مقالات
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
على وقع الخروقات "الإسرائيلية" الممتدة والمتواصلة، جرى الإعلان عن تشكيل لجنة "تكنوقراط" لإدارة قطاع غزّة، وقد أعلنت حركة حماس مرارًا حلّها جميع الأطر الإدارية الفاعلة في قطاع غزّة، انتظارًا لوصول اللجنة وتسليمها إدارة القطاع، وذلك حسب ما تسمّى خطة ترامب.
وقد كان الإعلان عن تشكيل اللجنة، بعد الإعلان الأميركي عن دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار حيز التنفيذ، ثمّ تلاه تفاؤلٌ مفرط وفي غير محله، عبّر عنه رئيس اللجنة المعيّن، وكما أفرط في تفاؤله، فقد أفرط في الحديث السياسي، رغم أنّ ذلك ليس من اختصاص اللجنة، حيث إنّها لجنة تنفيذية إدارية حصرًا.
وهذا التفاؤل الذي أبداه رئيس اللجنة، يدحضه أنّ أول القصيدة كفر، حيث إنّه سيجري التنسيق لأعضائها للدخول إلى قطاع غزّة، عبر معبر كرم أبو سالم، وتُشحن البضائع عبره، وليس عبر معبر رفح، حيث إنّ فتح معبر رفح هو جزء رئيسي من اتفاق وقف النار، خصوصًا مع الإعلان عن دخول المرحلة الثانية حيّز التنفيذ، وبما أنّ هذه اللجنة لا تملك قرار الرفض، أو قرار اختيار طريق الوصول لقطاع غزّة، لأنّها ليست صاحبة ولاية سياسية، فعليها تجنّب الحديث السياسي.
وكان نتنياهو قد أعلن أنّ تشكيل اللجنة حصل دون التنسيق مع "إسرائيل"، وهذا بالطبع كذبٌ بواح، حيث كان لـ"إسرائيل" "فيتو" صريح على بعض الأعضاء الذين استبعدوا من مقترحات التشكيل، ولكن هذا الكذب يأتي في إطار العرقلات المتوقعة لعمل اللجنة، الذي سيمارسه الكيان، حيث إنّ الكيان فشل في استكمال مهمته في القطاع، وهو يتحيّن الفرص لاستكمالها.
ستكون هذه اللجنة، حسب إعلانها، مسؤولة عن تسيير الشؤون المدنية داخل قطاع غزّة، أو بالأحرى خارج ما يُعرف بالخط الأصفر، بمعنى أنّها ستمارس مهامها الإدارية بعيدًا عن المناطق التي يسيطر عليها جيش العدو، وسيكون ما يُعرف بـ"مجلس السلام العالمي" الذي ينوي ترامب تشكيله، هو مرجعية هذه اللجنة.
وكل المهام المنوطة باللجنة تخضع للظروف القاهرة، وهي ظروف القرارات "الإسرائيلية"، التي ستتحكم بالمعابر وما يدخل منها كمًا ونوعًا، مع غيابٍ تام وفاضح لأدوار الوسطاء، الذين تطبّعت عقولهم مع جريمة قول "لا" لنتنياهو، فإذا وضعت اللجنة خطة تقنية للإيواء مثلًا، ورفضت "إسرائيل" إدخال الأدوات اللازمة لذلك، سيكون الفشل هو النتيجة، وقِس على ذلك كلّ الخطط الطموحة التي قد ترسمها هذه اللجنة على الورق، للقطاع الصحي والتعليمي والإعاشي وغيرها.
إنّ الكيان ليس في خططه إعادة إعمار قطاع غزّة، لإعادة تسكين الفلسطينيين، ولم يوافق على قرار إعادة الإعمار، هذا فضلًا عن الوصول للسؤال: من سيشرف على ذلك؟ فليس استبدال إدارة حماس بلجنة "تكنوقراط"، خطوة كافية لإقناع الكيان بضرورة تسهيل إعادة إعمار القطاع، وإلغاء مشاريع التهجير والاستيطان والاحتلال بشكلٍ نهائي.
وسؤالٌ آخر تثيره مرجعيات هذه اللجنة كجسمٍ موحد وكأفراد، أين الولاء ولمن؟ فهذه لجنة متعددة الموافقات، ونتيجة توافقات أميركية "إسرائيلية" مصرية قطرية تركية على الأسماء والمهام، وبالطبع مع موافقة حماس والفصائل في غزّة، ولا نعرف دور السلطة الفلسطينية في ذلك، سوى أنّ الكثير من أعضاء اللجنة هم موظفو سلطة، ويتلقون رواتبهم من السلطة الفلسطينية.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الواقع المفروض في غزّة حتّى الآن، هو سيطرة شاملة لحركة حماس، أيّ أنّ هذه اللجنة ستعمل في ظل سطوة عسكرية لحركة حماس، وذلك لحين تشكيل جهاز أمني تابع لهذه اللجنة، وتَسلُّمه مهامه الأمنية، التي ستكون بعيدة كلّ البعد عن الاحتكاك بالجسم العسكري لحركة حماس وفصائل المقاومة عمومًا، وبالتالي ما الآلية التي ستدفع "إسرائيل" للموافقة على إدخال 5 آلاف أو 10 آلاف شرطي مسلح إلى قطاع غزّة، ليس من مهامهم الاشتباك مع حماس وتجريدها من السلاح؟
كذلك هل سيُسمح لهذه اللجنة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية في رام الله، إلى حدّ أن يصبح قطاع غزّة والضفّة الغربية ذوَي قرارٍ واحد، وبالتالي تنجح هذه اللجنة بما فشل به السياسيون، من إنهاء الانقسام وإعادة اللُحمة الوطنية وتوحيد القرار السياسي، وإعادة الإعمار وإنهاء آثار المجاعة؟ من الواضح أنّ هذه مبالغات شديدة، ولكن الأكثر وضوحًا أنّ هذه اللجنة، هي عنوان لكسب الوقت لدى جميع الأطراف، لكن الجميع يحاولون إخفاء ذلك تحت ستار الجدّية والأمل.