اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي استراتيجية السلطة: تحميل مسؤولية العدوان لضحاياه!

مقالات مختارة

حقوق الأسرى لا تسقط بالصمت
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

حقوق الأسرى لا تسقط بالصمت

45

عمر نشابة – صحيفة الأخبار
ما قيمة أي سلطة عاجزة عن حماية مواطنيها أو حتى عن معرفة مصيرهم؟ هذا السؤال لا يتعلق بالسياسة، بل بالواجب الدستوري والأخلاقي والإنساني البديهي للدولة اللبنانية أو لأي دولة في أي مكان في العالم. فبينما تنشغل السلطة بالجولة السابعة من المفاوضات مع العدو "الإسرائيلي"، يبقى ملف اللبنانيين المحتجزين في سجونه خارج دائرة الاهتمام الذي يستحقه، وكأن هؤلاء المواطنين أصبحوا مجرد هامش في الأخبار، لا قضية وطنية يجب أن تتقدم على غيرها.

اللائحة المحدثة توثق وجود 34 لبنانياً لا يزالون في عداد الأسرى أو المفقودين لدى الاحتلال "الإسرائيلي". بعضهم معتقل منذ عام 1978، وبعضهم منذ الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان عام 1982، وآخرون منذ عام 2005، فيما ارتفع العدد بصورة كبيرة منذ العدوان "الإسرائيلي" الأخير، ولا سيما خلال الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار. وتكشف اللائحة أن من بين عشرين لبنانياً اعتُقلوا بعد بدء وقف إطلاق النار، هناك 16 مدنياً، من الصيادين اعتُقلوا في بحر الناقورة، ورعاة ماشية، ومزارعون، وعمال كانوا في طريقهم إلى أعمالهم، وشرطي بلدي، وضابط متقاعد، وأشخاص اختُطفوا من منازلهم أو في أثناء محاولتهم العودة إلى قراهم. هذه ليست وقائع معزولة، بل نمط متكرر من احتجاز جيش العدو "الإسرائيلي" مدنيين لبنانيين داخل الأراضي اللبنانية بعد الإعلان عن وقف الأعمال القتالية.

الاحتلال "الإسرائيلي" يتحمل المسؤولية الأولى عن هذه الاعتقالات وعن مصير المحتجزين لكن ذلك لا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤولياتها تجاه مواطنيها. فواجب الدولة لا يبدأ بإصدار بيانات التنديد ولا ينتهي بها، بل يفرض عليها استخدام كل الوسائل الدبلوماسية والقانونية والسياسية المتاحة للدفاع عن مواطنيها والمطالبة بالإفراج عنهم أو، في الحد الأدنى، كشف مصيرهم وضمان حقوقهم الأساسية.
الأشد خطورة أن عائلات هؤلاء الأسرى لا تزال تعيش في ظلام كامل. أمهاتهم وأخواتهم وأولادهم لم يتلقوا أي معلومات رسمية عن مصير أبنائهم، فيما جاءت الأخبار القليلة المتوافرة عبر أسرى فلسطينيين أُفرج عنهم، تحدثوا عن وجود لبنانيين في سجون مثل نفحة ورامون أو في مستشفى سجن الرملة. أي إن العائلات تسمع أخبار أبنائها من أسرى محرَّرين، لا من الجهات الرسمية المعنية.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتمكن من الحصول على معلومات عن المحتجزين اللبنانيين من السلطات "الإسرائيلية"


اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتمكن من الحصول على معلومات عن المحتجزين اللبنانيين من السلطات "الإسرائيلية". يدل ذلك إلى خرق واضح لأحكام القانون الدولي الإنساني التي تؤكد حماية الأشخاص المحتجزين، وحق عائلاتهم في معرفة مصيرهم، وأهمية تبادل المعلومات الإنسانية المتعلقة بهم. كما أن حق المحتجز لا يقتصر على معرفة مكان وجوده، بل يشمل أيضاً المعاملة الإنسانية، والرعاية الطبية، والحماية من التعذيب وسوء المعاملة، والتواصل مع العالم الخارجي وفقاً للقواعد الدولية الواجبة التطبيق.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين الدولة اللبنانية من كل ذلك؟ إذا كانت السلطة تعتبر أن حماية المواطنين هي جوهر الشرعية فأين المبادرات السياسية والقانونية والدبلوماسية اليومية التي يفترض أن تبذلها من أجل تحرير هؤلاء الأسرى؟ وبما أن هناك مفاوضات مع العدو "الإسرائيلي" برعاية أميركية، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا ما إذا كان ملف الأسرى يشكل بنداً ثابتاً وأولوية لا تقبل التأجيل، أم أنه يُرحَّل من اجتماع إلى آخر، ومن وعد إلى آخر.

لا يكفي أن تقول السلطة إنها تتابع الملف. ولا يكفي أن يذكر موضوع تحرير الأسرى في ما يسمى «اتفاق الإطار»، المطلوب نتائج وتحركات مستمرة، وإطلاع الرأي العام وعائلات الأسرى على ما يُبذل من جهود، إذا كانت هناك جهود تبذل في هذا المجال. فالصمت الرسمي لا يحرر أسيراً، والغموض لا يطمئن أماً، والانتظار المفتوح ليس سلوكاً مقبولاً لأي دولة حريصة على سلامة مواطنيها وحقوقهم.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن ملفات الأسرى لا تُحل بالنسيان، بل بالإصرار والضغط القانوني والدبلوماسي والإعلامي، أو بالمقاومة والكفاح المسلح. وكل يوم يمر من دون تحرك جدي هو يوم إضافي يقضيه لبنانيون خلف القضبان، في معتقلات القهر والتعذيب فيما تعيش عائلاتهم بين جحيم غيابهم وغياب أي خبر عنهم.

حقوق الأسرى لا تسقط بالتقادم، ولا تسقط بالصمت. وكرامة الدولة تُقاس، قبل أي شيء آخر، بقدرتها على الدفاع عن مواطنيها، ولا سيما عندما يكونون أسرى في قبضة عدو يحتل الأرض وينتهك القانون الدولي. وحتى يعود آخر أسير إلى وطنه، أو تُعرف حقيقة مصير كل مفقود، يبقى هذا الملف اختباراً يومياً لضمير اللبنانيين، ولصدقية الدولة.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة