اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

15 شعبان
المقال التالي عراقجي وبن فرحان يبحثان التطورات الإقليمية في اتصال هاتفي ويؤكدان أهمية الاستقرار

مقالات مختارة

عن الوجه الاقتصادي للصراع: شركاء إيران في مرمى التهديد
مقالات مختارة

عن الوجه الاقتصادي للصراع: شركاء إيران في مرمى التهديد

أيّ ضربة عسكرية أو تصعيد تجاري أميركي ضدّ إيران لا يهدّد الأخيرة وحدها، بل يضع شبكة واسعة من الشركاء الإقليميين والدوليين أمام كلفة اقتصادية يصعب تجاهلها.
42

رمضان الحكيم- صحيفة الأخبار

ما إن يبدأ الحديث عن الحروب وحشد القوات والأساطيل، حتّى يضرب الارتباك الأسواق، ويتسلّل القلق إلى خطوط التجارة قبل أن يصل إلى ساحات القتال المُفترضة. وفي الحالة الإيرانية، فإن أيّ ضربة عسكرية أو تصعيد تجاري أميركي لا يهدّد طهران وحدها، بل يضع شبكة واسعة من الشركاء الإقليميين والدوليين أمام كلفة اقتصادية يصعب تجاهلها. وإذ تستحوذ أربع دول رئيسيّة على الجزء الأكبر من قيم المبادلات التجارية الخارجية لإيران، فإن هذه الدول ستكون في مقدّمة الأطراف المتضرّرة اقتصاديًا من أيّ عمل عسكري أميركي - "إسرائيلي" ضدّ الجمهورية الإسلامية، أو حتّى في حال طبّق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تهديده بفرض رسوم جمركية قدرها 25% على الدول المتعاملة تجاريًا مع الأخيرة.

ولا تُظهِر قيم المبادلات التجارية وتوزّعها الجغرافي، خريطة التحالفات الاقتصادية لإيران، والتي حاولت من خلالها مواجهة سيل العقوبات الأميركية الممتدّة زمنيًا لعدة عقود فقط، وإنما تُظهِر أيضًا محاولة طهران تمكين حضورها الإقليمي في المنطقة، رغم حساسية خلافها السياسي مع بعض الدول حيال ملفات معينة. فالخلاف حيال الملف السوري مع تركيا طيلة السنوات الماضية لم يشكّل عائقًا أمام زيادة التعاون الاقتصادي بين البلدين؛ وتوقيع الإمارات "اتفاقية سلام" مع "إسرائيل" لم يكن سببًا في برود علاقات الأولى الاقتصادية مع إيران، والأمر نفسه تقريبًا ينطبق على الوجود الأميركي في العراق.
في البيانات التجارية الصادرة عن الجمارك الإيرانية أخيرًا، تتصدّر الصين قائمة الشركاء التجاريين لإيران بمبادلات تجارية وصلت قيمتها إلى أكثر من 34 مليار دولار في الفترة الممتدّة ما بين آذار/ مارس 2024 وآذار/ مارس 2025، وهذا ربّما يكون أحد الأسباب الكامنة خلف تهديدات ترامب. أمّا في المرتبة الثانية، فتأتي الإمارات بقيمة مبادلات تجاوزت 29 مليار دولار، فتركيا ثالثة بنحو 19.3 مليار دولار، والعراق رابعًا بأكثر من 12 مليار دولار.

الخراب الاقتصادي
كما هو معتاد في الحروب والنزاعات، فإن التجارة تكون أول القطاعات المتضرّرة، وهذا يحدث حتّى قبل أن تقع الحرب. فخلال الفترة الماضية، وعلى وقع التصريحات والتهديدات الأميركية لإيران، شهدت أسعار النفط في الأسواق العالمية حالة من عدم الاستقرار. ولذلك، فإن استمرار تلك التهديدات من شأنه أن يؤدّي إلى ارتفاع كُلَف المبادلات التجارية، وعدم استقرار سلاسل الإمداد في عموم المنطقة، وتضاعُف حذر المستثمرين؛ مع التذكير هنا بأن إغلاق باب المندب أمام السفن "الإسرائيلية" إبان العدوان على غزّة، وصلت تأثيراته إلى عموم دول المنطقة، وإنْ بنسب متباينة. ولهذا، تجهد دول الإقليم، من السعودية إلى الإمارات فسلطنة عمان وصولًا إلى تركيا، لتفادي المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، والوصول إلى تسوية سياسية تُجنّب المنطقة والعالم كارثة أمنية، سياسية، واقتصادية لن تكون مؤقّتة أو محدودة، أين منها كارثة غزو العراق قبل نحو 23 عامًا، والتي لا تزال ماثلة أمام أعين قادة المنطقة وفي ذاكرتهم.

في الفترة الزمنية المُشار إليها سابقًا، ارتفعت الصادرات الإيرانية بنسبة 15.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، حيث بلغت قيمتها نحو 57.8 مليار دولار، في ما زادت قيمة الواردات بنسبة 8.2% لتبلغ نحو 72.38 مليار دولار. وفي حال وقوع الحرب، فإن هذه البيانات ستكون مقبلة على تغييرات ليست بالقليلة، تبعًا لمساراتها وطبيعة الشركاء التجاريين. ففي حالة الصادرات الإيرانية، تشير تركيبة الدول المستقبِلة لها إلى أن التأثّر لن يكون كاملًا، إلا أنه لن يكون محدودًا أيضًا. فمن جهة، ستتأثّر الصادرات المتجهة نحو الصين (14.8 مليار دولار)، الإمارات (7.2 مليار دولار)، والهند (1.9 مليار دولار)، بالنظر إلى أن طرق التجارة عبر البحار ستكون مُعرَّضة للتهديد والقصف، وهذا يتوقف على شكل الحرب والأهداف الموضوعة لها وغير ذلك. أمّا الصادرات التي تستفيد من التقارب الجغرافي والحدود البرية، فسيكون تأثيرها محصورًا في ارتفاع كُلَف النقل والمخاطر، وبنسبة أقلّ من حيث الحجم، كما في حالة العراق (11.9 مليار دولار)، تركيا (6.8 مليارات دولار)، باكستان وأفغانستان (2,4 مليار دولار لكلّ منهما).

تشير التوقّعات إلى أن المنطقة وإيران ستكونان على موعد مع تغييرات اقتصادية كبيرة

ينطبق ما تقدّم أيضًا على الواردات الإيرانية؛ فالبيانات المنشورة تتحدّث عن أن أكبر سبعة شركاء تجاريين تستورد منهم البلاد هم: الإمارات التي صدّرت سلعًا إلى إيران بقيمة 21.98 مليار دولار، الصين بنحو 19.33 مليار دولار، تركيا بنحو 12.47 مليار دولار، ألمانيا بحوالي 2.43 مليار دولار، الهند بحوالي 1.75 مليار دولار، هونغ كونغ بقرابة 1.39 مليار دولار، وروسيا بنحو 1.35 مليار دولار. وهذا يعني أن الإمارات والصين ستكونان أكثر الشركاء التجاريين تأثّرًا بالنظر إلى قيمة صادراتهما المعتمدة على الشحن البحري. أمّا لجهة السلع التي تتصدّر قائمة الواردات الإيرانية، فهناك سلع أساسية وضرورية كذرة الأعلاف الحيوانية (2.98 مليار دولار)، كسب فول الصويا (1.95 مليار دولار)، فول الصويا (1.32 مليار دولار)، الأرز (1.27 مليار دولار)، وغيرها، فضلًا عن واردات تدْخل في الصناعة المحلية.

السيناريوات المُحتملة
سواء وقعت الحرب أو لم تقع، فإن التوقعات تشير إلى أن المنطقة وإيران ستكونان على موعد مع تغييرات اقتصادية كبيرة. ففي حال الحرب، فإن ذيولها الاقتصادية باتت معروفة؛ وفي حال التسوية السياسية المنتظَرة، فسيكون لها جانب اقتصادي يعطي الشركات الأميركية حضورًا استثماريًا في صناعة النفط الإيرانية والمبادلات التجارية. ذلك أن العامل الاقتصادي هو أحد أهمّ الأسباب الرئيسيّة للتهديدات الأميركية لإيران؛ فمن جهة، هي تملك رابع أكبر احتياطي نفطي مكتشف على مستوى العالم، وفي نظر الأميركيين، يجب ألّا يبقى هذا الاحتياطي بعيدًا عن دائرة استثمارات شركاتهم - وفق المنطق نفسه الذي اتّبعوه في فنزويلا أخيرًا - ؛ ومن جهة ثانية، فإن العلاقة الاقتصادية والتجارية التي تتنامى سنويًا بين طهران وبكين باتت مُزعِجة لواشنطن، وتعرقل مخطّط مواجهة "التوسّع الاقتصادي" الصيني، وإذا كان من الصعب وقف تلك العلاقة، فإن البديل يكمن في مزاحمتها وفرملتها بإجراءات تجارية واستثمارية.
في المحصّلة، لا تبدو المواجهة المُحتملة مع إيران صراعًا عسكريًا بحتًا غايته منع طهران من امتلاك قدرات نووية أو صاروخية بعيدة المدى فقط - مثلما يتردّد غربيًا -، بل هي أيضًا حلقة جديدة في صراع اقتصادي أوسع على النفوذ والطاقة والأسواق. وما بين السعي الأميركي لإعادة تشكيل خارطة الاستثمارات النفطية، ومحاولات إيران تعميق شراكاتها شرقًا، ستبقى التجارة الخارجية المؤشّر الأوضح إلى اتّجاهات الصراع وحدوده.

الكلمات المفتاحية
مشاركة