مقالات
كاتب من مصر
تتزامن الذكرى السابعة والأربعون للثورة الإسلامية هذا العام مع قمة الاستهداف الإستراتيجي لها والمتمثل في المزج بين التهديد العسكري عبر حشد إمبراطوري ضخم، وبين محاولة خلخلة البنية الأمنية الداخلية عبر الفتن وتحريك العملاء، وكلّ ذلك وسط استمرار سياسة الحصار الاقتصادي والتشويه الإعلامي.
إلا أن الثورة الإسلامية أثبتت أنها وصلت مع قمة العدوان، إلى قمة النضج والزخم الثوري، وأنها لم تترهل مع الزمن، وأن قدراتها تطوّرت بتطور التحديات، وقوتها تعاظمت بتعاظم التهديدات والمخاطر.
وربما افتتاح الاحتفاء بعشرة الفجر لهذا العام قد حمل مشهدًا كاشفًا، يتمثل في زيارة القائد السيد الخامنئي لضريح الإمام الخميني (قده)، وذلك في ظل ظرف أمني بالغ الخطورة ووسط تهديدات علنية من مجرمي الحرب الأميركيين باستهدافه، فكانت الزيارة والخروج العلني بمثابة تلخيص لشجاعة الثورة وفتوتها وثقتها بقدرتها على الردع، كما حملت رسالة أخرى أن الثورة مستمرة ولا خشية عليها، ولن تتوقف على قائد مهما بلغت عظمته وعلا قدره.
ولعل هذه الثورة لم يفقه العدوّ الأميركي و"الإسرائيلي" حتّى الآن حقيقة منطلقاتها ولا طبيعتها، وهو ما تسبب في العجز عن وضع إستراتيجية إجهاض لها، وقد فشلت جميع خيارات الحصار والتهديد، حيث قوبل الحصار باقتصاد مقاوم، وقوبل التهديد بتطوير للردع، وقوبلت الحشود بروح الفداء الحسيني الذي لا يعبأ بالموت طالما هناك امتلاك للحق.
ويحلو للعدو وأتباعه من الملكيات والأنظمة المهادنة والتابعة بالمنطقة، ترديد دعايات الهيمنة عبر الأذرع في وصف دعم إيران الثورة لحركات المقاومة والتحرر الوطني، وقد بدأت الدعايات المغرضة منذ انطلاق الثورة باستخدام فزاعة "تصدير الثورة" لتبرير العداء لها والاصطفاف مع أميركا في مواجهتها.
ورغم أن تصدير الثورات ليس تهمة ولا جريمة، ولكنهم أرادوا الإشارة إلى بث الفوضى وقلب الأنظمة لصالح جماعات ونخب موالية لإيران دعمًا لنفوذها وتوسعها، وهو ما رد عليه الإمام الخميني (قده) برد مفحم وبليغ، حيث قال "عندما نقول لا بد من تصدير ثورتنا يجب أن لا يتبادر إلى الأذهان هذا المفهوم الخاطئ، وهو أنّنا نريد فتح البلدان...، إنّنا نعني بتصدير ثورتنا: أن تستيقظ الشعوب والبلدان، وأن تنقذ نفسها من المعاناة التي تعيش فيها، وتخرج من هيمنة الآخرين الذين ينهبون ثرواتها وذخائرها، في وقت تعيش هي الفقر والحرمان".
وبالتالي شكلت الثورة نموذجًا ملهمًا لكل الأحرار، ودعمت كلّ من تبنى نهجًا مقاومًا للاستعمار، ورفعت شعار التحرر الوطني وحملت على كتفها القضية الفلسطينية وتحرير المقدسات، وصنفت أميركا شيطانًا أكبر لوعيها بدورها العالمي في الهيمنة ورعاية الأنظمة الشيطانية المحتلة والمستبدة.
واللافت أن أميركا احتضنت نظام الشاه، الذي أفقر شعبه ونهبه وقمع كلّ تحركاته المطالبة بالعدالة، في الوقت الذي حاربت ثورة شعبية حقيقية قامت لحفظ حقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب المنافق.
دعمت أميركا الشاه الذي أقام احتفالًا ضخمًا في ذكرى مرور 2500 عام على إنشاء الإمبراطورية الفارسية، ودعا إليه شخصيات أجنبية وعربية واستغرق ثلاثة أيام مليئة بالتبذير المفرط، قدم فيها أكثر من طن من الكافيار، وجلب 200 طاه من فرنسا لإعداد الولائم، وبلغت التكاليف الرسمية للحفل ما بين 100 - 120 مليون دولار، في وقت رزح فيه أبناء الشعب تحت وطأة الجفاف والقحط والفقر.
واليوم تتظاهر أميركا بأنها تناصر المحتجين على سوء الأوضاع الاقتصادية، رغم أن السبب الرئيس هو الحصار الخانق والعقوبات الأميركية!
استطاعت الثورة تدشين اقتصاد مقاوم رغم استهدافها من اليوم الأول بالمؤامرات والتهديدات، ورغم الحرب التي أجبرت عليها مع العراق في وقت كان يستلزم لملمة الصفوف والبدء في تدشين مسار اجتماعي واقتصادي لإصلاح ما أفسده نظام الشاه، ورغم ذلك استطاعت الثورة الحفاظ على قوامها وبرنامجها وتجاوز هذه المخاطر الوجودية، لأنها كانت ثورة شعبية بحق، وهو ما جعل التلاحم الشعبي صمام أمان في تجاوز هذه التحديات.
الغرب تبنى نظامًا معاديًا لشعبه وثقافته وهويته، وحاول هذا النظام الملكي أن يقفز بإيران نحو 1200 عام إلى الأمام في يوم واحد بقرار تغيير بداية السنة الإيرانية، من سنة الهجرة النبوية إلى سنة اعتلاء كورش العرش الفارسي، فقفز بإيران من سنة 1355 إلى سنة 2535، وكان في نظر الغرب نظامًا تقدميًا وحرًا.
بينما نظام الثورة الذي أعاد الهوية الثقافية للشعب الإيراني وقفز به إلى الأمام في سلم التطور العلمي والاقتصادي والتكنولوجي، اعتبره الغرب نظامًا إرهابيًا ورجعيًا!
مع تنامي الوضع الثوري وقبل نحو عامين من عشرة الفجر وانتصار الثورة الإسلامية بطرد الشاه وعودة الإمام الخميني (قده) إلى طهران من منفاه، سعى الشاه وراء مساعدة الولايات المتحدة، وقد قال السفير الأميركي في إيران، ويليام سوليفان إن مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي أكد للشاه مرارًا وتكرارًا أن الولايات المتحدة تدعمه بالكامل، وفي نهايات نوفمبر 1978، أي قبل نحو شهرين من طرد الشاه، اتصل بريجينسكي بالشاه ليبلغه بأن الولايات المتحدة "ستدعمه حتّى النهاية"، واستمر بريجينسكي والوزير جيمس شليزنغر في التعهد للشاه بأن الولايات المتحدة ستسانده عسكريًا. حتّى في آخر أيام الثورة، عندما كان الشاه يعتبر هالكًا لا محالة مهما كانت نتائج الثورة، استمر بريجينسكي في الدفاع عن خطة التدخل العسكري الأميركي لإعادة "الاستقرار الإيراني".
وقد فشلت أميركا في التدخل واتجهت لخيار دعم انقلاب عسكري، ثمّ فشلت، وها هي تحاول من يومها بتعاقب الإدارات.
والغريب أن بعض العملاء لأميركا لا يزالون يراهنون على نجاح أميركا في إيصالهم للحكم، رغم أنها لم تنقذ رجلها وشرطيها بالمنطقة في وجه ثورة جامحة، اكتسبت اليوم قوة مضافة وصلابة وخبرات تراكمية في مواجهة المؤامرات والإرهاب الاستعماري.
استطاعت إيران تحقيق اكتفاء ذاتي في العديد من المجالات والصناعات وعدم الاعتماد على الاقتصاد الريعي المتمثل في النفط، ونوعت اقتصادها غير النفطي حتّى لا ترتهن لعامل اقتصادي وحيد، وذلك لتحفظ استقلال قرارها وسيادتها، واستطاعت توطين عدة صناعات كبرى مثل السيارات، والصناعات التكنولوجية بما فيها الحواسيب والهواتف النقالة، والأجهزة الكهربائية، واتجهت للاكتفاء في مجال الغذاء وصناعاته عبر تطوير الزراعة، وعلى المستويات العسكرية، تفخر إيران بصواريخها وطائراتها المسيرة وأقمارها الصناعية، وهي كلها تجارب لا تنتج إلا من ثورة حقيقية.
ويتحدث الإيرانيون بفخر عن التلاحم الشعبي لا سيما وقت الحروب والمعارك، فلا تزال أصداء حرب الاثني عشر يومًا الأخيرة تتردّد في الأوساط الشعبية ويتذكرون معها صور التلاحم والموقف المشرف لكثير من التجار الذين باعوا سلعهم بسعر التكلفة مراعاة لظروف الحرب، وهو بعد اقتصادي مضاف لا يفقهه العدوّ الأميركي و"الإسرائيلي".
إن العيد السابع والأربعين للثورة يحمل سمة مميزة لأنه بمثابة عودة بالزمن لبداية الثورة وشرارتها وزخمها وميلاد الروح الثورية في مواجهة نفس الأعداء بذات الأدوات العسكرية والانقلابية والفتنوية. وتشكّل خطابات السيد القائد الخامنئي في هذا العيد، الزخم الثوري نفسه الذي شكلته خطابات الإمام روح الله الخميني والتي رسمت طريق انتصار الثورة، ولا يزال المسير مستمرًا.