اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي جشي زار مستشفى جبل عامل وتفقّد مراكز إيواء النازحين في صور

نقاط على الحروف

التفاوض في ظل الحرب: لا لـ١٧ أيار جديد
نقاط على الحروف

التفاوض في ظل الحرب: لا لـ١٧ أيار جديد

102

ليست المشكلة في مجرّد طرح التفاوض بحد ذاته، بل في التوقيت، وفي ميزان القوى الذي يُراد أن يُفرض فيه، وفي طبيعة البنود المسرّبة التي لا تشبه تفاوضًا بين دولتين متكافئتين، بل تشبه وثيقة إذعان تُكتب تحت النار، فيما العدو يواصل احتلاله وعدوانه وقتله وتدميره. هنا يصبح الكلام عن “مسار سياسي” أو “إعلان سياسي” أو “اتفاق دائم لعدم الاعتداء” مجرّد تغليف دبلوماسي لمسار أخطر: مسار نقل لبنان من موقع الدفاع عن سيادته إلى موقع الاعتراف بأمر واقع صاغته الحرب، وتريده أميركا و"إسرائيل" أساسًا لشرق أوسط جديد يُصفّى فيه كل ما بقي من عناصر القوة والردع والكرامة الوطنية.

ما يُطرح ليس تفاهمًا تقنيًا على وقف النار، ولا آلية مرحلية لتثبيت الاستقرار في الجنوب، بل سلّة كاملة تبدأ بالمفاوضات على مستوى كبار الدبلوماسيين، ثم تنتقل إلى مستوى القيادات السياسية العليا في باريس أو قبرص، وصولًا إلى “إعلان سياسي” خلال شهر واحد. هذا التسارع وحده كافٍ لإثارة الريبة. فمنذ متى كانت القضايا الوجودية التي تمسّ السيادة والحدود والسلاح والاعتراف بالعدو تُبتّ على عجل، وتُحشر في مهل زمنية قصيرة، إلا إذا كان المطلوب انتزاع تنازلات تحت ضغط العدوان والخوف والانهيار؟

الأخطر من ذلك أنّ البنود المسرّبة تكشف بوضوح طبيعة المشروع الحقيقي. هناك حديث عن اعتراف لبناني أولي بـ"إسرائيل" والتزام احترام سيادتها ووحدة أراضيها، وكأنّ المشكلة كانت يومًا في اعتداء لبنان على أحد، لا في احتلال "إسرائيل" لأرضه وقتلها أبناءه وخرقها سيادته يوميًا. أي منطق هذا الذي يطلب من الضحية أن تمنح المحتل شهادة حسن سلوك، فيما لا يُشترط على المعتدي سوى إعادة انتشار جزئية، أو انسحاب متدرّج، أو البقاء في مواقع محتلة إلى حين استكمال الشروط السياسية والأمنية المفروضة على لبنان؟

ثم يأتي بند إعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، بالتوازي مع انسحاب "إسرائيلي" خلال شهر من المناطق التي سيطر عليها العدو منذ بداية الحرب الحالية. في الظاهر يبدو البند متوازنًا، لكنّ جوهره شديد الخطورة، لأنّه يربط انتشار الجيش اللبناني، وهو جيش الوطن، بمسار نزع سلاح المقاومة، ويحوّل المؤسسة العسكرية إلى أداة تنفيذ في مشروع دولي - "إسرائيلي"، بدل أن تكون قوة حماية للسيادة في مواجهة الاحتلال. هكذا يُراد للجيش أن يتحمّل عبء الصدام الداخلي، فيما يربح العدو سياسيًا ما عجز عن فرضه عسكريًا.

أما الأخطر على الإطلاق فهو تسليم “اليونيفيل” مهمة التحقق من نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني، تحت إشراف دولي من مجلس الأمن لاستكمال العملية في بقية أنحاء لبنان. هنا تسقط كل الأقنعة. فالمسألة لم تعد تطبيقًا للقرار ١٧٠١ ولا تثبيتًا للتهدئة، بل مشروعًا متكاملًا لنزع عناصر القوة من لبنان كله، وفتح البلد على وصاية أمنية وسياسية دولية مباشرة. أي أنّ المطلوب ليس فقط تحييد الجنوب، بل إعادة تشكيل لبنان كله وفق الشروط الأميركية و"الإسرائيلية"، وتجريده من حقه الطبيعي في المقاومة والردع.

ثم يُطرح توقيع اتفاق دائم بعدم الاعتداء، على أن تنسحب "إسرائيل" بعده من خمسة مواقع تحتلها منذ تشرين الثاني ٢٠٢٤. حتى هذا الانسحاب لا يُقدَّم بصفته واجبًا قانونيًا على قوة احتلال، بل مكافأة مشروطة على حسن سلوك لبنان السياسي والأمني. كأنّ المحتل صار صاحب حق، وصار على لبنان أن يدفع أثمانًا سيادية كي يستعيد جزءًا من أرضه. وهذه وحدها فضيحة سياسية وأخلاقية وقانونية كاملة.

الأشد خطورة أنّه يُقال إنّ الحكومة اللبنانية وافقت على هذه الخطة كأساس لمحادثات السلام، تحت عنوان القلق من تجدّد الحرب. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يُعقل أن يكون الخوف من الحرب مبررًا للدخول في استسلام مقنّع؟ وهل حماية البلد تكون بتسليم أوراق قوته، أم بفرض معادلة تمنع العدو من ابتزازه؟ التجربة اللبنانية، منذ اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ إلى اليوم، علّمتنا أنّ أي تفاوض يجري في ظلّ الاحتلال والنار والضغط الخارجي لا ينتج سلامًا، بل ينتج انقسامًا داخليًا وتفريطًا وطنيًا وسقوطًا مدويًا للمشروع كله عند أول اختبار.

لهذا، ليست العبارة الأدق هي “التفاوض المحرّم” بالمعنى الإنشائي، بل التفاوض بالشروط الحالية هو المحرّم الوطني والسياسي والأخلاقي، لأنّه تفاوض على السيادة لا على التفاصيل، وعلى هوية لبنان لا على إجراء أمني عابر. إنّه تفاوض يريد من لبنان أن يعترف بمن يحتل أرضه، وأن يجرّد نفسه من عناصر قوته، وأن يسلّم قراره الداخلي للخارج، وأن يوقّع مسبقًا على رواية العدو عن نفسه وعن المنطقة.

الخيانة ليست دائمًا كلمة تُقال بفظاظة، ولا فعلًا يقع دفعة واحدة. أحيانًا تأتي الخيانة بثياب أنيقة، وبلغة دبلوماسية هادئة، وعناوين برّاقة من نوع “السلام” و“الاستقرار” و“تفادي الحرب”. لكنها تبقى خيانة عندما يكون مضمونها التخلّي عن الحق، والتوقيع على الإذعان، ومنح العدو ما لم يستطع انتزاعه بالقوة. والخيانة تأخذ أشكالًا متعددة: بالصمت، بالتبرير، بالتسويق، بالتهويل، وبمحاولة إقناع الناس بأنّ التنازل هو الواقعية الوحيدة الممكنة.

لبنان لا يحتاج إلى ١٧ أيار جديد، ولا إلى نسخة محدثة من اتفاقات الإذعان، ولا إلى طبقة سياسية تعيد إنتاج الهزيمة بلغة مختلفة. ما يحتاجه لبنان هو موقف وطني واضح يقول: لا اعتراف بالعدو تحت النار، لا تفاوض على السلاح الذي حمى البلد، لا تحويل الجيش إلى أداة صدام داخلي، لا وصاية دولية على القرار اللبناني، ولا شرعنة للاحتلال تحت أي عنوان.

من يريد سلامًا حقيقيًا، فليبدأ بإلزام "إسرائيل" بوقف عدوانها، والانسحاب من الأراضي المحتلة، ووقف خروقاتها، واحترام سيادة لبنان. أما أن يُطلب من لبنان أن يدفع وحده الفاتورة، فذلك ليس سلامًا، بل هو استسلام مكتوب بصياغة أجنبية، ومطلوب توقيعه بأيادٍ لبنانية. وهذا ما يجب أن يُرفض بوضوح كامل. لا لـ١٧ أيار جديد، لا للتفاوض تحت الإكراه، ولا لبيع السيادة تحت عنوان إنقاذ الوطن.

الكلمات المفتاحية
مشاركة