مقالات مختارة
لينا فخر الدين - صحيفة "الأخبار"
جمعت اللائحة الفائزة في انتخابات بلدية بيروت متناقضاتٍ سياسية وطائفية تحت شعار الحفاظ على المناصفة. ورغم أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل، بعد خرق اللائحة بمقعد واحد، فإن المجلس المنتخب بقي متوازنًا طائفيًا إلى حدّ بعيد (13 مسلمًا مقابل 11 مسيحيًا).
غير أنّ هذا التوازن لم يمنع، على مدى الأشهر التسعة الماضية، محاولات حثيثة لتحويل فكرة تقسيم بلدية بيروت إلى أمرٍ واقع، في وقت أخفق فيه المجلس في تسجيل أي إنجاز يُذكر للعاصمة، بعدما تحوّلت الخلافات الداخلية إلى "خبز يومي" لأعضائه.
وتتبدّى هذه المحاولات بوضوح في الملفات المطروحة، سواء في النقاشات الرسمية أو الجانبية، حيث بات المنطق الطائفي هو الحاكم، إلى حدّ أصبحت معه اللغة السائدة: "نحن وهم"، بين قضايا يؤيدها أعضاء المجلس المسيحيون ويرفضها نظراؤهم المسلمون، أو العكس.
وسرعان ما انسحب هذا المناخ على الدوائر الإدارية في البلدية. فقد علمت "الأخبار" أن عضو المجلس المحسوب على حزب الكتائب، لويس حبيقة، اعترض على قرار ديوان المحاسبة القاضي بسحب توقيع الموظف ميشال ديب، الذي دأب طوال سنوات على توقيع إفادات الإشغال والشغور والإيصالات بصورة غير رسمية.
ويشغل ديب منصب رئيس قسم طرح الرسوم في المنطقة (أ)، أي دائرة بيروت الأولى، في ما تتولى ديالا حلواني رئاسة القسم نفسه في المنطقة (ب). وتقتصر مهمّة القسمين على إصدار إفادات شغور العقارات، إلا أن ديب كان يوقّع إفادات المنطقتين (أ) و(ب)، إضافة إلى إفادات الإشغال الصادرة عن دائرة تحصيل الواردات، التي ترأسها ضياء ناصر الدين، وهي دائرة مستقلة تصدر إفاداتها استنادًا إلى بيانات الرسوم المسدّدة.
قرار الديوان أثار حفيظة حبيقة، الذي عبّر صراحة عن رغبته في أن تُدار "شؤون المنطقة المسيحية" عبر موظف مسيحي، متسائلًا: "لماذا توقّع موظفة سنية وأخرى شيعية؟ نحن نريد أن نحكم مناطقنا ولن نسمح بأن يكون للمسلمين توقيع على عقاراتها". عندها ردّ عضو المجلس عماد فقيه، الذي صادف وجوده في مبنى المالية، مؤكدًا أن خلفية المسألة قانونية لا طائفية، ومحصورة بسؤال واحد: هل توقيع ديب قانوني أم لا؟ ليجيبه حبيقة: "طول عمره يوقّع"!
وتحوّل السجال إلى نقاش حاد وصراخ داخل مبنى المالية بين حبيقة وفقيه الذي لفت إلى وجود مصالح يرأسها مسيحيون من دون أي اعتراض من أعضاء المجلس المسلمين، مذكّرًا بأن بلدية بيروت لكل العاصمة، لا لمناطق بعينها.
وسريعًا بدأت تدخلات سياسية للضغط على محافظ بيروت القاضي مروان عبود لإعادة توقيع ديب ولو بالعرف. وعلمت "الأخبار" أن النائب نديم الجميل تواصل مع عبود مطالبًا بأن يكون للمسيحيين توقيع على إفادات الإشغال في المناطق المسيحية، كذلك دخلت البطريركية المارونية على الخط لـ "استعادة حقوق المسيحيين المسلوبة" داخل بلدية بيروت.
أبعد من الطائفية
غير أن موظفين في البلدية يؤكدون أن القضية تتجاوز البعد الطائفي، مشيرين إلى أن مراقبي ديوان المحاسبة ثبّتوا حصول أصحاب عقارات على إفادات إشغال أو شغور مقابل رشى مالية. ويشير هؤلاء إلى أن "أحد الموظفين كان يتفق مع المراقبين على تخفيض القيمة التأجيرية لبعض العقارات مقابل عمولات". وعلمت "الأخبار" أن بعض هذه المخالفات ظهرت في تحقيقات ديوان المحاسبة، الذي يُفترض أن يصدر تقريرًا بشأنها خلال الأسابيع المقبلة، علمًا أنه طلب من المعنيين الاطلاع على إفادات نفي الملكية الخاصة بجميع موظفي بلدية بيروت.