مقالات مختارة
بشار اللقيس - صحيفة "الأخبار"
إلى اليوم، لم تحظَ الثورة الإسلامية في إيران بقراءة هادئة، لا من مؤيّديها ولا من مناوئيها على حد سواء. فالمؤيّدون رفعوا التجربة إلى مصافي الأيديولوجيا العصية على الفهم تاريخيًا جاعلين منها تجربة غير تاريخية، فحرموا أنفسهم وغيرهم من أي إمكانية للاستفادة من خبرة هذه التجربة بصوابها وعثراتها. أمّا المناوئون، فقد جعلوا من الثورة الإسلامية هدفًا للتجريح، مكتفين بإحالة كلّ مشكلات المنطقة إلى إيران. يشترك في التوجّه الأخير الكثير من الطائفيين وكارهي الإسلام السياسي، فضلًا عن أيتام أنظمة النفط (وما أكثرهم)، الذين رأوا في الثورة الإسلامية منذ انطلاقتها مضادًا لأطرهم المرجعية وتصوراتهم الاستشراقية، وهو ما لا يمكن التعايش معه بالنسبة إليهم.
وللإنصاف، يُعدّ اختلاف النظر في الثورة الإسلامية تلك واحدًا من أبرز سماتها. فهي ممّا يُختلف عليه بشكل كبير. لا يعود ذلك إلى خطاب الثورة وعناوينها السياسية فحسب، بل إلى منطق الثورة نفسه والتصوّر الذي رأت الخمينية العالم من خلاله (أتمنّى أن يتحمّلني القارئ في السطور القليلة التالية).
نحن هنا بحاجة إلى الولوج إلى داخل عالم الإمام الخميني غير السياسي حتّى نتخيّل تصوّره الشامل للعالم. كلّ مطّلع على أدبيّات الإمام الخميني يعي أن الخمينية تنتمي إلى شيء من خارج النسق المعرفي للحداثة. يقوم فهم الإمام للعالم على أن هنالك حقيقة عليا وثابتة -غير مادية - يسعى المؤمن إلى الكشف عنها بالمكابدة والمجاهدة. يضع هذا المفهوم معنى مفارقًا للواقع. ثمّة مثال من خارج هذا العالم يسعَ الفرد على الدوام إلى تطويع نفسه ومحيطه ليتماهى معه. في رأيي، هذه التصوّرات بالتحديد هي ما جعلت ميشال فوكو يقول إن الثورة في إيران جعلت التفكير في العدالة والحرية من خارج المبادئ المعرفية للتنوير الأوروبي أمرًا ممكنًا.
لكن هذه التصورات بالتحديد هي ما جعلت الخمينية لحظة حدّية/ انفجارية في علاقتها مع العالم. تصوّرات الإمام لوظائف الدولة لناحية "تعمير البلاد وتكميل العباد"، كانت أقرب لمقاربات الفلاسفة المثاليين (الفارابي وفلاسفة الإشراق) في التاريخ الإسلامي منها إلى الفقهاء السلطانيين (الماوردي وفقهاء السلطة السياسية). لكن الإشكالية كانت في جسر المسافة بين الواقع والمتخيَّل وبين المثال والتجربة. وهو ما تفجّر في قلب الدولة الإيرانية ومقولاتها فور وفاة الإمام.
تشكّل لحظة وفاة الإمام الخميني واحدة من أكثر لحظات الإرباك المعرفي في تاريخ الثورة الإيرانية. فلقد تزامنت وفاة الإمام مع انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية. ماذا يعني انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية؟ يعني أن سؤال بناء الدولة والمجتمع صار مستحقًا، والأسئلة المرجأة بعيد انتصار الثورة صارت واجبة الجواب. ولئن كانت المشروعية الثورية، والشرعية الدينية العليا للإمام، قد جنّبتا التجربةَ السؤال، فإنّ أسئلة المشروعية والوجهة السياسية قد تفجّرت بوفاته. في أي طريق سنمضي؟ كان هذا السؤال الذي واجه خليفته، الإمام الخامنئي، ثمّ ما هو المثال الذي ننشده؟ ما هو تعريف الثورة الإسلامية في إيران؟ وما هو مجالها المعرفي والسياسي؟ هل الثورة الإسلامية في إيران ثورة "عالم ثالثية"؟ بمعنى أنها وريث الأفكار التحررية لعالم الجنوب عالميًا؟ أم هي ثورة إسلامية؟ أي إنها قائدة النهضة في العالم الإسلامي والمدافع عن حقوق المسلمين؟ أم ثورة شيعية؟ أم ثورة ولاية الفقيه في قلب البيئة الشيعية؟
أحدثت هذه الأسئلة إرباكًا في الإجابة وفي وجهة المؤسسات التي أنتجتها الثورة. حاول السيد الخامنئي موازنة هذه الاتّجاهات وأرجأ الحسم في ما بينها. حافظت إيران على حدود دنيا من كلّ هذه الاتّجاهات. لكن، وفي الداخل قبل الخارج، انفجرت أسئلة "ما بعد اللحظة الخمينية". "حلقة كيان" (على غرار "حلقة فيينا") التي أطلقها حسن شاهقراغي أوائل التسعينيات، والتي انضم إليها عدد من المثقفين ممن اقتحموا السفارة الأميركية سنة 1979، صارت فضاءً لإنتاج مقولات "ما بعد الإسلام السياسي". محمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سروش، لم يكونوا أعداءً للثورة فترة الإمام الخميني، لكن مقولاتهم حول التعدّدية الدينية و"الصراطات المستقيمة" صارت في عمقها مقولات مضادة للثورة وللتجربة الدينية في السياسة بعد وفاته. التيار "الإيرانشهري" نما في تلك المرحلة، والذي صار ينادي بالشخصية التاريخية لإيران وإيران الدولة أولًا وآخِرًا. وهكذا بدت إيران على مفترق طرق مؤجل انعكس على سياساتها الخارجية.
في "أوبك" كانت إيران تتصرّف كدولة لها مصالحها وتطلّعاتها. في الخارج البعيد (كما في البلقان وجنوب شرق آسيا) تصرّفت إيران كثورة إسلامية. في الخارج القريب تصرّفت إيران كمزيج بين كلّ هذه العناصر (بشكل متضارب مرّات)، الأمر الذي سهّل على خصومها النيل منها.
ومرة جديدة، كان محبّو إيران ومبغضوها غارقين في السجال وتسجيل النقاط على بعضهم البعض بعيدًا عن القراءة المتأنّية. والحقيقة أن نظرة متوازنة لإيران وثورتها، تشير إلى الكثير من المحاسن والعديد من الأخطاء. فإيران الثورة - مثلها مثل أي تجربة بشرية - تصيب وتخطئ، تتبدّل وتتحوّل، وتلك سنّة الله في الخلق وفي التاريخ. لا ينقص هذا الأمر من أهمّية التجربة وفرادتها، لكنّه يضع التجربة في سياقها التاريخي القابل للسؤال والمساءلة، وهو ما أراه اليوم أكثر من ضرورة لإيران ولشعوب منطقتنا.
إنّ تفحّصًا سريعًا لسياق الدولة والثورة في إيران سيكشف أننا أمام لحظات متفارقة لكل منهما، فتاريخ "إيران - الثورة" يختلف عن تاريخ "إيران - الدولة". يعود تاريخ الأولى إلى تصوّرات جمال الدين الأفغاني ومحمد إقبال اللاهوري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإلى ثورتي التنباك مع السيد محمد حسن الشيرازي (1890) والحركة العدلية (عدالت خانه) مع الشيخ الشهيد فضل الله النوري ومحمد حسين النائيني (1909)، ثمّ مع "فدائيان إسلام" مع نواب صفوي أواخر الأربعينيات. بينما يعود التاريخ الحديث لـ"إيران الدولة" إلى الميراث الأفشاري (هناك سؤال جدّي عند كثير من المثقفين الإيرانيين اليوم حول صوابية استعادة السياسات النادرشاهية)، وإلى الحربين الفارسية الروسية مطلع القرن التاسع عشر، وإلى الحركة الإصلاحية (فترة التنظيمات الفارسية) فترة أمير كبير (1848 - 1951)، وإلى حركة الجبهة الوطنية المعارضة لاتفاقية النفط الإيرانية الموقعة مع بريطانيا سنة 1933.
وباستثناء محمد مصدق، وبنحو أقل ثورة التنباك، قد لا نجد انعقادًا لنطفة الثورة والدولة بالنحو الذي يتصوّره كثيرون، فظلّت الثورة فضاء لخيال سياسي مفارق، ومبهم، ينعكس في سياسات الدولة وتطلّعاتها الداخلية والخارجية على نحو غير مفهوم. ولعلّ مثل هذا الأمر هو ما يقف خلف ملاحظة طارق رضوان التي ابتدأ فيها جزءَه الثاني من كتابه "إيران الوجه الآخر" بالقول: "هي دولة تعتقد للوهلة الأولى أنها تسير حسب إستراتيجية معدة سلفًا... لكن مع تتبّع الأحداث تجد عشوائية لا مثيل لها ناتجة من صراعات داخلية تهدّد بقاء الدولة نفسها، فتتصرّف بعشوائية وعصبية زائدة تُفقدها تعاطف العالم، فتصبح وحيدة في محيط من الأعداء".
مشكلات لا بد من حلها
في كتابه "لاهوت الغضب: الأسس الأيديولوجية للثورة الإسلامية في إيران"، يتوقّف المفكر الإيراني حميد دباشي عند الجذور النظرية للفكرة الثورية عام 1979. يقول دباشي إنّ أفكار جلال آل أحمد، ومرتضى مطهري، ثمّ أفكار علي شريعتي، محمود طالقاني، ومحمد حسين الطبطبائي، وتصورات مهدي بازرغان عن التحديث والاقتصاد، كلها تحشّدت وانعقدت كأيديولوجيا متماسكة في تجربة الإمام الخميني. يحيل دباشي الفكرة الإسلامية إلى ما أحالها من قبله طلال أسد. التصوّرات الإسلامية، في رأيهما، هي امتداد لتصورات الحركات القومية العالم ثالثية التي رأت في الغرب (كل الغرب) عدوًّا لها، وتطلّعت للاستقلال باعتباره ثقافة مجتمعية، وللاكتفاء الذاتي، باعتباره مؤشرًا على نجاح التجربة.
لكن هذه الحركات، وبمثل ما وقعت فيه من قبل الحركات القومية إبّان الستينيات (الديغولية نفسها وقعت بمثل هذا الأمر في فرنسا 1968)، تواجه مشكلات بنيوية في التعاطي مع التسارع في تغيّر المجتمع وثقافته، ومع ولادة "طبقة وسطى عالمية جديدة" لا تنتمي إلى فضاءات السياسة التي عهدتها الحركات الإسلامية والقومية من قبل. إنّ مثل هذه الحراكات لا تشكّل خروجًا عن المنطق السياسي الدولتي فحسب، بل هي خروج عن نسق الخيال السياسي لتصوّرات تتخيّل العالم وفق انقسامات رأسية واضحة (غرب في قبال شرق، علمانية في قبال الدين، وطنية في قبال لا وطنية)، ومقتل التجربة الإيرانية في هذه المسألة بالتحديد. لذا، سيجد المراقب لإيران وسياساتها على الدوام إجادة طهران في مواجهة التحدّيات الدولتية، وتخبّطًا في مواجهة التحدّيات غير الدولتية، والثقافة السائلة، والربيع العربي، والثورة الخضراء، وحراك "مهسا أميني"، والتي غالبًا ما تنتهي بمقاربات أمنيّة تعالج نتائج المشكلة لا جذورها.
مفترق طرق
ظلّت المزاوجة بين إيران الثورة وإيران الدولة ممكنة حتّى بداية "طوفان الأقصى". مرّة جديدة، وقد قلتها من قبل، ما بعد "طوفان الأقصى" ليس كما قبله، وتداعيات السابع من أكتوبر لن نعيها كاملة إلا بعد انقضاء عقود طوال. على كلّ حال، جاء السابع من أكتوبر ليضع إيران أمام مفترق طرق الدولة والثورة. ومرة جديدة عاد السؤال: في أي طريق ستمضي؟ الرهانات الأميركية الطويلة الأمد على "غورباتشوف إيراني" لم تصل إلى طريق. راهن الأميركيون على خاتمي من قبل، ثمّ على روحاني ومسألة الانفتاح الاقتصادي الذي من الممكن أن يُحدث صدوعًا في الداخل الإيراني، وفشلوا. في المقابل، فشل الرهان الإيراني في استيعاب الهجمة الأميركية - "الإسرائيلية" واحتوائها ما بعد السابع من أكتوبر.
وقد لا تبدو إيران مصابة بداء "ميخائيل غورباتشوف" بقدر ما هي مصابة بداء "نيفيل تشامبرلين". يُعدّ الأخير مثلًا في اجتناب الحرب إلى حد وقوع الكارثة عشية الحرب العالمية الثانية. لم يُدرك تشمبرلين، رئيس وزراء بريطانيا، خلال سفره لمقابلة أدولف هتلر في ميونيخ (في أيلول 1938) لتوقيع معاهدة السلام، أن ميونيخ كانت نهاية الطريق. وأنه بوهم صنع السلام جعل الحرب العالمية الثانية حتميّة لأن هتلر رأى التهافت على السلام دليلًا على الضعف وشاهدًا على تآكل الإرادة السياسية وقصورها عن تحمّل أوزار الصراع. لم يدرك تشامبرلين أن استرضاء العدوّ بأي ثمن هو أقرب الطرق إلى الحرب، وأن قوانين الصراع تحتّم على مَن يستخذي أن يستقوي مَن هو في مقابله (وتلك مسألة من طبائع الكون لا من طبائع الصراع فحسب).
إيران أجّلت مواجهتها مع الغرب إلى يومنا هذا، لكن المواجهة على ما يبدو باتت حتمية لا محال. قال كيسنجر من قبل في كتابه "النظام العالمي الجديد": على إيران أن تختار بين أن تكون ثورة أو أن تكون دولة. في رأيي، دقّت ساعة المفارقة، وقد تكون الحرب - على عكس المتوقّع - أمل إيران الأخير في نجاح الثورة وبقاء الدولة، وهذا أصعب ما في الأمر.