عين على العدو
قال مراسل صحيفة "إسرائيل هيوم" في المستوطنات الشمالية عيدان أفني "مرّ أكثر من عام على التوصل إلى وقف إطلاق النار مع حزب الله في الشمال، بينما يتحدث المعنيون في "إسرائيل" عن "إعادة إعمار الشمال"، مردفًا: "احتاجوا عامًا كاملًا كي يدركوا غرق "كريات شمونة" في التراجع، وما هو واضح لـ "سكان" (مستوطني) الشمال يبقى خافيًا على متّخذي القرار".
وتابع: "فجأة يتقاطر وزراء وأعضاء كنيست إلى الشمال"، مضيفًا بسخرية: "سنة انتخابات، فتذكّروا أن للجليل إصبعًا، لكن خلف الشعارات تختبئ فجوة عميقة بين ما يعتبرونه إعمارًا وبين ما يفهمه "سكان" (مستوطنو) الشمال على أنه حياة فعلية".
وأوضح أفني أن 40 % من مستوطني الشمال أجابوا في استطلاع "إسرائيل هيوم" أنهم يفكّرون في مغادرة المنطقة، معتبرًا أنه حتى لو غادر 10% فقط، فهذه ضربة قاتلة للشمال. و16 % فقط من المشاركين في الاستطلاع، يعتقدون بأن الحكومة تعمل فعلًا على إعادة الإعمار، بينما نصف المشاركين يعتقدون أنها بالكاد تعمل. وهذه المعطيات تعكس شعورًا عميقًا بالهجران، ولذلك ليس مستغربًا أن 40% يفكّرون في الرحيل.
وقال: "لا نتحدث هنا عن أزمة مؤقتة، بل عن تهديد استراتيجي لوجود الشمال نفسه"، موضحًا أن إخلاء "كريات شمونة" ومستوطنات خط المواجهة في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والذي اعتبرته الأغلبية (55%) خطوة منقذة للأرواح، ترك أثرًا عميقًا، فـ 36% من المشاركين يعتقدون بأثر رجعي أن الإخلاء أدّى إلى عدم عودة عدد كبير من المستوطنين، خاصة أنهم حصلوا على إعادة توطين على نفقة الحكومة واستقروا خارج الشمال.
وتابع أفني أن ثلث المشاركين يفضّلون الأمن الاقتصادي، إذ يريد 44 % حوافز اقتصادية للبقاء في الشمال خلال السنوات القريبة، معتبرًا أن "المعنى واضح: المشكلة ليست في توزيع الأموال، بل في ترتيب الأولويات".
وشدد على أن حكومة "إسرائيل" صرّحت أنها تخطط لاستثمار 15 مليار شيكل (4.8 مليار دولار أميركي) في إعادة إعمار الشمال. الأرقام أُطلقت في الهواء، وتبعتها الشعارات. لكن عند الغوص في عمق الأرقام يتبيّن أن معظم الأموال قد صُرفت بالفعل، أساسًا، على طرق وأرصفة، وكل ما لا يشعر به المستوطنون.
وبحسب أفني، إن 3 مليارات شيكل (960 مليون دولار أميركي) أُخذت من الميزانية لصالح "الشمال البعيد"، غير الواقع على خط المواجهة. ومن أصل 12 مليار شيكل (3.84 مليار دولار أميركي) المتبقية، صُرف 4 مليارات 1.28 (مليار دولار أميركي) بالفعل على منح قُدمت للمستوطنين كتعويض عن الإخلاء في 2025، منح مغادرة، منح عودة، وترميم مبانٍ تضررت بسبب الإهمال. والجميع نسي أن مستوطني الشمال سُمح لهم بالعودة في آذار، لكن فعليًا عاد معظمهم في الصيف.
ورأى أن الحكومة منفصلة عن الشمال، ونتائج الاستطلاع غير مفاجئة، فمستوطنو الشمال يعرفون أن محيطهم بحاجة إلى تشغيل، أماكن عمل جديدة، وتعليم. كل علل المنطقة طفت إلى السطح بعد عامين من الإخلاء، كانت معروفة أيضًا قبل ذلك، لكن صوت المستوطنين لم يكن مسموعًا، فخلال فترة الإخلاء فهموا أن السيل بلغ الزبى: "لا تماطلونا بالوعود".
وتابع: "منذ 25 عامًا يعدوننا بجامعة في الجليل. حتى قبل الحرب أُقرت، والآن أُحرز تقدّم فيها. تكلفة إنشائها، 600 مليون شيكل (320 ألف دولار أميركي)، ستأتي بالطبع من ميزانية إعادة إعمار الشمال. وكذلك ميزانيات التعليم – 1.4 مليار شيكل (448 مليون دولار أميركي) – ستُستثمر في السنوات الخمس المقبلة في منطقة الشمال. لكن في الواقع، تُوزّع هذه الميزانيات وفق عدد الطلاب وحجم المدارس. عمليًا المدارس صغيرة، وكذلك الميزانيات المخصّصة لها. والطلاب، الذين يعانون من فجوة تعليمية لعامين، سيبقون متأخرين، وعلى الأرجح سيُنسَون، كما ستُنسى الوعود بعد الانتخابات".
وخلص إلى أن "إعادة الإعمار ليست إعادة الوضع إلى ما كان عليه. إنها خلق واقع جديد. والمعطيات تُظهر بوضوح: من دون فهم عميق للاحتياجات الإنسانية والاقتصادية والإقليمية، لن يُعاد إعمار الشمال. بل سيواصل التفريغ السكاني، بهدوء، بالأرقام، وتحت غطاء خطط لا تمسّ جوهر المشكلة".