مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
ليس التصعيد "الأميركي-الإسرائيلي" المتكرّر ضدّ إيران حدثًا هامشيًا، ولا يمكن قراءته بوصفه ردّ فعل على سياسات إيرانية محدّدة أو سلوك إقليمي "عدائي" كما تُصرّ الرواية الغربية الرسمية على تقديمه. ما يجري هو جزء من إستراتيجية أعمق وأوسع، تتجاوز حدود "الشرق الأوسط" التقليدي، وتمتد من فلسطين بوصفها عقدة الصراع التاريخي، إلى قلب آسيا باعتباره مركز التحوّل في النظام الدولي الجاري تشكّله.
منذ أكثر من أربعة عقود، تقف إيران في موقع الاشتباك المفتوح مع المشروع "الأميركي-الإسرائيلي" في غرب آسيا. هذا الاشتباك لم يكن ثابتًا في أدواته، لكنّه كان ثابتًا في جوهره: منع إعادة إنتاج الهيمنة الأميركية الكاملة بعد نهاية الحرب الباردة، ومنع "إسرائيل" من التحول إلى القوّة الإقليمية الوحيدة القادرة على إعادة رسم خرائط المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
فلسطين كنقطة انكشاف
بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد فلسطين مجرّد ملف إنساني أو نزاع حدودي، بل تحوّلت إلى نقطة انكشاف بنيوية للنظام الدولي القائم. لقد أظهرت الحرب على غزّة ليس فقط وحشية القوّة "الإسرائيلية"، بل أيضًا التواطؤ البنيوي للغرب السياسي والإعلامي، حيث تلاشت كلّ ادعاءات "حقوق الإنسان" و"القانون الدولي" لحظة تعارضها مع أمن "إسرائيل" ووظيفتها.
في هذا السياق، برز الدور الإيراني لا بوصفه محركًا مباشرًا للأحداث، بل كعامل توازن إستراتيجي غير قابل للتجاهل. فالدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية، سواء عبر التمويل أو التدريب أو نقل التكنولوجيا، أعاد تعريف معادلة الردع، ووسّع كلفة الحرب "الإسرائيلية" من غزّة إلى الإقليم بأسره.
من هنا، لم يعد استهداف إيران خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة إستراتيجية من وجهة النظر "الأميركية-"الإسرائيلية".
فشل الاحتواء… والانتقال إلى المواجهة
طوال سنوات، راهنت واشنطن على إمكانية "تعديل سلوك" إيران عبر العقوبات، والعزل، والاتفاق النووي، والحرب النفسية. لكن هذا الرهان سقط عمليًا. فإيران لم تتخلّ عن برنامجها الصاروخي، ولم تنسحب من دعمها الإقليمي، ولم تفكك شبكة تحالفاتها، بل فعلت العكس تمامًا.
لقد تجاوزت إيران ما تعتبره واشنطن "خطوطًا حمراء" متعددة:
• عززت تعاونها الإستراتيجي مع روسيا، في إطار مواجهة السياسات التوسعية لحلف "الناتو".
• وقّعت اتفاق شراكة إستراتيجية طويلة الأمد مع الصين، ما وضعها في قلب "مبادرة الحزام والطريق".
• ساهمت، عبر الصين، في كسر أحد أركان السياسة الأميركية التقليدية في الخليج، من خلال المصالحة الإيرانية-السعودية.
هذه التحولات لا يمكن فصلها عن السياق الدولي الأوسع: تراجع القدرة الأميركية على فرض الإرادة السياسية بالقوّة وحدها، وصعود قوى بديلة تسعى إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.
إيران: القلب الجغرافي للصراع العالمي
في التفكير الجيوسياسي الكلاسيكي، تُعد إيران إحدى ركائز "قلب العالم" أو Heartland. فهي:
• تشكّل حلقة وصل حيوية بين شرق آسيا وغربها.
• تمثّل الممر الأكثر أمانًا للصين لتجاوز اختناق ممرات الطاقة البحرية.
• تُعدّ بوابة روسيا ودول آسيا الوسطى إلى المياه الدافئة.
لهذا، فإن إسقاط النظام في إيران لا يعني تغيير حكومة، بل:
• ضرب "مبادرة الحزام والطريق" الصينية في أحد أعمدتها الأساسية.
• تعطيل ممر الشمال-الجنوب الذي يربط روسيا بإيران والهند.
• إعادة فتح آسيا الوسطى أمام النفوذ "الأميركي-الإسرائيلي" المباشر.
بكلمات أخرى، إسقاط إيران هو شرط مسبق لإعادة إنتاج الهيمنة الأميركية عالميًا، لا إقليميًا فقط.
الحرب المؤجّلة… لا الملغاة
الحرب "الأميركية-"الإسرائيلية"" التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025، واستمرت 12 يومًا، لم تكن سوى نموذج أولي لما يُراد لإيران. فمحاولات اغتيال العلماء، واستهداف قادة الصف الأول في الحرس الثوري، وضرب البنية التحتية للسكك الحديدية، لم تكن عمليات تكتيكية، بل جزءًا من إستراتيجية تفكيك الدولة من الداخل.
لكن فشل هذه المحاولة كشف حقيقة أساسية:
أن إسقاط إيران بالقوّة المباشرة مكلف، وخطير، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، تشمل:
• توسيع الحرب إقليميًا.
• تسريع تشكّل تحالف دولي مضاد للغرب.
• انهيار ما تبقى من النظام المالي والسياسي الدولي القائم.
لذلك، جرى الانتقال إلى مرحلة أخرى: الحرب الاقتصادية المركّبة.
تحذير مباشر ورسائل ردع إقليمية
يحمل تحذير قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد باكبور، دلالات تتجاوز الخطاب العسكري التقليدي، إذ يأتي في سياق تصاعد التوّتر الإقليمي واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. تأكيده أن القوات الإيرانية "تضع أيديها على الزناد" ويُفوض تحركها بأوامر مباشرة من المرشد الأعلى، يعكس انتقال طهران من سياسة الردع الهادئ إلى الردع العلني المشروط، في رسالة موجهة خصوصًا إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل". كما يشير حديثه عن استخلاص الدروس من حرب حزيران إلى ثقة إيرانية متزايدة بقدراتها الدفاعية والهجومية، واستعدادها لتحمل كلفة أي تصعيد جديد.
العقوبات كسلاح لإعادة هندسة المجتمع
العقوبات ليست أداة ضغط سياسية فحسب، بل وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة. الهدف ليس إسقاط النظام فورًا، بل:
• إنهاك المجتمع اقتصاديًا.
• خلق فجوة نفسية بين الناس والقيادة.
• تفكيك فكرة "الدفاع الاستباقي" التي بنتها إيران منذ عقود.
غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة غالبًا ما يتجاهلها المخطّط الغربي: أن المجتمعات الواقعة تحت الحصار الطويل لا تتصرّف دائمًا وفق الحسابات الاقتصادية البحتة، بل وفق منطق السيادة والذاكرة الجماعية.
من فلسطين إلى آسيا… إستراتيجية واحدة
ما يجمع فلسطين بإيران ليس فقط الخطاب السياسي، بل الموقع الوظيفي في منظومة الهيمنة. فكما أن فلسطين تشكّل "الاختبار الأخلاقي" للنظام الغربي، تشكّل إيران "الاختبار الجيوسياسي" لقدرة هذا النظام على الاستمرار.
إسقاط إيران يعني:
• تحييد أي دعم فعّال للمقاومة الفلسطينية.
• إعادة تأهيل "إسرائيل" كقوة إقليمية مطلقة.
• إغلاق الطريق أمام أي نظام دولي بديل.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ستُشنّ الحرب؟ بل: هل ما زال الغرب قادرًا على كسبها؟
ما بعد الهيمنة؛ التاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا تعيد الإمبراطوريات إنتاج نفسها إلى ما لا نهاية. ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين دول فقط، بل بين نموذجين للعالم:
• نموذج الهيمنة الأحادية، القائم على القوّة، والعقوبات، والحروب بالوكالة.
• ونموذج التعدد، القائم على كسر الاحتكار السياسي والاقتصادي والمعرفي.
في هذا الصراع، تتصدر إيران - بحكم دورها التاريخي الرافض للهيمنة وسجلها النضالي الطويل - واجهة هذه المعركة المصيرية، لا من قبيل الصدفة، بل لأنها تجسد إرادة السيادة والاستقلال التي تمثل حجر عثرة أمام مشاريع الهيمنة.
ومن فلسطين إلى قلب آسيا، يتحدّد اليوم مستقبل النظام الدولي، لا في المؤتمرات الدبلوماسية، بل في قدرة الشعوب والدول على كسر منطق الإخضاع، وفرض حقها في تقرير مصيرها خارج شروط الإمبراطورية.