خاص العهد
لم يعد مفهوم التطبيع في السياق اللبناني مجرد عنوان سياسيّ مرتبط باتفاقيات أو مبادرات دبلوماسيّة، بل تحوّل إلى إطار تحليلي شامل يُستخدم لفهم مسار أوسع من الهيمنة الغربيّة بأدوات متعددة. فالتطبيع، ليس ظاهرة مستجدة فرضتها التطورات بعد عامي 2024 و2025، بل هو خط موازٍ للمشروع الصهيوني، يتكامل مع الاحتلال العسكري ويعمل على تثبيت نتائجه في البنية السياسية والثقافية والاقتصادية. فالمشروع الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى تشكيل الوعي العام ليصبح أمرًا "طبيعيًا" في الإقليم. ومن هنا، فإن أدوات التطبيع لا تقتصر على الاتفاقيات الرسميّة السياسية، بل تمتد إلى الثقافة والفن والإعلام والاقتصاد والجامعة، حيث يُعاد إنتاج القبول الرمزي والوظيفي بالعدو داخل المجتمع نفسه.
الناشطة عُبادة كَسَر
من هم دعاة مواجهة التطبيع في لبنان اليوم؟ وكيف ينظرون إلى هذه المهمّة الصعبة في مجتمع منقسم، غير متفق على مسألة وطنيّة واحدة، وينظر إلى القضايا الحيويّة نظرة متناقضة، كلّ بحسب الجهة التي تدعمه والفئة التي تموّله، رغم أن المقاومة فكرة عالميّة وأمميّة لا خلاف حولها؟.
من هنا أجرى موقع "العهد" الإخباري لقاءً مع الدكتورة عُبادة كَسَر، الناشطة في إطار مناهضة التطبيع الثقافي، وكان الحوار التالي. في هذا الحوار، تقدّم كَسَر قراءة تحليليّة للتطبيع بوصفه مسارًا متكاملًا، وتوضح تحوّلاته الراهنة، ومخاطره، وسبل مواجهته على المستويات الثقافيّة والإعلاميّة والمجتمعيّة.
مفهوم التطبيع
كيف تفهمين مفهوم التطبيع في السياق اللبناني اليوم؟ تؤكد كسر أن "التطبيع ليس ظاهرة جديدة مرتبطة بظروف السنوات الأخيرة، بل هو مسار بنيوي رافق المشروع الصهيوني منذ نشأته. فالمسألة لا تتعلق باتفاقيات سياسيّة فقط، بل بمنظومة متكاملة من الأدوات التي تعمل على فرض وجود العدوّ كواقع طبيعي في المنطقة. هذا المسار يتكامل مع الاحتلال العسكري ويعمل على تثبيت نتائجه داخل البنية الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة للمجتمع. فالمشروع الصهيوني لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العام. لذا فإن أدوات التطبيع تشمل الثقافة والإعلام والاقتصاد والجامعة، وليس السياسة وحدها".
وعن الذي تغيّر في بنية التطبيع خلال المرحلة الممتدة بين 2024 و2026 تجيب قائلة: "التحوّل الأساس يتمثّل في انتقال التطبيع من إطار الاتفاقيّات السياسيّة التقليديّة إلى صيغة يمكن وصفها بـ"التطبيع تحت الضغط". سابقًا، كان التطبيع يُقدَّم كخيار تفاوضيّ ضمن مسارات دبلوماسيّة، أما اليوم فهو يُطرح كحصيلة مفروضة تحت وطأة الحرب والضغوط الدوليّة. بمعنى آخر، لم يعد التطبيع يُسوَّق كسلام، بل كأمر واقع يُفرض بالقوّة. وهذا يعكس طبيعة المشروع الصهيونيّ بوصفه مشروعًا توسعيًّا إحلاليًّا يسعى إلى إخضاع المجتمعات قبل تثبيت السيطرة عليها سياسيًّا وثقافيًّا".
وعن إمكانية اعتبار التطبيع موضوعًا للنقاش السياسي، ترى أن "التطبيع ليس وجهة نظر قابلة للنقاش أو المساومة، بل هو امتداد للاحتلال بأدوات مختلفة. لذا النقاش الحقيقي لا يجب أن يدور حول القبول به أو رفضه، بل حول سبل مواجهته. والمطلوب اليوم هو الانتقال من الجدل النظريّ إلى العمل المنظّم، ومن ردود الفعل إلى بناء إستراتيجيّة مجتمعيّة شاملة تقوم على العمل الثقافي والتوعوي والإعلامي".
أما عن أبرز المخاطر السياسية المرتبطة بهذا المسار، فتقول: "ثمة ضغوطات دولية متزايدة لنقل العلاقة مع العدوّ من الإطار التقني إلى إطار سياسي مباشر. وتبرز محاولات لتحويل اللجان التقنية إلى منصات تفاوض سياسي، وهو ما قد يشكّل مدخلًا لتطبيع رسمي غير مباشر". وتضيف: "كما أن طرح مفاوضات بتمثيل طائفي يشكّل خطرًا إضافيًا لأنه يكرّس التطبيع كخيار سياسي داخلي مفروض من الخارج. في المقابل، لا يزال قانون مقاطعة "إسرائيل" لعام 1955 يشكّل مرجعية قانونية واضحة، لكن الإشكالية تكمن في ضعف تطبيقه".
وتشدد كسر على أن "الثقافة هي الساحة الأكثر حساسية وتأثيرًا. الفن والإعلام يمتلكان قدرة كبيرة على إعادة تشكيل الوعي العام دون خطاب سياسي مباشر، ولذلك يسعى الاحتلال إلى التسلل عبر ما يُسمى بـ"القوّة الناعمة"، حيث شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة عدة مواجهات ثقافية بارزة، من بينها الجدل الذي رافق الإعلان عن حفل الفنان الفرنسي كيندجي جيراك في كازينو لبنان، حيث اعتبرت حملات المقاطعة أن استضافته تمثل محاولة لتمرير خطاب سلام ثقافي منفصل عن السياق السياسي. كما برزت قضية الفنان شيكو بوشيخي مؤسس فرقة جيبسي كينغز، الذي واجه اتهامات بالتطبيع الثقافي بسبب مواقفه وتصريحاته، ما فتح نقاشًا واسعًا حول دور الفن في تشكيل الوعي السياسي".
المقاطعة الفنيّة
حين نسألها: ماذا عن قرارات المقاطعة الفنيّة في لبنان؟ تكشف كَسَر أن "الساحة اللبنانية شهدت قرارات رسمية وشعبية بمنع عرض أعمال فنية مرتبطة بشخصيات داعمة لـ"إسرائيل". فقد مُنع عرض فيلم The Post للمخرج ستيفن سبيلبرغ استنادًا إلى إدراجه على لوائح المقاطعة. كما حُظر عرض فيلم Wonder Woman بسبب مشاركة الممثلة غال غادوت التي خدمت في جيش الاحتلال وأعلنت دعمها للعمليات العسكرية. أما المخرج اللبناني زياد دويري فقد واجه جدلًا واسعًا بعد تصوير فيلمه The Attack في تل أبيب، قبل أن يُسمح بعرض فيلمه The Insult لاحقًا بعد تحقيق رسمي، في قضية عكست تعقيد العلاقة بين حرية الإبداع والالتزام بالقانون".
كيف تنظرين إلى دور المؤسسات الأكاديمية؟ تقول كسر لـ"العهد": إن "المجال الأكاديمي يشكّل ساحة مواجهة مركزية. هناك دعوات لتبني سياسات جامعية تمنع الأبحاث المشتركة والمؤتمرات التي تضم ممثلين "إسرائيليين"، وتعزز ثقافة المقاطعة داخل الحرم الجامعي، خصوصًا في الجامعة اللبنانية باعتبارها المؤسسة الوطنية الأوسع. فالتطبيع الأكاديمي يمنح الاحتلال شرعية معرفية تتجاوز السياسة المباشرة، ولذلك فإن مواجهته ضرورة وطنية وثقافية".
نوعيّة المواجهة الحاليّة
هل المواجهة الحالية كافية؟ تشدد كسر على أن "المشكلة أن كثيرًا من المبادرات تبقى في إطار ردود الفعل. المواجهة الفعالة تتطلب عملًا منظمًا طويل الأمد يقوم على ثلاثة محاور مترابطة: العمل الثقافي، والعمل الإعلامي، والعمل التوعوي. كما أن دور النقابات المهنية والجمعيات المدنية أساسي في ضبط الخروقات ومأسسة المقاطعة، وهناك حاجة لبناء ائتلافات ثقافية وفنية تتبنّى ميثاق شرف يرفض التطبيع بكلّ أشكاله".
نسأل كسر: كيف تصفين طبيعة هذه المواجهة في بعدها الأوسع؟ فتجيب: "إنها معركة وعي وهوية قبل أي شيء آخر. التطبيع لا يستهدف الأرض فقط بل يستهدف العقل أيضًا. ولذلك فإن الإعلام والتعليم والأسرة والجامعة تمثل خطوط الدفاع الأولى. فالمواجهة ليست مجزأة بل شاملة، ومسؤوليتها تقع على المجتمع بأسره. نقل ثقافة الرفض إلى الأجيال الجديدة هو الضمانة الأساسية لاستمرارية هذه المواجهة".
الرسالة الأساس
عن الرسالة الأساس التي تود توجيهها، تختم الناشطة عُبادة كَسَر كلامها بالقو:ل "المطلوب اليوم ليس مجرد موقف سياسي، بل مشروع ثقافي طويل الأمد يحمي الوعي من التزييف. التطبيع محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي بحيث يصبح الاحتلال أمرًا طبيعيًا، ومواجهة هذا المسار تتطلب عملًا مجتمعيًا منظمًا يستند إلى القانون ويتجذر في الثقافة ويتجسد في الممارسة اليومية. المعركة الحقيقية هي حماية الوعي، لأن المجتمع الذي يفقد وضوحه السياسي والأخلاقي يصبح أكثر قابلية للإخضاع مهما امتلك من أدوات القوّة".