مقالات مختارة
قراءة في خطاب نتنياهو: "النصر المُطلق" لا يزال بعيداً
استحضار نتنياهو للمخاطر والتحدّيات يرمي إلى ترسيخ منطق أمني قوامه المبادرة والمنع
علي حيدر - صحيفة "الأخبار"
بعيداً من الفوارق السياسية والعسكرية بين مرحلتَي حرب عام 1967 واليوم، فإن توصيف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للحظة الراهنة تحديداً، بقوله: «نحن في أيام مُعقّدة ومليئة بالتحدّيات، لا أحد يعلم ما الذي سيولّده الغد... ومستعدّون لكلّ السيناريوهات»، والذي يحيل إلى المخاطر التي تواجهها إسرائيل في الوقت الراهن، رغم ما تحقّق من «إنجازات» سابقة، يبعث على المقارنة بين المرحلتين، إذ يعيد خطاب الدقائق الستّ الذي ألقاه نتنياهو أمام «الكنيست»، الإثنين، وتوجّه به إلى الداخل الإسرائيلي لتوضيح صورة المرحلة، التذكير بحقيقة أنه رغم «الانتصار» الإسرائيلي في حرب عام 1967، واجهت إسرائيل حرب استنزاف، ثم حرب تشرين عام 1973، في حين أنه اليوم «رغم كلّ الإنجازات الجبّارة التي حقّقناها معاً»، ما زالت هناك تحدّيات ماثلة، على رأسها التحدّي الإيراني، باعتبار إيران العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة.
ويستبطن حديث نتنياهو إقراراً بأن التفوّق العسكري لا يُنتِج استقراراً تلقائياً، إنما يفتح المجال أمام إعادة تشكّل التهديد في صور جديدة. وإذ يستهدف هذا الإقرار منع الاطمئنان إلى سردية «الإنجاز المطلق» التي قد تتسرّب إلى الوعيَين المجتمعي والمؤسّسي بعد العمليات الأمنية الناجحة - والتي تُحاسَب عليها القيادة السياسية -، فهي تسعى، في الوقت نفسه، إلى قطع الطريق أمام أي ميل إلى اعتبار أن ما تحقّق قد أفضى إلى بيئة أكثر أمناً أو إلى تراجع دائم في قدرات الخصوم أو إلى استقرار استراتيجي، إذ حرص نتنياهو على التنبيه إلى أن القوى المعادية «ترفض التنازل وتعيد تنظيم صفوفها»، في إقرار مباشر من رأس الهرم بأن التهديد لا يزال قائماً ويعيد ترتيب نفسه، وأن ما جرى «تحييده» في طور سابق قد يعود ضمن بنية عملياتية مختلفة، أو عبر ساحات ووسائط مغايرة، بل قد يكون أكثر سيولة من ذي قبل، وأكثر قابلية لإنتاج «مفاجآت» عبر مسارات غير تقليدية.
وبطبيعة الحال، لم يغفل نتنياهو إدخال عبارة «التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة» في صلب خطابه؛ وهو أراد من ذلك منح شرعية سياسية لأي مسار قد يُتّخذ لاحقاً، سواء أكان تفاوضياً أم عملياتياً، والتنبيه إلى أن هامش الحركة الإسرائيلي ليس منفصلاً عن إطار التحالف مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، أعاد نتنياهو التأكيد أن أي ترتيبات مقبلة – خصوصاً في ما يتصل بإيران – لن تُترك لتوازنات تفاوضية قد تتيح للخصم إعادة بناء عناصر قوته تحت غطاء دبلوماسي، وهو ما دلّ عليه حديثه عن «المبادئ التي ينبغي أن توجّه أي مفاوضات».
أما قوله: «نحن مستعدّون لكلّ سيناريو»، فهو ينمّ عن رفض الافتراضات القائلة إن الردع سيصمد، أو إن الخصم سيلتزم بقواعد الاشتباك القائمة، أو إن ساحات الاحتكاك ستبقى محصورة ضمن حدود جغرافية أو عملياتية مألوفة. والرسالة المُضمرة، هنا، هي أن التخطيط ينبغي أن يستوعب احتمالات متعدّدة ومتزامنة، وأن يتعامل مع إمكانية انتقال التهديد من نمط إلى آخر، أو من ساحة إلى أخرى، من دون إنذار مُسبق.
وفي تهديد متجدّد لإيران، حذّر نتنياهو من أن أي هجوم سيُقابَل بـ«ردّ لا يمكنهم تصوّره»، وهو ما يشي بمحاولة لردع طهران، يصعب القول بفعاليتها، خصوصاً أن الأخيرة تعرّضت سابقاً لهجوم أميركي - إسرائيل، واستطاعت النجاة منه. كما أن هذا التهديد يستهدف تحديد هامش توقّع الرأي العام لسقف الفعل العسكري المُحتمل، وذلك بما يسمح للقيادة – إذا اقتضى الأمر – باتخاذ إجراءات واسعة، من دون الاصطدام بتوقّعات مُسبقة حول حدود الرد. بتعبير آخر، يبتغي كلام نتنياهو إشاعة غموض محسوب، يتيح إمكان الانتقال إلى خيارات غير متناسبة من دون الحاجة إلى تبرير لاحق أمام جمهور لم يُهَيَّأ لهكذا سيناريو، ولا سيما أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ستتلقّى صليات صاروخية كثيفة في أي حرب في المنطقة.
وفي الصورة الأعم، فإن هذا الاستحضار للمخاطر والتحديات يرمي إلى ترسيخ منطق أمني قوامه المبادرة والمنع، واستهداف مصادر التهديد في عمقها، وخلق ترتيبات ميدانية – في صورة مناطق عازلة أو أشكال أخرى من التواجد – هدفها تقليص عنصر المفاجأة وإدارة الاحتكاك. كما يستهدف ذلك الخطاب تهيئة الداخل لاحتمال اتّساع الصراع، وجعله على جاهزية مستمرة لمواجهة تهديد يعيد إنتاج نفسه، من دون الوعد بحسم نهائي.
هكذا، يعمل نتنياهو على إدارة المرحلة من خلال إبقاء الجيش في حالة استعداد عملياتي تحاكي عدداً كبيراً من السيناريوات، وإدامة المؤسسات في حالة تنسيق سياسي – أمني، والرأي العام تحت وطأة توقّع دائم بأن مسارات المواجهة لم تُحسم بعد، وأن احتمالاتها، بما فيها الأكثر حدّة، لا تزال مطروحة على الطاولة.