مقالات مختارة
عودة المفاوضات بعد إلغائها | إيران لأميركا: لا لـ"كرنفال" إسطنبول
بين ضغوط "إسرائيلية" لإسقاط التفاوض ومساعٍ إقليمية لإنقاذه، تعود المحادثات النووية الأميركية - الإيرانية إلى مسارها في مسقط، وسط هشاشة سياسية وتصعيد ميداني.
محمد خواجوئي - صحيفة الأخبار
طهران | عادت جولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية إلى مسارها المُقرّر، غدًا، في مسقط، بعد بلبلة أحاطت بها جرّاء تسريبات أميركية عن إلغائها، أعقب رفض طهران مناقشة أي ملف آخر فيها سوى الملف النووي. وجاء ذلك وسط مؤشّرات إلى ضغوط متقابلة يتعرّض لها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب: من "إسرائيل" لإلغاء المفاوضات وتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، ومن حلفائه الآخرين في المنطقة للمضيّ فيها والتوصّل إلى اتفاق. وحسم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ليلًا، الموقف بمنشور على منصة "إكس"، كتب فيه أن "المحادثات النووية مع الولايات المتحدة ستُعقد عند العاشرة صباحًا يوم الجمعة"، موجّهًا الشكر إلى سلطنة عُمان لقيامها بكلّ الترتيبات الضرورية.
وكان الكاتب في موقع "أكسيوس"، باراك رافيد، قد نقل في وقت سابق عن مسؤولين أميركيين قولهم إن "الولايات المتحدة أبلغت إيران بأنها لن توافق على مطالبها بتغيير مكان المحادثات وشكلها". وأوضح أن "واشنطن وطهران اتفقتا على عقد اجتماع في إسطنبول بمشاركة دول أخرى من الشرق الأوسط بصفة مراقبين، لكنّ الإيرانيين قالوا إنهم يريدون نقل المحادثات إلى مسقط وعقدها بصيغة ثنائية، لضمان تركيزها حصرًا على الملف النووي، وليس على قضايا أخرى مثل الصواريخ، التي تُعدّ أولوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة". وأضاف أن المسؤولين الأميركيين نظروا في طلب تغيير المكان، لكنّهم قرّروا رفضه.
غير أن رافيد نفسه عاد وكتب ليلًا أن خطط إجراء المحادثات النووية عادت إلى الواجهة، بعدما مارس عدد من القادة العرب والمسلمين ضغوطًا عاجلة على إدارة ترامب لعدم المضيّ في تهديداتها بالانسحاب. ونقل عن أحد المسؤولين قوله: "طلبوا منا الإبقاء على الاجتماع والاستماع إلى ما لدى الإيرانيين ليقولوه. أبلغنا العرب أننا سنعقد اللقاء إذا أصرّوا على ذلك، لكننا متشكّكون جدًا". وأشار إلى أن ما لا يقلّ عن تسع دول من المنطقة نقلت رسائل إلى أعلى المستويات في إدارة ترامب، طالبت فيها بقوة وعلى مستوى رفيع جدًا بعدم إلغاء الاجتماع في عُمان. وأضاف أن إدارة ترامب وافقت على عقد الاجتماع "احترامًا" لطلب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، و"من أجل مواصلة السعي في المسار الدبلوماسي".
في المقابل، استقبلت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" تسريبات الإلغاء الأولية - قبل إعلان عودة المفاوضات - بارتياح واضح؛ إذ بدا أن الضغط "الإسرائيلي" لضمّ ملفات أخرى إلى المحادثات مع طهران، من قبيل الحدّ من البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم الحلفاء الإقليميين، قد حقّق نتيجة. وجاءت هذه التسريبات بعد ساعات من اجتماع رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو، في القدس المحتلة، ليل أول من أمس، مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر.
في المقابل، أفادت مصادر إيرانية مطّلعة "الأخبار" بأن "إيران تُبدي ثقة أكبر بالدور الذي تؤدّيه سلطنة عُمان بوصفها طرفًا وسيطًا". وبحسب هذه المصادر، فإن "مسقط توفّر ظروفًا أكثر ملاءمة لعقد مفاوضات حسّاسة وسرّية، بعيدًا عن الأجواء الدعائية والضغوط الإعلامية التي قد تُستخدم لممارسة ضغط سياسي على إيران أو للتأثير في مسار التفاوض وجدول أعماله"، ولا سيّما أن الجولات الخمس من المباحثات التي جرت العام الماضي بين طهران وواشنطن عُقدت جميعها بوساطة عُمانية.
وفي سياق متصل، تؤكّد المصادر أن "هذا التوجّه لا يعني تجاهل الجهود الإقليمية الأخرى، بما فيها المساعي التي تبذلها تركيا، والتي تراها إيران مهمّة في سياق خفض التوتّرات وتهيئة المناخ السياسي"، غير أن طهران "لا تُبدي حماسة لتحويل المفاوضات مع واشنطن إلى ما يشبه اجتماعًا إقليميًا واسعًا"، معتبرة أن توسيع هذا الإطار "قد يحوّل المفاوضات إلى مجرّد استعراض سياسي، ويؤثّر سلبًا في أجوائها، وفي طبيعة الملفات المطروحة وأولويات جدول أعمالها".
وعلى الأرض، وحتّى أثناء الاستعداد للدخول في مسار تفاوضي، حرص الطرفان على استعراض قدراتهما واستعداداتهما للمواجهة العسكرية. فقد شهد بحر العرب ومضيق هرمز، أول من أمس، حادثتين متزامنتين عكستا مستوى التوتّر والحساسية البالغة، وإمكانية الانزلاق في أي لحظة نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق. وقدّمت كلّ من المصادر الأميركية والإيرانية روايتها الخاصة حول هاتين الحادثتين؛ إذ أعلنت واشنطن أن طائرة مُسيّرة إيرانية اقتربت "بصورة عدائية" من حاملة الطائرات الأميركية "Abraham Lincoln" في المياه الدولية في بحر العرب، وتجاهلت التحذيرات المتكرّرة، ما دفع مقاتلة من طراز "F - 35" إلى إسقاطها. وفي المقابل، أكّدت إيران أن المُسيّرة كانت في مهمّة استطلاع اعتيادية، ولم تؤكّد إسقاطها.
وبالتزامن مع ذلك، زعمت الولايات المتحدة أن زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري الإيراني حاولت احتجاز ناقلة النفط الأميركية "Stena Imperative" في مضيق هرمز، قبل أن تنسحب عقب تدخّل مدمّرة أميركية. في حين نفت إيران وجود أي محاولة توقيف، مؤكّدة أن ما جرى لا يتعدّى حدود دورية بحرية وإنذارات روتينية بسبب عدم استجابة الناقلة أو تصرّفاتها "المُريبة"، معتبرة أن الولايات المتحدة ضخّمت الحادثة إعلاميًا في إطار سعيها إلى تصوير المنطقة على أنها غير آمنة.
وفي هذه الأثناء، نشرت وكالة "تسنيم" للأنباء، المقرّبة من الحرس الثوري الإيراني، أمس، صورًا تُظهِر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبد الرحيم موسوي، برفقة قائد القوّة الجوفضائية في الحرس الثوري، العميد مجيد موسوي، خلال زيارة لإحدى "المدن الصاروخية" التابعة للحرس الثوري. وبحسب "تسنيم"، قام اللواء موسوي خلال الزيارة بتقييم مستوى الجاهزية القتالية لوحدات الصواريخ التابعة للقوة الجوفضائية.
وجاء ذلك في وقت تحدّث فيه موقع "نورنيوز" الإيراني، في منشور على منصة "إكس"، عن اتّخاذ "قرارات مهمّة" على المستويين الهيكلي والإداري في القطاع الدفاعي للبلاد وعلى أعلى المستويات، سيتم الإعلان عنها قريبًا، "بهدف تعزيز التماسك وزيادة الكفاءة في مجال القيادة الدفاعية، وبما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة".