعه الضعفاء في مكاتب السرايا، بل يسطره المقاتلون في الجبهات بدمائهم الطاهرة. إننا أمام مرحلة جديدة عنوانها أن الحقوق لا تُستجدى بل تُنتزع، وأن أي محاولة للالتفاف على إنجازات المقاومة ستصطدم بوعي شعبي وجاهزية عسكرية لا تقبل المساومة، ليبقى لبنان عزيزًا حرًا ومنيعًا بوجه كل المؤامرات.