مقالات مختارة
إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
ما كان يُقال همسًا أو على شكل تسريبات مجهولة المصدر، تحوّل إلى كلام علني، بعدما جهر الرئيسان جوزيف عون ونبيه بري بأنهما تبلّغا من جهات خارجية رغبة في تأجيل الانتخابات النيابية لفترة طويلة، وليس مجرد تأجيل تقني كما كان يُتداول سابقًا. وبحسب ما أصبح واضحًا لجميع الأطراف المعنية، فقد جاء الطلب من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وفرنسا.
في هذا السياق، لم يعد ممثّلو الوصاية في لبنان يتصرّفون بحذر. وحتى السفير الأميركي ميشال عيسى يبدو كمن يمتلك رغبة دفينة في ممارسة الفوقية على الجميع في لبنان، وقد حانت له الفرصة. بينما يتصرف أشخاص كيزيد بن فرحان وجان إيف لودريان بطريقة تجعل الناس يترحّمون على أيام غازي كنعان، حيث لا مكان للكلام المنمّق أو للتخريفات عن السيادة والاستقلال والديمقراطية، بل أوامر يجب تنفيذها من دون نقاش، وهذا ما ظهر في طبيعة الرسائل التي نُقلت إلى المسؤولين اللبنانيين.
بالنسبة إلى الخارج، فإن لتأجيل الانتخابات أسبابًا عديدة، أهمها أن كل المؤشرات تشير إلى أن صيغة الحكم التي قامت بعد الحرب "الإسرائيلية" لن تتحوّل إلى «منتج شرعي» عبر الانتخابات. فلا جوزيف عون قادر على إيصال نائب إلى البرلمان، ولا في استطاعة نواف سلام حشد مئة ناخب حوله في بيروت.
فيما تبدو الأزمة كبيرة لدى حلفاء الخارج من "القوات اللبنانية" إلى حزب الكتائب، مرورًا بالنواب التغييريين ورجالات «أبو عمر»، إذ إن كل هؤلاء يخشون من عدم قدرتهم على الاحتفاظ بما لديهم من مقاعد، ولا يملكون الأدوات اللازمة لإحداث أي خرق في صفوف خصومهم، سواء من الثنائي أمل وحزب الله أو حتى التيار الوطني الحر.
عقبة تيار «المستقبل»
بدت نقطة التحوّل واضحة منتصف هذا الشهر، عندما عاد الرئيس سعد الحريري إلى بيروت، وكشف الغطاء عن حقيقة المزاج عند الناخب السنّي، لتدرك السعودية، على وجه الخصوص، أن هناك مشكلة حقيقية لدى «نواب أبو عمر»، الذين شعروا بالذعر بعدما تبيّن أن الجمهور المؤيّد للحريري لا يزال نشطًا وقويًا في كل المناطق اللبنانية. والأهم بالنسبة إليهم، أن كل الضغوط التي مارستها السعودية لم تنجح في منع الناس من النزول إلى بيروت للمشاركة في إحياء الذكرى السنوية لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ما أحدث إرباكًا كبيرًا لدى القوى النيابية والشخصيات التي بدت حائرة في كيفية التعامل مع زيارة الحريري، وإشارته إلى نيته خوض الانتخابات النيابية في حال إجرائها.
أميركا والسعودية تريدان بقاء سلام لمواصلة مطاردة سلاح المقاومة وتحقيق البرنامج الغربي للإصلاحات الاقتصادية
وتفاقم قلق «نواب أبو عمر» بعد لقاءات الحريري في بيروت، إذ لم تفلح الضغوط في منع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من زيارته، بينما أبلغ وليد البعريني زملاءه السابقين في «تكتل الاعتدال» أنه غير مهتمّ لغضب أحد، طالما أن قاعدته ترغب في الحفاظ على العلاقة مع الحريري. وجاء إفطار دار الفتوى الخميس الماضي ليكشف المستور، حين حاولت بعض الأطراف تحريض المفتي عبد اللطيف دريان على عدم توجيه الدعوة للحريري، وسرت شائعات بأن السفير السعودي في بيروت، وليد البخاري، سيغيب عن الإفطار إذا حضر الحريري، وأن الرئيسين عون وسلام لن يرتاحا لوجود زعيم «المستقبل».
إلا أن الحريري، الذي لم يرغب في إحراج المفتي، تواصل معه واستفسر عن الوضع، فجاء الرد أن الإفطار قائم، وأنه مرحّب به، ومن لديه مشكلة فعليه معالجتها بنفسه. وعندما وصل الحريري إلى دار الفتوى، حرص على التحفظ في مصافحة الآخرين، فيما لفت الانتباه أن الرئيس عون هو من بادر إلى معانقته، بينما بدا سلام وكأنه يحاول الاختباء في ثيابه، راجيًا الله بأن لا يقترب الحريري منه، علمًا أنه لم يكن يدرج في نيته القيام بأي خطوة تجاه رئيس الحكومة الذي يتولّى تنفيذ طلب الوصي السعودي بـ«تطهير السراي والإدارة» من رجالات الحريري.
النواب الشيعة ومصير سلام؟
المعضلة الثانية التي تواجه سلطات الوصاية الأميركية - السعودية - الفرنسية تتمثّل في اتجاهات التصويت عند الشيعة. بعيدًا عن الإحصاءات واستطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن نسبة التصويت الشيعي سترتفع هذه الدورة بأكثر من عشر نقاط، ما يجعل أي خرق في المقاعد الـ27 للشيعة أمرًا مستبعدًا تمامًا، تلقّت القوى المعنية مؤشرات عن إمكانية أن يحقّق الثنائي أمل وحزب الله خروقات في طوائف أخرى، ورفع عدد أعضاء تحالفهما النيابي بأكثر من خمسة مقاعد.
كما أن توجّههما إلى التعاون مع التيار الوطني الحر، يعزّز قوته من حيث عدد المقاعد ونسبة الحضور في الشارع المسيحي. وفي المقابل، تناهت إلى مسامع الأميركيين والسعوديين معلومات تفيد بأن محسوبين على «التيار التغييري» قد يمتنعون عن الترشح أو قد يدخلون في تحالفات لا تتماشى مع توجهات سلطة الوصاية.
وإلى ذلك، تكمن المشكلة الأكبر في أن حلفاء السعودية يطالبون بمبالغ مالية ضخمة لتمويل حملاتهم الانتخابية، وثمة تقديرات عالية بأن الرياض متحفّظة جدًا حيال هذه النقطة.
وبعدما أدركت أطراف الوصاية أن كل ما قامت به خلال الأشهر الـ 15 الماضية لم ينجح في كسر الفريق الخصم، أصبح الهاجس الرئيسي الآن يتركز على حماية المكتسبات التي حقّقتها الوصاية خلال هذه الفترة. وبحسب المداولات الجارية، فإن الأهداف الفعلية وراء طلب تأجيل الانتخابات، كما فهمها بري وغيره، تتركّز على الآتي:
أولًا: إجراء الانتخابات الآن لن يسمح بتشكيل مجلس نيابي يعكس تركيبة السلطة الحالية، المتمثّلة بالرئيسين عون وسلام والحكومة، بل على العكس، فإن مخاطر خسارة الأغلبية النيابية كبيرة جداً.
هل يدرك بري وحزب الله وحلفاؤهما من خصوم الحكومة الحالية أنهم أمام فرصة لتحصيل أثمان وطنية مقابل السير بالتمديد؟
ثانيًا: إجراء الانتخابات يعني استقالة حكومة سلام مباشرة، وسيكون من الصعب جدًا إعادة تعويمه شخصيًا أو إعادة تعويم الحكومة نفسها، إذ هناك قوى بارزة لا ترغب ببقائها، بدءًا من الثنائي أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر وتيار المردة، مرورًا بتيار المستقبل وبعض الشخصيات السنّية المستقلة، وصولًا حتى إلى «القوات اللبنانية» التي لم تعد ترى نفسها مستفيدة من هذه الحكومة. أمّا رئيس الجمهورية، فلن يأسف على خروج سلام من السراي.
ثالثًا: بقاء الحكومة الحالية يعني أن رئيسها سيظل أكثر ارتباطًا بسلطة الوصاية، وهو الذي يخسر يومًا بعد يوم معظم أصدقائه داخل الحكومة وخارجها. وتسعى السعودية، بمساندة أميركا وفرنسا، إلى استمرار هذه الحكومة، لأن بند حصرية السلاح لا يزال يشكّل أولويتها الرئيسية، وهي تريد من الحكومة الحالية المضي قدمًا في الخطوات التنفيذية بمعزل عن موقف حزب الله وغيره.
رابعًا: تعتبر السعودية، إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة، أن الحكومة الحالية هي الأكثر قدرة على تنفيذ ما يُنظر إليه خارجيًا كبرنامج للإصلاحات الاقتصادية والمالية، سواء من خلال برامج صندوق النقد أو المقترحات الأوروبية والعربية. وهدف دول الوصاية لا يقتصر على فرض آلياتها على إدارة الدولة، بل يتمثّل في المضي قدماً في مشروع بيع أصول الدولة لتسديد الديون.
ما الثمن المقابل؟
إذا كان واضحًا ما تريده قوى الوصاية من طلب التمديد للمجلس النيابي، فما هو الثمن الذي ستكون مستعدّة لدفعه مقابل هذه الخطوة؟
حتى اللحظة، يتصرّف الوصاة وكأنهم غير ملزمين بدفع أي مقابل، بل إن بعضهم يذهب بعيدًا بالقول إن التمديد لا يضمن بقاء نواف سلام رئيسًا للحكومة فحسب، بل يشمل أيضاً بقاء نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي، في خطوة تبدو استفزازية أكثر من اللازم.
زيارة الحريري خلطت الأوراق وكشفت المستور عن ضعف حلفاء السعودية في لبنان عمومًا وبين السنّة خصوصًا
ومن الواضح أن الثنائي، إذا لم يتصرّف بذكاء، سيتحمّل بشكل مباشر كلفة قرار التمديد. والأمر لا يقتصر على إعلان رفض التمديد، بل يشمل رفض التقدّم بطلب التمديد. فدول الوصاية استنتجت من الرئيس بري أنه لا يمانع مبدأ التمديد، لكنه يناقش في المدة؛ فهو يطلب نصف ولاية أو ولاية كاملة، بينما يريد الخارج التمديد لسنة واحدة. كما أن بري أوضح أنه لا يريد إدارة الملف بنفسه، وأنه يفضّل أن تطلب السعودية من عون وسلام وحلفائهما، خصوصًا «القوات اللبنانية» والحزب الاشتراكي، التقدّم بطلب التمديد من خلال مشروع قانون.
في هذه الحالة، يبدو الثنائي كمن يسعى إلى تحقيق انتصار معنوي، بينما تواجهه على طاولة أعماله أولويات ملحّة لا يمكن تأمينها في ظل السلطة الحالية، أُولاها، وضع ملف السلاح في مكانه الطبيعي وعدم جعله رأس أولويات الحكم، ثانيتُها، العمل على وقف العدوان "الإسرائيلي"، والأهم، إطلاق عملية إعادة الإعمار بتوفير موارد من دول مانحة عربية وغربية، وفتح الباب أمام كل من يريد المساهمة في إعادة بناء ما هدّمته الحرب "الإسرائيلية".
إذا لم يعرف حزب الله أولًا، وحركة أمل ثانيًا، ومعهما حلفاء تمّ إبعادهم عن الحكومة مثل التيار الوطني الحر وتيار المردة، كيف يديرون هذه المعركة بذكاء، فسنخسر أمرين في الوقت نفسه: الأول، تجديد الشرعية الشعبية لتيار المقاومة، والثاني، دفع الدولة ودول الوصاية خطوة إلى الأمام في مشروع حماية لبنان من العدو. أمّا غير ذلك، فسيظل مجرد ألاعيب داخلية لا تُجدي نفعًا أمام التحدّيات الكبيرة في لبنان والمنطقة.