مقالات
كاتب من العراق
خلال الشهور القلائل الماضية، تحدثت الولايات المتحدة الأميركية كثيرًا عن توجهاتها وسياساتها حيال العراق، بالتزامن مع الحراك السياسي المتواصل في بغداد لإنجاز استحقاقات ومخرجات الانتخابات البرلمانية التي جرت في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
أكثر الحديث ورد على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومبعوثه الخاص للعراق، مارك سافايا الذي أنهيت مهمته مؤخرًا قبل أن يشرع بها عمليًّا. وكان آخر ما قاله ترامب، في تغريدة له على منصة التواصل الاجتماعي المملوكة له (تروث سوشيال): "إن العراق العظيم قد يتخّذ قرارًا "سيئًا جدًا" بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء.. حيث إنه في المرة السابقة التي كان المالكي في السلطة، انحدر البلد إلى الفقر والفوضى الشاملة، ولا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى، وفي حال انتخابه، لن تقدم الولايات المتحدة الأميركية أي مساعدة للعراق بعد الآن، وإذا لم نكن هناك للمساعدة، فلن تكون لدى العراق أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية"!، وفق تعبيره.
هذا الموقف الغريب، بدا متناقضًا إلى حد كبير مع كلّ ادعاءات ومزاعم واشنطن، برفضها التدخل في شؤون العراق الداخلية، باعتباره بلدًا ذا سيادة؛ لأن ما قاله ترامب، يعد انتهاكًا صارخًا للسيادة، وتدخلًا فجًّا بعيدًا كلّ البعد عن السياقات والأعراف الدبلوماسية.
ولعل تغريدة ترامب، مثلت خلاصة للكثير مما تحدث به سافايا بعد الإعلان عن تنصيبه مبعوثًا خاصًا للعراق، بخصوص مزاعم "محاربة الفساد"، ونزع سلاح فصائل المقاومة، وعدم السماح للأخيرة بالمشاركة في الحكومة، وتحجيم أو إنهاء ما يسمّى بـ "النفوذ" الإيراني في العراق.
وكلّ تلك الأحاديث، يتبادر لأول وهلة إلى ذهن من سمعها أو يسمعها أن ترامب والآخرين من أعضاء إدارته، يتحدثون عن بلدهم وليس عن بلد آخر، يدعون الحرص على استقلاله وسيادته واستقراره وازدهاره.
وسواء كان موقف ترامب من ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة، نابعًا من قناعات ذاتية، أو بفعل تأثير وتضليل أطراف وشخصيات أخرى، فإنه لا يخرج عن سياق مجمل السياسات الأميركية القائمة على فرض الإرادات والإملاءات من زاوية المصالح والحسابات الخاصة.
إذا كان رفض ترامب للمالكي نابعًا من قناعات ذاتية، فإنه في واقع الأمر لا يرتبط حقيقة بطبيعة سياسات وأداء المالكي خلال ولايتيه الأولى والثانية، بقدر ارتباطه بتوجهاته ومواقفه الإيجابية من محور المقاومة وعلاقاته الطيبة مع مجمل أطرافه، ابتداءً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مرورًا بحزب الله اللبناني، وحركة أنصار الله اليمنية، وصولًا إلى فصائل المقاومة العراقية التي أبدت دعمًا وتأييدًا لترشيحه، من خلال وجودها البرلماني الحالي الذي ربما يكون قد تجاوز الثمانين نائبًا. فضلًا عن ذلك، فإن ترامب، يخشى أن يتبنى المالكي مواقف سلبية تجاه النظام الحاكم في سورية، ناهيك عن أن أوساطًا سياسية "إسرائيلية"، أبدت عدم ارتياحها لعودة المالكي إلى سدة السلطة في العراق.
ولا يختلف الأمر كثيرًا، إذا كان ترامب قد بنى موقفه حيال المالكي وفقًا لتقارير ومعلومات معينة، وردته من خلال مبعوثه الخاص سافايا، وهو ما أكدته وتناولته العديد من الأوساط السياسية والإعلامية العراقية والعربية والأجنبية، وأشارت إلى أن رائحة فساد كبيرة بطلها الأول على ما بدا وظهر حتّى الآن سافايا.
وهذا الموقف المتبلور بتأثير وتضليل بعض الأطراف، يأتي هو الآخر في سياق مصالح وحسابات سياسية واقتصادية متشابكة، قد تلتقي في جانب منها مع مصالح وحسابات ترامب الخاصة؛ لأن الأدوات الأميركية في الداخل العراقي، غالبًا ما تتوافق مع واشنطن وعواصم إقليمية ودولية.
ولأن السلوكيات جانبت الصواب، والفضيحة كانت كبيرة، لم يجد ترامب بدًّا من إقالة سافايا بصورة مهينة، وحتّى غير متوقعة؛ لأنه حتّى قبل وقت قريب، كان يعتبره عنصرًا "فعالًا ونشطًا"، ويرى فيه معالم وملامح النجاح في مهمته القادمة بالعراق. ومن غير المستبعد أن يخضع سافايا لاستجوابات طويلة، بشأن المعلومات المتداولة عن تلقيه رشاوى بملايين الدولارات لدفع وإقناع ترامب إلى تبني مواقف معينة ضدّ المالكي.
ومجمل هذه القضية - الفضيحة، بكلّ ملابساتها، ليست مرتبطة بشخص واحد، أو حتّى عدة أشخاص من داخل المنظومة السياسية الأميركية، بل إنها تمثل انعكاسًا وتعبيرًا عن تركيبة ذلك النظام بشخوصه ومؤسساته وسياساته ومواقفه وتوجهاته، وفضائح جيفري إبستين، مصداق ومثال شاخص وواضح على ذلك.
وما عزز حقيقة اضطراب وارتباك وتخبط ترامب، هو أن الخارجية الأميركية أصدرت بيانًا، حاولت فيه التخفيف من حدة الموقف الرافض للمالكي، قائلة: "إن الولايات المتحدة تحترم السيادة العراقية احترامًا كاملًا، ولا تسعى إلى فرض قرارات أو أسماء على العملية السياسية العراقية، وإن تصريحات الرئيس ترامب حول العراق جاءت من موقع المسؤولية السياسية، وليس في إطار التدخل في الشؤون الداخلية للعراق أو المساس بسيادته".
وفي ما بعد فإن القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، جوشوا هاريس، جال على مختلف الزعامات والشخصيات السياسية العراقية، لا سيما زعامات الإطار التنسيقي، وتحديدًا التقى نوري المالكي مرتين، في إطار السعي لتلافي ما سببه موقف ترامب من إشكاليات وردود أفعال عراقية غاضبة.
والاضطراب والارتباك الأميركي الواضح، قابله موقف واضح وحازم وصريح من قبل الإطار التنسيقي، رغم التصعيد الإعلامي الذي أرادت من ورائه بعض الجهات تهويل الأمور، والإيحاء بأن المرشح لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة لن يمر دون موافقة ترامب.
إذ قال الإطار التنسيقي بوضوح: "إن اختيار رئيس مجلس الوزراء شأنٌ دستوري عراقي خالص، يتم وفق آليات العملية السياسية وتراعى فيه المصلحة الوطنية؛ بعيدًا عن الإملاءات الخارجية"، هذا في الوقت الذي أكد المالكي عبر تغريدة له على منصة التواصل الاجتماعي (إكس)، "نرفض رفضًا قاطعًا التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكًا لسيادته ومخالفًا للنظام الديمقراطي في العراق بعد العام 2003، وسوف نستمرّ بالعمل حتّى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".
وتتوافق قوى سياسية أخرى عديدة من المكونين السني والكردي مع موقف الإطار التنسيقي، وهو ما يعزز الموقف الوطني العام، ويبعث برسالة مهمّة وعميقة، مفادها أن الخيار والاختيار الحقيقي يكون من بغداد أولًا وأخيرًا، وعلى الآخرين أن يتقبلوا ويفهموا ويتفهموا إذا كانوا حريصين على بناء علاقات متوازنة قائمة على أساس المصالح المشتركة، وتقدير الخصوصيات، واحترام السيادة مع العراق.