مقالات مختارة
علي حيدر – صحيفة الأخبار
يبدو أن السلطة اللبنانية وجدت صيغة خاصة لإدارة الصراع مع "إسرائيل". لا عبر الاستفادة من عناصر القوة والمتغيّرات الإقليمية، ولا باستخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية لوقف الاعتداءات، بل عبر مطالبة اللبنانيين، وفي مقدّمهم المقاومة، بألّا يمنحوا" إسرائيل" «الذريعة». هذا المنطق تجلّى بوضوح في ردّ رئيس الحكومة نواف سلام على الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، عندما اتهم المقاومة بأنها وفّرت للعدو «الذريعة» لشنّ عدوانه.
ولا يقتصر هذا الكلام على انتقاد قرار سياسي اتّخذه حزب الله أو مناقشة توقيته وكلفته، بل يؤسس لرواية تعتبر أن المقاومة هي التي وفّرت للعدو فرصة العدوان، متجاهلة أن الاعتداءات على لبنان لم تتوقف طوال الأشهر الـ15 الماضية، وسقط خلالها مئات الشهداء، فيما لم تبادر السلطة إلى أي خطوة عملية لوقف هذا المسار. بل إن التقارير "الإسرائيلية" نفسها كشفت أن جيش الاحتلال كان قد أوصى قيادته السياسية بشن حرب على حزب الله قبل مهاجمة إيران، قبل أن يُتخذ قرار بعكس ذلك.
وفي جميع الأحوال، فإن اتهام المقاومة بأنها منحت العدو الذريعة ينطوي، ضمناً، على اعتراف بأن "إسرائيل" كانت تتربص بلبنان وتمتلك أصلاً خططاً عدوانية تجاهه، وأن المقاومة لم تنشئ هذا التهديد، بل ربما أثّرت في توقيته أو شكله. ومنطقياً، يفترض أن يتوجه الموقف أولاً إلى الطرف الذي يخطط للعدوان ويملك قرار تنفيذه، لا إلى من يُقال إنه وفّر له الذريعة. فالذريعة قد تؤثر في توقيت العدوان أو في طريقة تسويقه، لكنها لا تلغي وجود مشروع عدواني سابق. أما تصويرها سبباً للحرب، فيشوّه العلاقة بين السبب والنتيجة، ويحوّل "إسرائيل" من قوة تمتلك أهدافاً وخططاً وإرادة مستقلة إلى طرف لا يتحرك إلا رداً على أفعال الآخرين. وهو، في جوهره، المنطق نفسه الذي يقوم عليه الإطار الثلاثي، حيث يُعاد تعريف المشكلة على أنها ناتجة من وجود المقاومة، لا من الاحتلال والعدوان.
وإذا أخذنا بمنطق «منح الذريعة» إلى نهايته، فسنخلص إلى أن كل ما ارتكبته "إسرائيل" عبر تاريخها كان يمكن لشعوب المنطقة ودولها تفاديه لو أنها أحسنت فقط سياسة عدم استفزازها. وبذلك، يصبح تاريخ الصراع كله سلسلة أخطاء ارتكبها العرب، لا نتيجة مشروع استعماري امتلك منذ البداية أهدافه وخططه الخاصة.
فما الذريعة التي قدّمها الشعب الفلسطيني للحركة الصهيونية حتى تجمع المستوطنين من أنحاء العالم، وتستعمر فلسطين، وتقتلع أهلها وتهجّرهم؟ هل كان وجود الفلسطينيين في وطنهم هو الذريعة؟ أم أن المشروع الصهيوني كان قائماً بذاته، يستند إلى أيديولوجيا ومؤسسات وأهداف محددة، ويبحث عن الذرائع لتبرير تنفيذه، لا ليستمد منها وجوده؟
وينسحب الأمر نفسه على مصر. ففي عام 1948 حاولت القوات "الإسرائيلية" التقدم نحو سيناء قبل أن توقفها ضغوط بريطانية. ووفقاً لمنطق «عدم منح الذريعة»، أخطأ المصريون في منحهم "إسرائيل" عام 1956 ما احتاجت إليه، فشنّت، إلى جانب بريطانيا وفرنسا، العدوان الثلاثي. ثم تكرّر «الخطأ» عام 1967، عندما لم يعمل المصريون والسوريون والأردنيون بمنطق تجنّب الذرائع، فضاعت أراضيهم ووقعت تحت الاحتلال.
الدولة التي تراهن على سلامتها من خلال حسن سلوكها أمام خصم يمتلك مشروعاً توسّعياً تجعل أمنها مُعلّقاً بإرادة العدو نفسه
والأمر نفسه ينطبق على اجتياح لبنان عام 1982. فقد سبق الحرب نحو عام من الهدوء النسبي على الجبهة الجنوبية في ظل تفاهم مع منظمة التحرير الفلسطينية. لكن محاولة اغتيال السفير "الإسرائيلي" في لندن، التي نُسبت إلى جهة كانت على خلاف مع المنظمة، استُخدمت ذريعة لاجتياح لبنان وصولاً إلى بيروت. لم تكن العملية سبب الحرب، بل الغطاء الذي احتاجت إليه "إسرائيل" لتنفيذ خطة كانت أهدافها وحساباتها مقررة سلفاً. هكذا تعمل الذرائع: تبرّر مشروعاً قائماً، لكنها لا تنشئه.
أما إيران، البعيدة مئات الكيلومترات عن "إسرائيل"، فلم يحمها البعد الجغرافي، ولا غياب الحدود المشتركة، ولا حتى عدم المبادرة إلى إطلاق النار مباشرة على "إسرائيل"، من أن تتحول إلى هدف دائم للعمليات والحروب "الإسرائيلية" والأميركية. فهل يكفي ألا تمنح دولة «ذريعة» حتى تخرج من حسابات قوة تعتبرها خصماً استراتيجياً وتسعى إلى إضعافها ومنعها من امتلاك عناصر القوة؟
من هنا، تسقط الحجة من أساسها. فالعدو الذي يمتلك مشروعاً سياسياً وعسكرياً لا ينتظر من يمنحه الذريعة كي يقرر العدوان. بل يحدد أهدافه أولاً، ويضع خططه، ويقيّم موازين القوى والظروف الدولية، ثم يبحث عن الحادثة أو الخطاب أو التوقيت الذي يوفّر الغطاء المناسب للتنفيذ. لذلك، لا بد من التمييز بين سبب العدوان وذريعته. فالسبب يكمن في المشروع والمصالح والأهداف الاستراتيجية وموازين القوة، أما الذريعة فهي مجرد أداة لتبرير قرار اتُّخذ سلفاً، أو لتسويقه سياسياً وإعلامياً.
والمفارقة أن السيد نواف سلام نفسه لم يكن يتبنّى هذا المنطق عندما كان باحثاً أكاديمياً. ففي ورقة نشرها «مركز الدراسات اللبنانية» في جامعة كامبريدج عام 1987، اعتبر أن "إسرائيل"، لولا القيود الدولية المفروضة عليها، ربما سعت إلى ضم أجزاء من الأراضي اللبنانية، وأن العامل الحاسم في كبح أطماعها هو استمرار تلك القيود وفاعليتها. وبذلك، كان المتغيّر الأساسي في تحليل الباحث نواف سلام هو مستوى الضغوط والقيود الدولية على "إسرائيل": فإذا تراجعت، اتسع هامشها لتنفيذ مشاريعها، وإذا اشتدت، تقلصت قدرتها على تحويل أطماعها إلى سياسات عملية. ولم يكن المُتغيّر هو ما يمنحه اللبنانيون لها من ذرائع.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل استبدل سلام رؤيته السابقة، وأصبح يعتقد أن منح الذريعة، لا تراجع القيود الدولية، هو الذي يفتح المجال أمام العدوان؟ أم أن الانتقال من موقع البحث إلى موقع السلطة فرض تبدّلاً في المنطق والخطاب، بما ينسجم مع أولوية سياسية جديدة عنوانها حشد الرأي العام ضد المقاومة، ولو اقتضى ذلك تجاوز المعادلات التي خلص إليها هو نفسه؟ ثم أليس نقل المسؤولية من العدو إلى المقاومة يشكّل، في أثره العملي، عوناً للعدو في مواجهة جزء كبير من الشعب اللبناني؟ فعندما يعاد تفسير الحرب باعتبارها نتيجة لأفعال المقاومة، لا ثمرة لمشروع العدو وأهدافه، يتحوّل العدوان من فعل مقصود يتحمّل المعتدي مسؤوليته إلى ردّ فعل تكاد تتحمل الجهة المُستهدفة تبعاته. وهكذا تتلقّى الحرب العسكرية التي تشنّها "إسرائيل" على لبنان إسناداً من حرب سياسية وإعلامية داخلية تُشن على المقاومة.
وعليه، لا ينبغي اختزال الصراع في سؤال: من منح العدو الذريعة؟ فالسؤال الحقيقي هو: ما الذي يمنع "إسرائيل" من تنفيذ مخططاتها عندما ترغب بها؟ هل هو حسن سلوك خصومها، أم توازن القوة، ووحدة الموقف الداخلي، والقيود السياسية والدولية المفروضة عليها؟
عدم تقديم الذرائع لا يكاد يرتقي حتى إلى عنصر مستقل في إدارة الصراع، فضلاً عن أن يتحوّل إلى استراتيجية وطنية. فالعدو الذي لا يجد ذريعة جاهزة يستطيع أن يصنعها، أو يضخّم حادثة محدودة، أو ينسب إلى خصمه نيات لم يعبّر عنها. أمّا الدولة التي تراهن على سلامتها من خلال حسن سلوكها أمام خصم يمتلك مشروعاً توسّعياً، فإنها لا تلغي احتمالات العدوان، بل تجعل أمنها مُعلّقاً بإرادة العدو نفسه.