مقالات
كاتب وباحث لبناني في الشؤون العسكرية
ممّا لا شك فيه أن المنطقة مع بدء الاحتجاجات وما تبعها من عمليات تخريب في إيران دخلت مرحلة الاحتدام حيث التهديدات المتبادلة بين ترامب وإيران وصلت إلى المستوى الأعلى.
ترامب يهدّد ويتوعد ويربط تهديداته بعدم الرغبة بالحرب، وكذلك إيران التي تنفي رغبتها بالحرب لكنّها تؤكد وجود إرادة عالية لمواجهة أي عدوان عليها.
ترامب وعلى مدى أيام يكرّر تهديده بأكبر قوة أميركية تتّجه إلى إيران ويؤكد أنها أكبر بكثير من القوّة التي حاصرت فنزويلا.
إذًا واستنادًا إلى تهديد ترامب فإن حاملات الطائرات ستكون عماد القوّة التي سيُعتمد عليها لتنفيذ الضربة على إيران.
قبل الدخول بتوصيف المعركة الافتراضية حتّى اللحظة بين حاملات الطائرات الأميركية والقوّة البحرية الإيرانية لا بد من التذكير بالشروط الأميركية الأربعة التي أطلقها المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف لبدء المفاوضات مع إيران وهي:
1 - وقف كلّ أعمال التخصيب في إيران
2 - إتلاف كلّ الكميات المُخصبة من نسبة 3، 6 % إلى نسبة 60 %
3 - التخلي عن الصواريخ الباليستية التي يتجاوز مداها 200 كلم
4 - قطع العلاقة مع المقاومات ووقف الدعم لها نهائيًّا
إيران تعتبر الشروط دعوة للاستسلام ومسًّا بالسيادة الإيرانية ولا يمكن القبول بها أبدًا.
لذلك فإن الأجواء هي أجواء حرب ما لم يتراجع ترامب ويوقف تهديداته.
من المؤكد أننا نحتاج إلى مقاربة للمنازلة بين حاملات الطائرات والصواريخ الإيرانية وعلى رأسها صاروخ أبو مهدي البحري الفرط الصوتي، لكن قبل ذلك لا بدّ من التأكيد أن المواجهة لن تكون تقليدية بالنسبة لإيران التي ستعتمد على عقيدة: ( منع الوصول - A2/AD ).
ما هي هذه العقيدة؟
تُعد عقيدة منع الوصول والمنطقة المحرمة (Anti - Access/Area Denial)، والمعروفة اختصارًا بـ A2/AD، حجر الزاوية في الإستراتيجيات العسكرية الحديثة للدول التي تواجه قوى عظمى مثل إيران ضدّ أميركا.
تعتمد هذه الإستراتيجية على فكرة "عدم الدخول في مواجهة مباشرة وجهًا لوجه"، بل التركيز على جعل تكلفة دخول العدوّ إلى منطقة معينة باهظة جدًا ومستحيلة تقنيًا.
• منع الوصول (Anti - Access - A2): يهدف إلى منع القوات المعادية من دخول المسرح العملياتي من الأساس (مثلًا: منع حاملة الطائرات من عبور مضيق هرمز).
• حرمان المنطقة (Area Denial - AD): يهدف إلى تقييد حرية حركة العدوّ إذا نجح بالفعل في الدخول، ما يجعله هدفًا سهلًا ومكشوفًا.
لتحقيق هذا المنع، تعتمد الدول على "مزيج فتاك" من الأسلحة غير المتماثلة:
• الصواريخ الجوالة والباليستية: مثل صاروخ "أبو مهدي" أو "خرمشهر". الهدف هو إبقاء سفن العدوّ على بعد مئات الكيلومترات من السواحل.
• الألغام البحرية الذكية: زرع ممرات مائية ضيقة بألغام يصعب اكتشافها لشل حركة الأساطيل.
• الغواصات الصغيرة والانتحارية: صعبة الرصد وتعمل في المياه الضحلة لمهاجمة السفن الكبيرة من الأسفل.
• الطائرات المسيّرة (Drones): استخدام أسراب الدرونز لإشغال الدفاعات الجوية واستنزاف ذخائرها الغالية بصواريخ رخيصة.
• الدفاع الجوي الطبقي: مثل منظومات "باور 373" لإغلاق السماء أمام المقاتلات.
الأهداف الإستراتيجية
إلغاء التفوق التكنولوجي: حاملة الطائرات تكلف مليارات الدولارات، لكن صاروخًا يكلف بضعة آلاف قد يعطلها أو يخرجها من الخدمة.
كسب الوقت: إجبار العدوّ على التفكير مطولًا قبل الهجوم، ما يمنح الدولة فرصة للدبلوماسية أو التجهيز للرد.
الردع النفسي: عندما يعلم الطيار أو القائد البحري أنه يدخل "منطقة قتل" محصنة، يقل حماس القيادة لاتّخاذ قرار الحرب.
كيف يواجه "أبو مهدي" الحاملات ضمن هذه العقيدة؟
يمثل صاروخ "أبو مهدي" أداة الـ A2 (منع الوصول) بامتياز، بمدى يصل لـ 1000 كم بسرعة فرط صوتية تقارب 5 ماخ. إنه يرسم "خطًا أحمر" في عرض البحر، إذا تجاوزته الحاملة، تدخل في نطاق نيرانه. هذا يجبر الحاملة على البقاء بعيدًا، ما يجعل طائراتها (التي يبلغ مداها القتالي حوالي 1500 كلم) غير قادرة على الوصول للأهداف البرية دون التزود بالوقود، وهي عملية تجعلها صيدًا سهلًا أو بالحد الأدنى تدخل في تعقيدات صعبة لتنفيذ المهمّة.
الخلاصة: عقيدة A2/AD هي تحويل الجغرافيا (البحار والمضايق) إلى "درع إلكتروني وصاروخي" يجعل القوّة الغاشمة للخصم عبئًا عليه بدلًا من أن تكون ميزة له.
خاتمة: مستقبل "السيادة البحرية" في عصر الأسلحة الذكية
إن المواجهة بين صاروخ "أبو مهدي" وحاملات الطائرات الأميركية ليست مجرد صدام بين قطعتين عسكريتين، بل هي إعلان عن انتهاء عصر "الهيمنة البحرية المطلقة" وبداية عصر "توازن الردع التقني". وبالنظر إلى مسار التطور العسكري حتّى عام 2026 وما بعده، يمكن استشراف مستقبل الصراع البحري في النقاط التالية:
أفول عصر "القلاع العائمة"؟
رغم أن حاملات الطائرات ستظل رمزًا للقوة القومية، إلا أن تزايد دقة الصواريخ بعيدة المدى (مثل أبو مهدي) والأسلحة "فرط الصوتية" يجعل هذه القواعد العائمة أهدافًا "عالية القيمة وسهلة الرصد". التوجّه القادم يميل نحو "القتال الموزع"؛ أي الاعتماد على سفن أصغر حجمًا، أقل تكلفة، وأكثر عددًا، بحيث لا يؤدي فقدان واحدة منها إلى كارثة إستراتيجية.
الذكاء الاصطناعي كقائد للأسراب
لن نشهد في المستقبل صواريخ منفردة تهاجم السفن، بل سنرى "أسرابًا منتحرة" (Swarm Intelligence) تتكون من مئات الدرونز البحرية والجوية والصواريخ التي تتواصل في ما بينها لتنسيق الهجوم. هذه الأسراب ستعمل على "خنق" نظام إيجيس الدفاعي عبر إغراقه ببيانات تفوق قدرته على المعالجة، مما يسمح للرؤوس الحربية بالوصول للهدف.
سلاح الليزر.. الدرع القادم
في المقابل، تسرع الولايات المتحدة من تطوير أسلحة الطاقة الموجهة (Laser Weapons) المدمجة في مفاعلات الحاملات النووية. هذا السلاح هو الوحيد القادر على مواجهة الصواريخ بسرعة الضوء وبتكلفة منخفضة جدًا (دولارات معدودة لكل طلقة)، ما قد يعيد كفة التفوق للدفاع مرة أخرى.
تحول "الجغرافيا البحرية" إلى حقول ألغام ذكية
المضايق المائية (مثل هرمز وباب المندب) لن تعود مجرد ممرات، بل ستصبح مناطق "إنكار وصول" دائمة. بفضل صواريخ كروز بمدى 1000 كم، لم يعد الخصم بحاجة للتواجد في الماء، فالسيطرة على البحر ستمارس من "عمق البر".
الخلاصة النهائية: إن صاروخ "أبو مهدي" يمثل رأس الجبل لجيل جديد من الأسلحة التي جعلت المحيطات "شفافة" وخطرة. في المستقبل، لن ينتصر من يملك السفينة الأكبر، بل من يملك "الخوارزمية الأسرع" والقدرة على حماية بياناته من التشويش والقرصنة وسط غابة من النيران الذكية.